شرح لمعة الإعتقاد 21

الدرس في شرح لمعة الإعتقاد 21، ألقاها

حشر الناس ووقوفهم للحساب

يوم القيامة يحشر الناس حفاة عراة غرلا ويقفون للحساب حتى يشفع فيهم النبي محمد صلى الله عليه وسلم. تنصب الموازين وتنشر الدواوين ليحاسبهم الله تعالى.

تفاصيل الحساب ووزن الأعمال

تنصب الموازين وتطاير صحف الأعمال ويحاسب العبد على أعماله. توزن الأعمال في الميزان، فمن ثقلت موازينه فهو من المفلحين ومن خفت موازينه فهو من الخاسرين.

تأكيد على وزن الأعمال والاختلاف فيه

هناك اختلاف بين العلماء في تحديد ما يوزن في الميزان، هل هي الأعمال أم الأشخاص أم صحائف الأعمال. بعض العلماء جمع بين هذه الأقوال ورجح أن الجميع يوزن.

الندم والحسرة يوم القيامة

الندم الشديد يصيب الكافرين يوم القيامة عندما يدركون خطأهم، ويتلقون كتابهم وراء ظهورهم ويصرخون دون جدوى. هذا الندم يأتي بعد فوات الأوان حيث لا تقبل التوبة.

  • 20 جمادى الأولى 1439هـ - 05/02/2018مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام ابن قدامة رحمه الله في كتاب "لمعة الاعتقاد": "ويحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا بهما، فيقفون في موقف القيامة حتى يشفع فيهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ويحاسبهم الله تبارك وتعالى، وتنصب الموازين، وتنشر الدواوين، وتتطاير صحف الأعمال إلى الأيمان والشمائل". فأما من أوتي كتابه بيمينه، فسوف يحاسب حسابا يسيرا، وينقلب إلى أهله مسرورا. وأما من أوتي كتابه وراء ظهره، فسوف يدعو ثبورا، ويصلى سعيرا. قال رحمه الله: "إن الناس يوم القيامة يحشرون، والحشر لغة الجمع، ومنه قول الله جل وعلا: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾، يعني يجتمع الناس في وقت الضحى". وشرعا هو جمع الخلائق يوم القيامة لمحاسبتهم والقضاء بينهم. قال: "ويحشر الناس يوم القيامة حفاة"، أي بلا نعال، "عراة"، بلا ثياب، "غرلا"، أي غير مختونين، كهيئتهم يوم خلقوا، كما قال الله جل وعلا: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾. وجاء ذلك في حديث عائشة رضي الله عنها في الصحيحين، حين أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الله عز وجل يحشر الخلائق يوم القيامة حفاة عراة غرلا، فقالت عائشة: "يا رسول الله، الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟" قال: "يا عائشة، إن الأمر أشد من أن يهمهم ذلك". وبهما، أي ليس معهم شيء، كما جاء في حديث عقبة بن عامر في السنن. وهذا الحشر على قسمين: حشر في الدنيا، وهو ينقسم إلى قسمين: الحشر إلى بلاد الشام، وحشر الناس إذا أخرج الله جل وعلا النار التي تحشرهم إلى أرض المحشر. والحشر كذلك في الآخرة على نوعين: حشر الناس إلى أرض الموقف، ثم حشرهم من أرض الموقف إلى الجنة أو إلى النار، كما في قوله جل وعلا: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾، ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾. قال: "ويحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا، فيقفون في موقف القيامة"، يعني في ذلك اليوم العظيم الذي وعد الله سبحانه وتعالى به، والنبي صلى الله عليه وسلم يجمع الله جل وعلا الخلائق أجمعين، الأولين والآخرين، كما قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾. يحشرهم الله جل وعلا على أرض بيضاء، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: "يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء كقرصة النقي"، يعني كقرص الخبز الصافي النقي، ليس فيها معلم لأحد. والحديث في الصحيحين. والله عز وجل يقول: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾. قال: "حتى يشفع فيهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم"، والنبي عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عباس يقول: "إن أول من يكسى من الخلائق إبراهيم"، يعني حين يحشر الناس، أول من يكسى إبراهيم عليه السلام. قال: "حتى يشفع فيهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم"، يعني في أرض الموقف، حين يقف الناس في ذلك الموقف العظيم، فيصيبهم من الكرب والشدة ما الله به عليم. فيأتون الأنبياء إلى آدم، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيتبرأ آدم، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح. فيأتون إلى نوح، ثم يتبرأ نوح، فيأتون إلى إبراهيم، فيتبرأ إبراهيم، ثم يأتون إلى موسى، فيتبرأ، ثم عيسى، حتى يأتون نبينا عليه الصلاة والسلام، فيشفع عليه الصلاة والسلام، فيخر ساجدا تحت العرش، ويحمد الله جل وعلا، ويثني عليه بمحامد يفتحها الله عليه لم يكن يعلمها من قبل. فيقال: ارفع رأسك، وسل تعطى، واشفع تشفع. حديث الشفاعة المشهور بحديث الشفاعة العظمى، وهو ثابت في الصحيحين من حديث أبي هريرة وغيره، وهو المقام المحمود الذي وعده الله بنبيه محمدا عليه الصلاة والسلام: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾. قال: "ويحاسبهم الله تبارك وتعالى". أن يحاسب العباد، والحساب لغة العد، والمراد به محاسبة الله جل وعلا للعباد على أعمالهم خيرها وشرها، كما قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾. والنبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في بعض صلاته ودعائه: "اللهم حاسبني حسابا يسيرا". وكذلك أيضا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بصفة الحساب: أن المؤمن يقرره الله جل وعلا بذنوبه، عملت كذا يوم كذا وكذا، حتى إذا رأى أنه قد هلك، قال الله جل وعلا: سترت عليك في الدنيا، وأغفرها لك اليوم، فيعطى صحيفة حسناته. وأما الكافر والمنافق، فينادى بهم على رؤوس الأشهاد: ألا هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ألا لعنة الله على الظالمين، كما جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما. وهو ثابت كما سمعنا في بداية الكتاب والسنة والإجماع. قال: "وتنصب الموازين"، وسنتكلم على الميزان. "وتنشر الدواوين"، وتطاير صحف الأعمال. الدواوين جمع ديوان، والديوان في اللغة ما يكتب فيه الجند ونحوهم، والمراد به صحائف الأعمال التي تكتب فيها أعمال العبد بما عمله في هذه الدنيا، مما كتبته الملائكة عليه، كما قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾. وهكذا قال ربنا جل وعلا: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾. وهكذا أيضا في قوله جل وعلا: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾. فيوم القيامة تنشر هذه الصحف، وتتطاير صحف الأعمال، فآخذ صحيفته بيمينه، وآخذ صحيفته بشماله. فمن أخذها بيمينه، فهو من الناجين الفائزين المفلحين من أهل الجنة، ومن أخذها بشماله، فهو من الخاسرين الهالكين، كما أخبر الله سبحانه وتعالى. قال: "والميزان له كفتان". وأول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة، فيما بينه وبين الله. أول ما يحاسب عليه الصلاة، كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت، فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت، فقد خاب وخسر". وأما فيما بينه وبين العباد، فأول ما يقضى ويحاسب عليه العبد في الدماء، لحديث ابن مسعود رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء". قال: "والميزان له كفتان ولسان"، توزن به الأعمال، فمن ثقلت موازينه، فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه، فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون. والميزان لغة ما توزن به الأشياء، خفة وثقلا. وشرعا هو الميزان الذي ينصبه الله عز وجل ليوم القيامة لتوزن فيه أعمال العباد، وهو ميزان حقيقي له كفتان، توضع فيه الأعمال أو غيرها مما يوزن، كما سيأتي ذكره. والآيات التي أخبر الله سبحانه وتعالى بها عن هذا الميزان، قوله جل وعلا: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾. وفي حديث أبي هريرة في الصحيحين: "كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم". وحديث صاحب البطاقة الذي عند الإمام أحمد وغيره، من حديث عبد الله بن عمرو: أنه يؤتى برجل، فيؤتى له بسجلات مد البصر، مليئة بذنوب ومعاصي، فتوضع في كفة الميزان، فيقال: لو هل لك عندنا من حسنة؟ فيقول: لا يا رب. فيؤتى له ببطاقة مكتوب عليها "لا إله إلا الله"، فيقول: يا رب، ما تغني هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول الله عز وجل: لا ظلم عليك اليوم. فتوضع البطاقة في كفة الميزان، فترجح بهن "لا إله إلا الله". ولا يثقل مع اسم الله شيء. هذا الحديث يدل على أنه ميزان حقيقي له كفتان. هذا قول أهل السنة والجماعة، خلافا للمعتزلة والجهمية وغيرهم، قالوا: المراد بالميزان العدل، أن الله عز وجل يضع العدل، فلا يظلم أحد. وليس هناك ميزان حقيقي. وقولهم باطل مردود بدليل الكتاب والسنة والإجماع. هل هو ميزان واحد أو موازين متعددة؟ قولان لأهل العلم. منهم من قال: هي موازين متعددة. ومنهم من قال: لكل أمة ميزان. ومنهم من قال: لكل شخص ميزان. واستدلوا بقول الله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. ومنهم من قال: ميزان واحد، كما ورد في كثير من الأدلة، كحديث صاحب البطاقة، وحديث أبي هريرة المذكور سابقا: "ثقيلتان في الميزان". وأن الجمع في قوله جل وعلا: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ﴾، هذا يراد به ما يوزن، يعني ما يوضع في الميزان أشياء متعددة، فجاء الجمع مرادا به الأشياء التي توزن، وإن كان الميزان واحدا. فالقولين محتملين، والله أعلم: هل هو ميزان أو موازين متعددة؟ واختلف العلماء: ما الذي يوزن في الميزان؟ منهم من قال: الذي يوزن هو الأعمال، لحديث أبي هريرة: "كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان". دل هذا على أن الأعمال توزن. ومنهم من قال: الذي يوزن هم الأشخاص أنفسهم. واستدلوا بحديث أبي هريرة في الصحيحين، في قول النبي عليه الصلاة والسلام: "يؤتى بالرجل السمين العظيم، لا يزن عند الله جناح بعوضة"، يعني من الكفار. ثم قرأ قول الله عز وجل: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾. وأيضا حديث ابن مسعود في مسند الإمام أحمد: لما انكشفت قدمه رضي الله عنه، وهو يجتني عود الأراك، فضحك الصحابة رضي الله عنهم، قال: "مم تضحكون؟" قالوا: من دقة ساقيه. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "والذي نفسي بيده، لهي في الميزان أثقل من جبل أحد". دل هذا على أن الإنسان بنفسه يوزن. ومنهم من قال: الوزن لصحائف الأعمال. واستدلوا بحديث البطاقة المذكور سابقا، فإن توضع السجلات في كفة، وتوضع هذه البطاقة في كفة. وبعض العلماء جمع بين هذه الأقوال كلها، وقال: بأن الجميع يوزن. وهذا هو ظاهر الأدلة: أن جميع هذه الأشياء توزن، توزن الأعمال، وتوزن الصحائف، ويوزن الأشخاص. وإليه ذهب الإمام ابن كثير رحمه الله. قال المؤلف: "المؤمن يأخذ كتابه بيمينه، فيفرح ويستبشر، ويقول: ها اقرأوا كتابي. والكافر يأخذه بشماله أو من وراء ظهره، ويدعو بالويل والثبور، ويقول: يا ليتني لم أوت كتابي، ولم أدري ما حسابي". نعم، كما مر معنا: أن المؤمن إذا أخذ كتابه بيمينه فرح، لأن هذا إشارة ودلالة على الفوز والفلاح، فإذا أخذ كتابه بيمينه فرح بذلك فرحا عظيما، واستبشر بما وعده الله سبحانه وتعالى به من الجزاء والنعيم. فيقول للناس: "ها اقر، اقرأوا كتابي". إني ظننت أني ملاق حسابي، يعني أيقنت أني سأحاسب على أعمالي، فاستعديت لهذا اليوم بالأعمال الصالحة والإيمان والتقوى. إني ظننت أني ملاق حسابي، ثم يبشر بنعيم الله جل وعلا. وكذا عكس ذلك الكافر والفاجر الذي يأخذ صحيفة أعماله بشماله، فيتمنى أنه ما أخذها: "يا ليتني لم أوت كتابي"، أي لم أعط صحيفة أعمالي، "ولم أدري ما حسابي"، يعني لم أحاسب ولم أجاز. "يا ليتها كانت القاضية"، يعني الموت عندما موت، ليت الموت كان هو القاضية وانتهينا، لا بعث ولا جزاء ولا حساب، إلى آخر ما أخبر الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات. وهكذا أيضا في الآيات الأخرى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾. "وثبورا" يصيح ويتولول، ولا ينفع. وقد فاته وقت الندم والحسرة، ووقت التوبة والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على