الدرس في كتاب الحدود 3، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول هذا الفصل تعريف حد شارب الخمر وأهمية إقامته في الإسلام، حيث يُحدد الحد بأربعين جلدة ويجوز تعزيزه حتى ثمانين جلدة. كما يشترط لإقامة الحد البينة أو الإقرار.
يحدد هذا الفصل شروط إقامة حد شارب الخمر، حيث يشترط أن يكون شارب الخمر عاقلًا بالغًا مختارًا وعالمًا بتحريم الخمر. كما يجوز تعزيره إلى ثمانين جلدة إذا تكرر منه الشرب.
يناقش هذا الفصل كيفية إقامة حد شارب الخمر، حيث يُقام الحد بشهادة شاهدين أو بإقرار الشخص على نفسه، ولا يُقام على السكران بل بعد أن يفيق. كما يمكن للحاكم زيادته إلى ثمانين إذا رأى مصلحة في ذلك.
يتناول هذا الفصل أحكام تنفيذ جلد شارب الخمر، حيث يجب تجنب ضرب الأماكن القاتلة والتركيز على المواضع اللحمية لتأديبه دون إلحاق الأذى الجسدي الشديد به، بهدف تخليصه من هذه المعصية والتوبة منها.
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن والاه. أما بعد، قال قاضي أبو شجاع الأصفاني رحمه الله في كتابه متن الغاية والتقريب المسمى بمتْن أبي شجاع: فصل، ومن شرب خمرًا أو شرابًا مسكرًا يحد أربعين، ويجوز أن يبلغ به ثمانين على وجه التعزير، ويجب عليه بأحد أمرين: بالبينة أو الإقرار، ولا يحد بالقيء والاستنكاه. هذا الفصل في ذكر حد شارب الخمر، يقول رحمه الله: ومن شرب خمرًا، شرب الخمر من المحرمات وكبائر الذنوب، فقد أنزل الله عز وجل في آخر ما أنزل من الآيات في تحريم الخمر قوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾. نعم، وكان تحريمها في السنة الثانية بعد غزوة أحد. فشرب المسلمون الخمر في أول الإسلام، ثم جاء تحريمها في السنة الثانية بعد غزوة أحد، حتى قال بعض الصحابة ممن شربها في يوم أحد في الصباح وقتلوا وشهيدوا: فكيف بهؤلاء؟ فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. وهي كما سمعنا كبيرة من كبائر الذنوب، ورد فيها من الوعيد الأحاديث الكثيرة، من ذلك أمر النبي عليه الصلاة والسلام بجلد شارب الخمر، قال: «من شرب الخمر فاجلدوه». وهكذا أيضًا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن شارب الخمر المدمن لها الذي لا يتركها، على الله جل وعلا عهد أن يسقيهم من ردغة الخبال، كما جاء في مسلم حديث جابر رضي الله تعالى عنه: «قالوا يا رسول الله وما ردغة الخبال؟ قال: عصارة أهل النار». وجاء في حديث عن عمر في السنن: «أن من شرب الخمر فلم تقبل له الصلاة أربعين صباحًا، فإن مات دخل النار». وهكذا أيضًا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يدخل الجنة مدمن خمر، وأخبر عليه الصلاة والسلام أن من شرب الخمر ومات وهو مدمن لها لم يشرب خمر الآخرة، كما جاء في الصحيحين وغيرها من الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في بيان حرمتها. والخمر في معناها ما خامر العقل، أي غطاه وستره، ومنه الخمار، خمار المرأة سمي خمارًا لأنه يغطيها ويسترها، وهكذا تخمير الإناء، أي تغطيته. فالخمر ما خامر العقل، كما قال عمر رضي الله عنه: «الخمر ما خامر العقل»، أي ما غطاه وستره. والخمر في مذهب الشافعية، وهكذا أيضًا عند الحنابلة، أنها من عصير العنب، ولهذا قال: «أو شرابًا مسكرًا»، يعني غير العنب، كل شراب أسكر، وهذه علة تحريم الخمر والإسكار، لهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام»، وقال: «ما أسكر فهو حرام»، وقال: «ما أسكر كثيره فقليله حرام». قال: ومن شرب خمرًا أو شرابًا مسكرًا، لأن علة تحريم الخمر هو الإسكار، قال: يحد أربعين، من هذا الذي يحد إذا شرب الخمر هو المكلف العاقل البالغ المختار العالم بتحريمه. إذا شربه الخمر من كان عاقلًا، أما إذا كان مجنونًا فهذا لا يحد لأنه غير مكلف، وهكذا الصبي لأنه غير مكلف، لكن يعزر. المختار، فإن شربه مكرها فهذا لا يحد لأن الإكراه يعني منع من موجب التكليف. وهكذا أيضًا يكون عالما بالتحريم، عالما بأن الخمر محرمة، أما إذا كان جاهلًا أن الخمر محرمة، كمن حديث عهد بإسلام وكان كافرًا قبل ذلك ولم يعلم أن الخمر محرمة، فهذا يعذر، أو من يعيش في بادية بعيدة عن أهل الإسلام، ولم يعلم بتحريم الخمر، فهذا يعذر. أما من يعيش في أصلاف المسلمين ثم يأتي ويقول: ما أدري الخمر محرمة، هذا ما يعذر لأن تحريم الخمر معلوم من الدين بالضرورة، ومثل هذا لا يجهل وهو يعيش بين أوساط المسلمين. فإن قال: أنا أعلم أن الخمر محرم، لكن ما أعلم أن من شربها يجلد، هنا يقام عليه الحد ولا يعذر بذلك، ما دام أنه يعلم أنها محرمة. وهكذا أيضًا قال أهل العلم: ينبغي أن يكون عالما بأن هذا الشراب يسكر، يعني ولو كان قليله لا يسكر، لكن كثيره يسكر، هو يعلم هذا، فشرب شيئًا قليلًا مما لا يحصل به السكر، فإنه يجلد بذلك. أما إذا كان لا يعلم أن هذا الشراب يسكر، فهذا أيضًا معذور بالجهل، فلا يقام عليه الحد. قال: يحد أربعين، إذا شربه الخمر وهو عاقل بالغ مختار عالم بالتحريم، فإنه يقام عليه الحد. قال: يحد أربعين، يعني أربعين جلدة، يجلد أربعين جلدة، كما جاء في مسلم حديث أنس رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضرب في الخمر بالنعال والجريد أربعين. وجاء أيضًا في مسلم حديث أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم جلد في الخمر بالجريد والنعال أربعين، وأيضًا أبوبكر رضي الله عنه جلد أربعين. قال: ويجوز أن يبلغ به ثمانين على وجه التعزير، يجوز أن يبلغ به ثمانين على وجه التعزير، يعني يزيد أربعين أخرى من باب التعزير، وهذا يحمل ما ثبت عن عمر رضي الله عنه في جلده لشارب الخمر ثمانين. ففي مسلم في حديث أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم جلد في الخمر بالجريد والنعال أربعين، وهكذا أبوبكر، فلما كان عمر رضي الله عنه ودنى الناس من الريف والقرى وأصبحوا يسكنون مواقع الخصب وكثرت عندهم الثمار والأعناب، فتساهلوا في صنع الخمر وشربها، فقال عمر مستشيرًا لمن عنده من الصحابة: ما ترون في جلد شارب الخمر؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: أرى أن تجعلها كأخف الحدود، كحد القذف، قال: فجلد عمر ثمانين. وجاء في مسلم أن عثمان رضي الله عنه أمر بجلد الوليد بن عقبة لما شرب الخمر، وجلده عبدالله بن جعفر رضي الله عنهما. وكان علي رضي الله عنه يعد: فلما جلد أربعين، قال له عثمان: أمسك، ثم قال: جلد النبي صلى الله عليه وسلم أربعين، وجلد أبوبكر أربعين، وجلد عمر ثمانين، وكل سنة، وهذا أحب إلي -يعني الأربعين-. فعمر رضي الله عنه زاد على الأربعين من باب التعزير، فإذا رأى الحاكم ذلك من باب المصلحة، إذا تساهل الناس بشرب الخمر أن يجلده ثمانين، فلا بأس بذلك. وجاء أيضًا في بعض الأحاديث معاوية رضي الله عنه وغيره في أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل الشارب في الخامسة، قال: «من شرب الخمر فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، وهكذا إلى الخامسة، قال: ثم إن شرب فاقتلوه». والحديث صحيح، لكن اختلف أهل العلم في حكم القتل، فجمهور أهل العلم أنه منسوخ، على أنه منسوخ. وذهب جماعة من أهل العلم، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية ومن قاربوه، إلى أنه ليس منسوخًا، وإنه يرجع إلى اجتهاد الحاكم، فإن رأى التعزير بذلك إذا تساهل الناس في شرب الخمر أنه يقتل في الخامسة، فلا بأس أن يقتل من باب التعزير والعقوبة. قال: ويجب عليه بأحد أمرين، قال: بالبينة أو الإقرار، يعني يقام حد الخمر بأحد أمرين، أحدهما البينة، وهو شهادة شاهدي عدل يشهدان بأن فلانًا شرب خمرًا، فإذا شهده فإنه يقام عليه الحد. قال: بالبينة، أو الإقرار، أي أن يقر على نفسه أنه شرب، والإقرار من أقوى البينات. إذا اعترف أنه شرب خمرًا فإنه يقام عليه الحد، وهذا قول جمهور أهل العلم. قال: «ولا يحد بالقيء والاستنكاه»، يعني إذا رؤي إنسان يتقيأ يتقيأ خمرًا، أو يستنكه، يعني تشم رائحة فمه، وإذا فيها رائحة خمر، قالوا: هذا لا يكفي في إقامة الحد عليه، وهذا قول أكثر أهل العلم، قول الإمام الشافعي رحمه الله، وأيضًا الإمام أحمد. لماذا قالوا ذلك؟ لأنه يحتمل أن يكون شربها خطأ أو شربها مكرها، ونحو ذلك من الاحتمالات، والحدود تدرأ بالشبهات، فما دام أن شبهة موجودة، فإننا لا نقيم عليه الحد إلا بشيء متيقن، إما بشهادة الشهود أو بالإقرار على ذلك. ثم الحد لا يقام عليه وهو السكران، وإنما يقام عليه وهو صاحٍ، لأن إذا قيم عليه وهو السكران لم يدفع بذلك ما سيشعر بالضرب الذي سيضربه، فيترك حتى يصحو، ثم بعد ذلك يجلد حتى يجد ألم هذا الحد والجلد، وهذا هو قول الإمام الشافعي وأحمد وأبي حنيفة رحمهم الله. ويجلد بصوت وسط، ليس بضرب قاسٍ قديم ولا بجديد يتألم، يعني الألم الشديد، ولا قديم لا يحصل به المقصود، لكن وسط بين ذلك. ويضرب في سائر جسده، ويتقى الأماكن القاتلة كالفرج والوجه، وهكذا الرأس والقلب، ويكون أكثر الضرب في مؤخرته، في فخذيه، في ظهره، في مواضع اللحم، حتى لا يتضرر بالجلد، المقصود من الجلد هو تأديبه، ليس قتله أو جرحه، المقصود التأديب أن يتأدب ويشعر بشيء من الألم لعله أن يترك شرب الخمر وأن يتوب من شربها. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.