الدرس في شرح الورقات للجويني 19، ألقاها
يناقش أصل الأشياء قبل ورود الشرع وبعده، حيث يرى أن الأصل هو الإباحة مستدلاً بآيات قرآنية وأحاديث نبوية. استدلال بقول الله تعالى ونصوص نبوية يوضح هذا الأصل.
يشرح كيفية التعامل مع الأدلة الشرعية عند عدم الوضوح واستصحاب الأصل في الحكم، كما يتطرق إلى ترتيب الأدلة وتقديم بعضها على بعض عند التعارض. تقديم الدليل الجلي على الخفي والنطق على القياس أمثلة على ذلك.
يتناول شروط المفتي ومراتب الأدلة، حيث يشرح تقديم المنطوق على المفهوم وتقديم الدليل الموجب للعلم على الموجب للظن. شروط المفتي تشمل العلم بالفقه ومعرفة اللغة والنحو وتفسير الآيات والأخبار.
يؤكد على أهمية معرفة أصول الفقه كأساس لفهم التشريعات والقواعد الفقهية. أصول الفقه تشكل الإطار الذي نستند إليه في فهم الأحكام الفقهية.
قال: وأما الْحَظْرُ وَالْإِبَاحَةُ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْأَشْيَاءَ عَلَى الْحَظْرِ إِلَّا مَا أَبَاحَتْهُ الشَّرِيعَةُ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي الشَّرِيعَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْإِبَاحَةِ، يُتَمَسَّكُ بِالْأَصْلِ وَهُوَ الْحَظْرُ. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ بِضِدِّهِ. الْحَظْرُ وَالْإِبَاحَةُ، يَعْنِي: هَلْ أَصْلُ الْأَشْيَاءِ الْحَظْرُ أَوْ هَلْ أَصْلُ الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ؟ وَتَرِدُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى قِسْمَيْنِ أَوْ حَالَتَيْنِ: الْحَالَةُ الْأُولَى: حُكْمُ الْأَشْيَاءِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ. قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، هَلْ هِيَ عَلَى الْإِبَاحَةِ أَوْ عَلَى التَّحْرِيمِ؟ أَوْ لَا حُكْمَ فِيهَا؟ أَوْ لَا حُكْمَ فِيهَا؟ أَوْ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ زَمَانٌ أَصْلًا لَيْسَ فِيهِ شَرْعٌ. يَعْنِي: لَا يُوجَدُ زَمَانٌ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، لَيْسَ لَهُ حُكْمٌ. هَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِأَصْلِ الْأَشْيَاءِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ. وَالْأَظْهَرُ فِيهَا أَنَّ الْأَصْلَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ أَنَّهُ لَا حُكْمَ فِيهَا، يَعْنِي: لَيْسَ لِلتَّحْرِيمِ وَلَا لِلْإِبَاحَةِ. أَوْ يُقَالُ: أَنَّ الْأَصْلَ فِيهَا الْإِبَاحَةُ حَتَّى يَأْتِيَ التَّحْرِيمُ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ. حَتَّى يَأْتِيَ التَّحْرِيمُ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ. هَذَا أَظْهَرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَنَّ الْأَشْيَاءَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ. وَلِهَذَا كَانَ الصَّحَابَةُ رَضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، كَانُوا يَشْرَبُونَهَا. كَانُوا يَشْرَبُونَهَا حَتَّى جَاءَ التَّحْرِيمُ فِي الشَّرْعِ، فَتَرَكُوهَا. اسْتِعْمَالُهُمْ لَهَا كَانَ عَلَى الْأَصْلِ، عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ. طَيِّبٌ، فَهَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ هُوَ الْأَظْهَرُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَهَكَذَا أَيْضًا حُكْمُ الْأَشْيَاءِ بَعْدَ وُرُودِ الشَّرْعِ، فَالْأَصْلُ فِيهَا الْإِبَاحَةُ. فَالْأَصْلُ فِيهَا الْإِبَاحَةُ. وَالدَلِيلُ قَوْلُ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾. فَقَوْلُهُ جَلَّ وَعَلَا: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ﴾، هَذَا امْتِنَانٌ مِنَ اللَّهِ يَمْتَنُ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ بِمَا خَلَقَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ حَتَّى يَنْتَفِعُوا بِهِ، فَيَدُلُّ هَذَا عَلَى الْإِبَاحَةِ. وَهَكَذَا أَيْضًا فِي حَدِيثِ سَلْمَانَ فِي السُّنَنِ، أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ أَشْيَاءَ أَوْ حَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا، أَوْ حَرَّمَ أَشْيَاءَ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً بِكُمْ فَلَا تَسْأَلُوا عَنْهَا». فَلَا تَسْأَلُوا عَنْهَا. إِذَا مَا سَكَتَ عَنْهُ الشَّرْعُ، فَالْأَصْلُ أَنَّهُ لِلْإِبَاحَةِ، أَنْ يُبَاحَ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَفْعَلَهُ. وَأَيْضًا فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ». مَعْنَى هَذَا أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ وَعَدَمُ التَّحْرِيمِ، حَتَّى يَرِدَ فِي الشَّرْعِ مَاذَا؟ مَا يُحَرِّمُهُ وَيَرْفَعُ الْإِبَاحَةَ. طَيِّبٌ، إِذَا الْأَصْلُ فِي الْأَشْيَاءِ هُوَ الْإِبَاحَةُ حَتَّى يَرِدَ الدَلِيلُ الدَّالُ عَلَى التَّحْرِيمِ. إِذَا قَوْلُهُ: «إِنَّ الْأَشْيَاءَ عَلَى الْحَظْرِ إِلَّا مَا أَبَاحَتْهُ الشَّرِيعَةُ»، الصَّوَابُ الْعَكْسُ: أَنَّ الْأَشْيَاءَ عَلَى الْإِبَاحَةِ حَتَّى يَأْتِيَ الْحَظْرُ مِنَ الشَّرِيعَةِ. قَالَ: «فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي الشَّرِيعَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْإِبَاحَةِ، يُتَمَسَّكُ بِالْأَصْلِ وَهُوَ الْحَظْرُ». وَالصَّوَابُ أَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْإِبَاحَةُ. قَالَ: «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ بِضِدِّهِ»، يَعْنِي: أَنَّ أَصْلَ الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ حَتَّى يَأْتِيَ الْحَظْرُ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ. هَذَا هُوَ الصَّوَابُ، هَذَا هُوَ الصَّوَابُ. طَيِّبٌ، الْحَظْرُ: الْمَنْعُ. الْحَظْرُ بِمَعْنَى الْمَنْعِ. أَيْضًا يَعْنِي: يَدُلُّ عَلَى الْإِبَاحَةِ، قَوْلُ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾. فَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾، مَفْهُومُ الْآيَةِ أَنَّ غَيْرَ الْمَذْكُورَاتِ حَلَالٌ. أَنَّ غَيْرَ الْمَذْكُورَاتِ حَلَالٌ، لِأَنَّ هَذَا هُوَ الْأَصْلُ. طَيِّبٌ، إِلَّا مَا وَرَدَ تَحْرِيمُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَوْ فِي غَيْرِهَا مِنَ الْأَدِلَّةِ، سَوَاءٌ كَانَتْ فِي الْكِتَابِ أَوْ فِي السُّنَةِ، فِيمَا وَرَدَتْ مِنْ تَحْرِيمِ بَعْضِ الْحَيَوَانَاتِ. وَإِلَّا فَالْأَصْلُ هُوَ الْإِبَاحَةُ. قَالَ: «وَمَعْنَى اسْتِصْحَابِ الْحَالِ: أَنْ يُسْتَصْحَبَ الْأَصْلُ عِنْدَ عَدَمِ الدَلِيلِ الشَّرْعِيِّ». طَيِّبٌ. قَالَ: «مَعْنَى اسْتِصْحَابِ الْحَالِ: أَنْ يُسْتَصْحَبَ الْأَصْلُ عِنْدَ عَدَمِ الدَلِيلِ الشَّرْعِيِّ». هَذِهِ قَاعِدَةٌ تُسْتَعْمَلُ عِنْدَ عَدَمِ وُجُودِ الدَلِيلِ. وَيُسْتَصْحَبُ الْأَصْلُ. يُقَالُ: الْأَصْلُ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ. الْأَصْلُ بَسْطُ الْيَقِينِ. أَوْ مَثَلًا: الْأَصْلُ أَنَّ الْيَقِينَ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ. الْأَصْلُ مَثَلًا: بَرَاءَةُ الذِّمَمِ مِنْ الْحُقُوقِ وَالْوَاجِبَاتِ. طَيِّبٌ، وَنَحْنُ ذَلِكَ. هَذِهِ الْأُصُولُ تُسْتَعْمَلُ عِنْدَ عَدَمِ الدَلِيلِ الشَّرْعِيِّ. عَرَفْنَا أَنَّ الْأَفْعَالَ مِنْهَا مَا دَلَّ الشَّرْعُ عَلَى إِبَاحَتِهَا، وَمِنْهَا مَا دَلَّ الشَّرْعُ عَلَى تَحْرِيمِهَا، وَمِنْهَا مَا لَيْسَ فِيهِ دَلِيلُ تَحْرِيمٍ وَلَا دَلِيلُ إِبَاحَةٍ. طَيِّبٌ، وَمِنْهَا مَا فِيهِ دَلِيلُ تَحْرِيمٍ وَدَلِيلُ إِبَاحَةٍ. هَذَا الْقِسْمُ الرَّابِعُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ لِلْإِبَاحَةِ أَوْ دَلِيلٌ لِلتَّحْرِيمِ، هَذَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْأَصْلِ. يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْأَصْلِ، وَهُوَ مَاذَا؟ الْأَصْلُ الْإِبَاحَةُ. أَوْ الْأَصْلُ الطَّهَارَةُ، مَثَلًا، عَلَى حَسَبِ الْأَشْيَاءِ. مَثَلًا: الْمِيَاهُ وَالْأَحْجَارُ وَالثِّيَابُ، مَثَلًا، الْأَصْلُ فِيهَا الطَّهَارَةُ. الْأَصْلُ فِيهَا الطَّهَارَةُ. الْحَيَوَانَاتُ، مَثَلًا، الْأَصْلُ فِيهَا الْإِبَاحَةُ. طَيِّبٌ، وَنَحْنُ ذَلِكَ. فَيُسْتَصْحَبُ هَذَا الْأَصْلُ عِنْدَ عَدَمِ الدَلِيلِ. عِنْدَ عَدَمِ الدَلِيلِ، يُقَالُ: مَثَلًا: مَا هُوَ الْأَصْلُ فِي الْمِيَاهِ؟ نَقُولُ: الْأَصْلُ فِيهَا الطَّهَارَةُ حَتَّى يَتَيَقَّنَ النَّجَاسَةَ، لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمِيَاهِ هُوَ الطَّهَارَةُ، لِقَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾. طَيِّبٌ، إِذَا شَكَّ فِي الْمَاءِ: هَلْ هُوَ نَجِسٌ أَوْ طَاهِرٌ؟ هُنَا نَسْتَصْحِبُ مَاذَا؟ الْأَصْلَ، وَهُوَ الطَّهَارَةُ. الْأَصْلُ وَهُوَ الطَّهَارَةُ. طَيِّبٌ، شَكَكْنَا فِي الثَّوْبِ: هَلْ هُوَ نَجِسٌ أَوْ طَاهِرٌ؟ نَقُولُ: الْأَصْلُ الطَّهَارَةُ. طَيِّبٌ، هَلْ هُوَ حَلَالٌ أَوْ مُبَاحٌ؟ الْأَصْلُ الْإِبَاحَةُ. الْأَصْلُ الْإِبَاحَةُ. إِذَا نَسْتَصْحِبُ هَذَا الْأَصْلَ عِنْدَ عَدَمِ الدَلِيلِ. طَيِّبٌ، الْأَصْلُ مَثَلًا: بَرَاءَةُ الذِّمَمِ مِنَ الْحُقُوقِ وَالْوَاجِبَاتِ. يَعْنِي: مَثَلًا: لَوْ لَمْ يَرِدْ فِي الشَّرْعِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُودِ الصَّلَاةِ، لَمَا أَلْزَمْنَا مَاذَا؟ النَّاسَ بِالصَّلَاةِ. اللَّهُ. أَصْلُ بَرَاءَةِ الذِّمَةِ مِنْ هَذَا الْوَاجِبِ. لَكِنْ لَمَّا جَاءَ الدَلِيلُ، صَارَتِ الصَّلَاةُ وَاجِبَةً، وَصَارَ كُلُّ إِنْسَانٍ مَلْزَمًا بِفِعْلِهَا. طَيِّبٌ، مَثَلًا: الْحُقُوقُ، حُقُوقٌ مَالِيَّةٌ، الْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَةِ مِنَ الْحُقُوقِ. لَوْ جَاءَ إِنْسَانٌ يَدَّعِي أَنَّ لَهُ عَلَى فُلَانٍ مَالًا، نَقُولُ لِهَذَا الْمُدَّعِي: مَاذَا؟ هَاتِ الْبَيِنَةَ عَلَى دَعْوَاكَ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. الْأَصْلُ: مَا لَهُ شَيْءٌ. مَا لَكَ شَيْءٌ عِنْدَهُ. نَسْتَصْحِبُ هَذَا الْأَصْلَ، وَهُوَ بَرَاءَةُ ذِمَتِهِ مِنَ الْحُقُوقِ، حَتَّى يَأْتِيَ الْمُدَّعِي بِالْبَيِنَةِ. فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِبَيِنَةٍ، أُمِرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْيَمِينِ: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ، وَاسْتُبْرِئَتْ ذِمَتُهُ. طَيِّبٌ، هَذَا مَعْنَى اسْتِصْحَابِ الْحَالِ عِنْدَ عَدَمِ الْأَصْلِ، يَعْنِي: اسْتِصْحَابِ الْأَصْلِ عِنْدَ عَدَمِ الدَلِيلِ الشَّرْعِيِّ، سَوَاءٌ كَانَ الْأَصْلُ هُوَ بَرَاءَةَ الذِّمَةِ مِنَ الْحُقُوقِ، أَوْ الْأَصْلُ الْإِبَاحَةُ، أَوْ الْأَصْلُ الطَّهَارَةُ. فَيُسْتَصْحَبُ هَذَا الْأَصْلُ عِنْدَ عَدَمِ وُجُودِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ. قَالَ: «تَرْتِيبُ الْأَدِلَّةِ». وَأَمَّا الْأَدِلَّةُ، فَيُقَدَّمُ الْجَلِيُّ مِنْهَا عَلَى الْخَفِيِّ، وَالْمُوجِبُ لِلْعِلْمِ عَلَى الْمُوجِبِ لِلظَّنِّ، وَالنَّطْقُ عَلَى الْقِيَاسِ، وَالْقِيَاسُ الْجَلِيُّ عَلَى الْخَفِيِّ. فَإِنْ وُجِدَ فِي النَّطْقِ مَا يُغَيِّرُ الْأَصْلَ، وَإِلَّا فَيُسْتَصْحَبُ الْحَالُ. هَذَا الْفَصْلُ مَا يَتَعَلَّقُ بِتَرْتِيبِ الْأَدِلَّةِ، يَعْنِي: عِنْدَ التَّعَارُضِ. عِنْدَ التَّعَارُضِ، إِذَا تَعَارَضَتِ الْأَدِلَّةُ، وَالْوَاجِبُ أَوَّلًا هُوَ الْجَمْعُ بَيْنَهَا، كَمَا مَرَّ مَعَنَا فِي الْأَبْوَابِ السَّابِقَةِ. فَإِذَا أَمْكَنَ الْجَمْعُ، وُجِدَ الْجَمْعُ. وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ، نَظَرْنَا إِلَى التَّارِيخِ، فَالْمُتَأَخِّرُ نَاسِخٌ لِلْمُتَقَدِّمِ. فَإِنْ لَمْ نَعْلَمْ التَّارِيخَ، فَإِنَّنَا نُرَجِّحُ وَنُقَدِّمُ الْأَرْجَحَ عَلَى الْمَرْجُوحِ. وَهَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِهَذَا الْبَابِ فِي تَرْتِيبِ الْأَدِلَّةِ، أَيْ: فِي التَّرْجِيحِ. أَيُّهُمَا يُقَدَّمُ وَيُرَجَّحُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ؟ فَقَالَ: «يُقَدَّمُ الْجَلِيُّ مِنْهَا عَلَى الْخَفِيِّ»، يَعْنِي: الدَلِيلُ الْجَلِيُّ الْوَاضِحُ يُقَدَّمُ عَلَى الدَلِيلِ الْخَفِيِّ. يُقَدَّمُ عَلَى الدَلِيلِ الْخَفِيِّ. مِثَالُهُ: فِي قَوْلِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ، وَلَا الْإِمْلَاجَةُ وَلَا الْإِمْلَاجَتَانِ». الْحَدِيثُ فِي مُسْلِمٍ. هَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّضَاعَ لَا يُحَرِّمُ بِالْمَصَّتَيْنِ. لَكِنْ مَفْهُومُهُ أَنَّهُ يُحَرِّمُ بِالثَّلَاثِ. مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ أَنَّهُ يُحَرِّمُ بِثَلَاثِ مَصَّاتٍ. طَيِّبٌ، عَارَضَهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ: «قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنْ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَاعَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُنَّ فِيمَا يُتْلَى مِنْ الْقُرْآنِ». هَذَا الْحَدِيثُ الْآنِ فِيهِ أَنَّ التَّحْرِيمَ بِمَاذَا؟ بِخَمْسِ رَضَاعَاتٍ. وَفِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ أَنَّ التَّحْرِيمَ بِثَلَاثِ رَضَاعَاتٍ. حَصَلَ عَارِضٌ. كَيْفَ نُرَجِّحُ بَيْنَ الدَلِيلَيْنِ؟ طَبْعًا مَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ، وَلَا الْقَوْلُ بِالنَّسْخِ. فَهُنَا نُقَدِّمُ حَدِيثَ عَائِشَةَ. لِمَاذَا؟ لِأَنَّ مَنْطُوقَ حَدِيثِ عَائِشَةَ مَنْطُوقٌ، لَفْظُهُ وَنَطْقُهُ: أَنَّ تَحْرِيمَ الرَّضَاعِ بِخَمْسِ رَضَاعَاتٍ. لَكِنَّ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ إِنَّمَا أُخِذَ تَحْرِيمُ الثَّلَاثِ مِنْ جِهَةِ الْمَفْهُومِ. أَمَّا مَنْطُوقُ الْحَدِيثِ: أَنَّ الرَّضَاعَتَيْنِ مَا تُحَرِّمُ. لَكِنَّ الْمَفْهُومَ أَنَّ الثَّلَاثَ تُحَرِّمُ. فَعَارَضَ هَذَا الْمَفْهُومَ الْمَنْطُوقُ. وَالْمَنْطُوقُ أَقْوَى مِنَ الْمَفْهُومِ، فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ. طَيِّبٌ، يَكُونُ الدَلِيلُ الْمَنْطُوقُ يَعْنِي: ظَاهِرٌ وَجَلِيٌّ. وَأَمَّا الدَلِيلُ الْمَفْهُومُ فَهُوَ خَفِيٌّ، فَيُقَدَّمُ الْجَلِيُّ عَلَى الْخَفِيِّ. قَالَ: «وَالْمُوجِبُ لِلْعِلْمِ عَلَى الْمُوجِبِ لِلظَّنِّ»، يَعْنِي: الدَلِيلُ الْمُوجِبُ لِلْعِلْمِ عَلَى الدَلِيلِ الْمُوجِبِ لِلظَّنِّ. الْمُوجِبُ لِلْعِلْمِ، مَثَلًا: الْحَدِيثُ الْمُتَوَاتِرُ. أَوْ الْحَدِيثُ الْآحَادُ الَّتِي حَفَّتْ بِهَا قَرَائِنُ حَتَّى وَصَلَتْ إِلَى دَرَجَةِ الْعِلْمِ وَالْيَقِينِ. وَالْمُوجِبُ لِلظَّنِّ: الْحَدِيثُ الْآحَادُ الَّتِي لَمْ تَحُفْهَا قَرَائِنُ. مَثَلًا: يُقَدَّمُ الْمُوجِبُ لِلْعِلْمِ عَلَى الْمُوجِبِ لِلظَّنِّ. مَثَلًا: بِحَدِيثِ الْمَسْعُودِ فِي السُّنَنِ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ ثُمَّ لَا يَعُودُ». يَعْنِي: لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ. عَارَضَهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَعِنْدَ الرُّكُوعِ، وَعِنْدَ الرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوعِ». وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ قَادِرٌ، خَمْسَةَ عَشَرَ رَاوِيًا أَوْ صَحَابِيًا. فَهَذَا الْحَدِيثُ يَعْنِي: يَبْلُغُ دَرَجَةَ التَّوَاتُرِ. وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ ذَكَرْنَاهُ فِي الْمَسْعُودِ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ ثُمَّ لَا يَعُودُ». فَيُقَدَّمُ مَاذَا؟ الْحَدِيثُ الثَّانِي: «أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَعِنْدَ الرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوعِ»، لِأَنَّهُ مُوجِبٌ لِلْعِلْمِ. وَحَدِيثُ الْمَسْعُودِ مُوجِبٌ لِلظَّنِّ. طَيِّبٌ، قَالَ: «وَالنَّطْقُ عَلَى الْقِيَاسِ»، يَعْنِي: يُقَدَّمُ النَّطْقُ عَلَى الْقِيَاسِ. يُقَدَّمُ النَّطْقُ عَلَى الْقِيَاسِ. وَالْقِيَاسُ، الْحَقِيقَةُ مَعَ وُجُودِ النَّطْقِ، قِيَاسٌ فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ. لَا يُعْتَبَرُ بِهِ. مِثَالُهُ: مَثَلًا قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ الْمَرْأَةَ كَمَا أَنَّهَا تَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي مَالِهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا، فَلَهَا أَنْ تُزَوِّجَ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا، قِيَاسًا عَلَى جَوَازِ تَصَرُّفِهَا بِمَالِهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا. هَذَا قِيَاسٌ، لَكِنَّ هَذَا الْقِيَاسَ مُخَالِفٌ لِلنَّطْقِ، لِأَنَّهُ جَاءَ النَّطْقُ بِأَنَّهُ: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ». «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ». فَيُقَدَّمُ النَّطْقُ عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ. طَيِّبٌ، قَالَ: «وَالْقِيَاسُ الْجَلِيُّ عَلَى الْخَفِيِّ». الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ الَّذِي يَعْنِي: نَصَّ عَلَى عِلَّتِهِ، أَوْ قَطَعْتُهُ بِنَفْيِ الْفَارِقِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ. وَأَمَّا الْقِيَاسُ الْخَفِيُّ، فَهُوَ الَّذِي لَمْ يُنَصَّ عَلَى عِلَّتِهِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ مُسْتَنْبَطَةً، وَلَمْ يُقْطَعْ فِيهِ بِنَفْيِ الْفَارِقِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ. فَإِذَا تَعَارَضَ الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ مَعَ الْقِيَاسِ الْخَفِيِّ، قَدَّمَهُ. قَدَّمَ الْجَلِيَّ، لِأَنَّهُ أَقْوَى. لِأَنَّهُ أَقْوَى، فَيُقَدَّمُ عَلَى الْخَفِيِّ. قَالَ: «إِنْ وُجِدَ فِي النَّطْقِ مَا يُغَيِّرُ الْأَصْلَ، وَإِلَّا فَيُسْتَصْحَبُ الْحَالُ». هَذَا كَمَا مَرَّ مَعَنَا فِي الْكَلَامِ عَلَى اسْتِصْحَابِ الْأَصْلِ. إِذَا وُجِدَ فِي النُّطْقِ، يَعْنِي: فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، مَا يُغَيِّرُ الْأَصْلَ، وَإِلَّا فَيُسْتَصْحَبُ الْحَالُ. نَعَمْ، الْأَصْلُ مَثَلًا: قُلْنَا: بَرَاءَةُ الذِّمَةِ مِنَ الْوَاجِبَاتِ. هَذَا الْأَصْلُ. لَكِنْ جَاءَ الدَلِيلُ عَلَى وُجُوبِ الصَّلَاةِ، وَعَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ، مَثَلًا. فَهَذَا الْآنَ خَالَفَ الْأَصْلَ. فَهُنَا يُعْمَلُ بِالنُّطْقِ. يُعْمَلُ بِالنُّطْقِ. طَيِّبٌ، لَكِنْ إِذَا جَاءَ إِنْسَانٌ يُرِيدُ أَنْ يُكَلِّفَ النَّاسَ بِعِبَادَةٍ مَا، لَمْ تَجِئْ فِي الشَّرْعِ، نَقُولُ: هُنَا الْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَةِ مِنْ هَذَا الْوَاجِبِ. الْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَةِ مِنْ هَذَا الْوَاجِبِ، حَتَّى يُرْجَعَ إِلَى النَّصِّ بِوُجُوبِهَا. فَنَسْتَصْحِبُ الْأَصْلَ. طَيِّبٌ، الْأَصْلُ الْإِبَاحَةُ. فَإِذَا قَالَ إِنْسَانٌ: هَذَا الشَّيْءُ مُحَرَّمٌ، نَقُولُ: هَاتِ الدَلِيلَ مِنْ الْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ عَلَى تَحْرِيمِهِ. إِنْ لَمْ يُوجَدْ دَلِيلٌ، فَالْأَصْلُ الْإِبَاحَةُ. فَنَسْتَصْحِبُ الْأَصْلَ، وَهُوَ الْإِبَاحَةُ. قَالَ: «شُرُوطُ الْمُفْتِي». قَالَ: «وَمِنْ شُرُوطِ الْمُفْتِي أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالْفِقْهِ أَصْلًا وَفَرْعًا، خِلَافًا وَمَذْهَبًا، وَأَنْ يَكُونَ كَامِلَ الْآلَةِ فِي الِاجْتِهَادِ، عَارِفًا بِمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ مِنَ النَّحْوِ وَاللُّغَةِ، وَمَعْرِفَةِ الرِّجَالِ، وَتَفْسِيرِ الْآيَاتِ الْوَارِدَةِ فِي الْأَحْكَامِ، وَالْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِيهَا». الْمُفْتِي هُوَ الْمُخْبِرُ عَنْ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ. الْمُخْبِرُ عَنْ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُفْتِي وَالْقَاضِي: أَنَّ الْمُفْتِي فَتْوَاهُ لَا تَرْفَعُ الْخِلَافَ، بِخِلَافِ الْقَاضِي، فَإِنَّ فَتْوَاهُ تَرْفَعُ الْخِلَافَ. وَالْفَرْقُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُفْتِي قَوْلُهُ غَيْرُ مُلْزِمٍ، بِخِلَافِ الْقَاضِي، فَقَوْلُهُ يَلْزَمُ الْخَصْمَ الْأَخْذَ بِهِ. قَالَ: «مِنْ شُرُوطِ الْمُفْتِي أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالْفِقْهِ أَصْلًا وَفَرْعًا»، يَعْنِي: أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالْفِقْهِ أَصْلًا وَفَرْعًا. أَصْلًا: يَعْنِي: يَعْرِفُ أُصُولَ الْمَذَاهِبِ الْفِقْهِيَّةِ. وَكَذَلِكَ أُصُولَ الْفِقْهِ. مَعْرِفَةُ أُصُولِ الْفِقْهِ هَذَا أَمْرٌ مُهِمٌّ، حَيْثُ ي