شرح لمعة الإعتقاد 20

الدرس في شرح لمعة الإعتقاد 20، ألقاها

أشراط الساعة الكبرى وعلامات يوم القيامة

يتحدث هذا الفصل عن بعض أشراط الساعة الكبرى مثل نزول عيسى بن مريم وخروج يأجوج ومأجوج والدابة. هذه العلامات تسبق يوم القيامة.

الإيمان بعذاب القبر ونعيمه وأدلته

هذا الفصل يؤكد على الإيمان بعذاب القبر ونعيمه مستنداً إلى أدلة من القرآن والسنة، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾ وأحاديث النبي.

تفاصيل عذاب القبر وسؤال الملكين والبعث

يفصل هذا الفصل في عذاب القبر وسؤال منكر ونكير، ويوضح أن عذاب الكفار مستمر بينما قد يعذب عصاة المؤمنين أحياناً، ويؤكد على ثبوت البعث.

نفخة البعث وبداية الحساب

بعد نفخة الصعق، تأتي نفخة البعث حيث يقوم الناس من قبورهم لبدء الحساب والجزاء، وهذه المرحلة هي بداية النهاية.

  • 20 جمادى الأولى 1439هـ - 05/02/2018مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الحرم، ابن قدامة، رحمه الله، في كتابه "لمعة الاعتقاد" في ذكره لبعض أشراط الساعة: قال "ونزول عيسى بن مريم عليه السلام، فيقتله" أي فيقتل المسيح الدجال. ونزول عيسى عليه السلام ثابت بالكتاب والسنة والإجماع. قال الله جل وعلا: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾. والضمير في قوله "قبل موته" يرجع إلى عيسى عليه السلام، كما قال ابن عباس وأبو هريرة وغيرهما من السلف. ومعنى الآية أن عيسى عليه السلام سينزل في آخر الزمان، فلا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا وآمن بعيسى قبل أن يموت عيسى عليه السلام، فلا يبقى دين إلا دين الإسلام. ونزول عيسى أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة، من حديث أبي هريرة في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: "يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا، فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويضع الجزية". وأخبر عليه الصلاة والسلام بقتله للمسيح الدجال، كما في حديث النواس بن سمعان الطويل، وفيه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "فينزل عيسى بن مريم عند المنارة البيضاء شرق دمشق، فلا يحل لكافر يجد ريحه إلا مات، وريحه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيدرك المسيح الدجال بباب لد فيقتله". وفي بعض الروايات أنه إذا رآه ذاب، أي الدجال، كما يذوب الملح، فيضربه عيسى عليه السلام برمحه، ويري الناس أثر دمه في رمحه. ثم يعيش عيسى عليه السلام بعد قتل الدجال أربعين سنة، ثم يتوفى، ويصلي عليه المسلمون، كما ثبت في مسند الإمام أحمد، وعند أبي داود. قال "وخروج يأجوج ومأجوج أيضا من أشراط الساعة". خروج يأجوج ومأجوج وهما أمتان من بني آدم عظيمتان، وقدرهم كبير، أو عددهم كثير، يخرجون في آخر الزمان بعد قتل المسيح الدجال، وبعد نزول عيسى عليه السلام. وخروجهم ثابت بالكتاب والسنة والإجماع. قال الله جل وعلا: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾. وقال جل وعلا في قصتهما: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدِّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا، قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ إلى آخر الآيات. فدلت هذه الآيات أنهم موجودون، وهم الآن في مكان يعلمه الله سبحانه وتعالى، بينهم وبين خروجهم سد لا يستطيعون الخروج منه إلا إذا أذن الله سبحانه وتعالى، ويكون ذلك في آخر الزمان. وفي حديث النواس بن سمعان، قال النبي عليه الصلاة والسلام: "فيوحي الله عز وجل إلى عيسى: إني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد بقتالهم، فحرز عبادي إلى الطور". أي الجبل. قال "فيخرج يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أولهم على بحيرة طبرية، فيها ماء، بحيرة معروفة، فيشربون ما فيها، ثم يمر آخرهم، فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء". وهكذا حتى يصلون إلى جبل، فيرون أنهم قد انتهوا من أهل الأرض، فيرمون بسهامهم إلى جهة السماء، فيردها الله عز وجل عليهم مخضبة بالدماء، فيقولون: انتهينا من أهل الأرض وانتهينا من أهل السماء. فبينما هم كذلك، إذ أرسل الله جل وعلا عليهم دودا يقع في أنوفهم، فيهلكون. فينزل عيسى عليه السلام ومن معه من المؤمنين، ويرون الأرض قد امتلأت نتنًا من نتني يأجوج ومأجوج. ثم يتضرع عيسى عليه السلام ومن معه إلى الله جل وعلا، فيرسل الله سبحانه وتعالى عليهم طيرا أعناقها كالبخت، أي كأعناق الإبل، فتأخذهم حيث شاء الله. ثم يرسل الله جل وعلا مطرا، فيطهر بها الأرض. ومما يدل أيضا على كثرتهم ما جاء في حديث أبي سعيد في الصحيحين، أن الله عز وجل يقول: "يا آدم، ابعث بعث النار". فيقول: "يا رب، ومن كم؟" فيقول الله: "من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار، وواحد إلى الجنة". فشق ذلك على أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: "أبشروا، فإنهم من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعين، ومنكم واحد". فهذا يدل على أن عددهم كثير جدا. قال "وخروج الدابة أيضا من أشراط الساعة". خروج الدابة كما أخبر الله سبحانه وتعالى بذلك في كتابه الكريم، في قوله جل وعلا: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾. وهكذا أيضا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بخروجها، كما في حديث حذيفة بن أسيد في الصحيحين، في قوله: قال عليه الصلاة والسلام: "لا تقوم الساعة حتى تروا قبلها عشر آيات"، وذكر الدجال، ويأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها، والدابة، ونزول عيسى بن مريم، وثلاثة خسوف: خسف في المشرق، وخسف في المغرب، وخسف في جزيرة العرب. وذكر قبل ذلك أيضا الدخان. قال "ثم آخر ذلك نار تخرج تحشر الناس إلى أرض المحشر، نار تخرج من اليمن تحشر الناس إلى أرض المحشر". فذكر من علامات الساعة الدابة. وروي بعض الروايات والآثار في صفة هذه الدابة، إلا أنها كلها آثار موقوفة، ليس فيها شيء مرفوع إلى النبي عليه الصلاة والسلام. فنؤمن بخروج هذه الدابة، وبكلامها للناس، كما أخبر الله سبحانه وتعالى: ﴿تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾. قال "وطلوع الشمس من مغربها أيضا من أشراط الساعة الكبرى". طلوع الشمس من مغربها أن تطلع الشمس من المغرب. ويدل على ذلك حديث حذيفة المذكور سابقا، ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فيها من العشر الآيات طلوع الشمس من مغربها. وهكذا أيضا قول الله جل وعلا: ﴿يَوْمَ يَأْتِي لَا تَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾. جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "يقبل الله توبة العبد ما لم تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت من مغربها ورآها الناس آمنوا أجمعون". قال "وذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا". قال "وأشباه ذلك مما صح به النقل، يعني مما أخبر به نبينا عليه الصلاة والسلام من أشراط الساعة، فإننا نؤمن به". والمؤلف رحمه الله ذكر هذه العلامات من علامات الساعة لأن بعض أهل الأهواء أنكرها، كالمعتزلة، وبعض الفلاسفة أنكروا بعض هذه العلامات، بزعم أنها لم تثبت، يعني بدليل متواتر، وإنما رويت بأحاديث آحاد، فردوا هذه الأحاديث بعقولهم وأهوائهم. وإلا فبعضها ثابت في القرآن والسنة والإجماع، وبعضها في السنة الصحيحة وإجماع العلماء. وأهل السنة والجماعة على ثبوتها. قال رحمه الله: "وعذاب القبر ونعيمه حق". وقد استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم منه، وأمر به في كل صلاة. كذلك أيضا من الأمور التي يجب على المسلم أن يؤمن بها عذاب القبر ونعيمه، أن العبد في قبره إما أن ينعم وإما أن يعذب. والأدلة على إثبات عذاب القبر كثيرة، منها قول الله جل وعلا: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. العذاب الأدنى هو عذاب القبر. وهكذا أيضا قول الله جل وعلا: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾. عذابا دون ذلك أي في القبر والبرزخ قبل عذاب الآخرة. وهكذا أيضا قول الله جل وعلا: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾. ومن السنة أحاديث كثيرة، حديث ابن عباس في الصحيحين، حين مر النبي عليه الصلاة والسلام على قبرين، فقال: "إنهم ليعذبان وما يعذبان في كبير". الحديث. وهكذا يروى بهريرة في الصحيحين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع"، فليقل: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر وعذاب جهنم". الحديث. وهكذا يروى عن علي رضي الله عنه في الصحيحين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تعوذوا بالله من عذاب القبر". وغيرها من الأحاديث الكثيرة الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا معنى قولي: "وقد استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم منه وأمر به في كل صلاة". إشارة إلى حديث أبي هريرة المذكور في قوله عليه الصلاة والسلام: "إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع". عذاب القبر ونعيمه كما سمعنا ثابت أيضا. حديث البراء الطويل في ذكر ما يحصل للعبد في قبره من العذاب أو من النعيم، وهو أيضا ثابت في الصحيحين، وبعض ألفاظه أو بعض طرقه في سنن أبي داود وغيره. وعذاب القبر كما سمعنا ونعيمه ثابت. هناك مسائل تتعلق بعذاب القبر ونعيمه، منها: هل العذاب والنعيم على الروح والبدن أو على الروح دون البدن أو عليهما كليهما؟ والجواب أن في البرزخ التعلق تعلق النعيم والعذاب على الروح عذاب على الروح والبدن إلا أنه على الروح أكثر من البدن. وأما في الآخرة فالنعيم والعذاب على الروح والبدن. وأما في الدنيا فتعلق النعيم والعذاب على البدن أكثر من الروح. وذلك أن الروح لها خمس تعلقات بالبدن: تعلقها به وهي في كونها جنينا، عند نفخ الروح، عند كون الإنسان في بطن أمه. فهذا أول تعلق للروح بالبدن عند نفخ الروح. والتعلق الثاني عند خروج الإنسان إلى الأرض وإلى الدنيا. والتعلق الثالث عند النوم. والتعلق الرابع في البرزخ بعد أن يموت ويدفن في قبره. والتعلق الخامس في الآخرة. ومنها أيضا: إذا مات الإنسان ولم يدفن في قبره، كان تأكله السباع أو يغرق في البحر وتأكله الحيتان أو يحرق بالنار مثلا، فهل يصله من العذاب أو النعيم ما إذا دفن في قبره؟ الجواب: نعم يصله من العذاب أو النعيم ما هو مكتوب عليه. والله عز وجل على كل شيء قدير. فيكون قبره المكان الذي مات فيه. فإذا أكلته السباع فقبره السباع، وإذا أكلته الحيتان فقبره بطون الحيتان إلى آخر ذلك. ومنها أيضا: هل العذاب والنعيم أو نقول العذاب ينقطع أو يستمر؟ هل العذاب على من كان في القبر يستمر أو أنه ينقطع؟ في هذا تفصيل على الصحيح. وإن كان هناك من يقول بأنه يستمر، ومنهم من يقول أنه لا عذاب، كالفلاسفة والملاحدة. والصحيح التفصيل: أما بالنسبة للكفار فعذابهم مستمر، لقول الله جل وعلا: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾. فالآية تدل على أن عذابهم في القبر مستمر. أما بالنسبة لعصاة المؤمنين فإنهم قد يعذبون أحيانا وينقطع عنهم العذاب أحيانا على حسب أعمالهم. ومنها أيضا: هل الصغير والمجنون يعذبان في قبورهما؟ أيضا في هذا خلاف من أهل العلم. قال: "أنهما يسألان". نعم بالنسبة للسؤال: هل يسألان أم لا؟ في هذا خلاف. والصواب أنهما لا يسألان لعدم التكليف. قال "وفتنة القبر حق، وسؤال منكر ونكير حق، والبعث بعد الموت حق". وكذلك حين ينفخ إسرافيل عليه السلام في الصور، فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون. فتنة القبر يعني المراد بالفتنة الاختبار والامتحان، وهو سؤال العبد في قبره: يسأل من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ كما في حديث البراء في الصحيحين وخارج الصحيحين. قال النبي عليه الصلاة والسلام: "يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة". قال: "هو سؤال العبد في قبره". وجاء ذلك مفصلا في حديث البراء في السنن، أنه يأتيه ملكان، فيجلسانه، ثم يسألانه: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فالمؤمن الذي يثبته الله جل وعلا يقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد. إلى آخر الحديث. فقال: "فتنة القبر حق". يعني أن فتنة الإنسان في قبره حق، أنه يسأل ويفتن في قبره. هذا حق ثابت كما سمعنا في هذه الأحاديث. وهكذا أيضا دلت عليها الآية: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. وهل كل عبد يسأل أو من هناك استثناء لبعض عباد الله جل وعلا؟ الجواب: هناك استثناء. فممن يستثنى الشهداء، كما جاء في السنن أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل: "ما بال المؤمن يفتن في قبره إلا الشهيد؟" وقال عليه الصلاة والسلام: "كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة". الحديث أخرجه الإمام النسائي رحمه الله، وهو حديث صحيح. وكذلك أيضا قال أهل العلم: الأنبياء، لأن الأنبياء أفضل من الشهداء. فإذا كان الشهداء لا يفتنون في قبورهم، فكذلك الأنبياء من باب أولى أنهم لا يفتنون في قبورهم. وقوله: "وسؤال منكر ونكير حق". يعني سؤال الملكين للعبد في قبره، وهما منكر ونكير. جاء تسميتهما في حديث أبي هريرة عند الإمام الترمذي، ذكر النبي عليه الصلاة والسلام اسمي الملكين اللذين يسألان العبد في قبره: أنهما منكر ونكير. وبعض العلماء لم يثبت الاسمين لعدم ثبوت الحديث عنده. قال: "يثبت أن ملكين يسألان العبد في قبره، لكن ليس اسمهما منكر ونكير لعدم ثبوت الحديث عنده". ومن أثبت الحديث وصحح الحديث أثبت اسمي الملكين. فالخلاف بين أهل السنة خلاف لفظي، يعني: هل يثبت الاسم أو لا يثبت؟ مع اتفاق الجميع على ثبوت سؤال الملكين للعبد في قبره. بخلاف أهل الأهواء من المعتزلة وغيرهم، فإنكروا سؤال العبد في قبره. وهذا باطل. فسؤال العبد في قبره ثابت في الأدلة الكثيرة. لكن الخلاف في إثبات الاسمين. والصحيح أن الاسمين ثابتان. فاسمهما منكر ونكير. وهذا الاسمان سمي بذلك لأن الإنسان ينكرهما، إذ لا يعرفهما. فيرى ملكين أول مرة يراهما، فيحصل له إنكار لهما بسبب عدم معرفته لهما. فسؤال منكر ونكير حق. قال "والبعث بعد الموت حق". كذلك أيضا البعث بعد الموت، أي بعث الأجساد بعد موتها. وهذا أيضا ثابت في الكتاب والسنة والإجماع. قال الله جل وعلا: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾. وآيات كثيرة في كتاب الله جل وعلا في إثبات البعث. وهكذا أيضا الأدلة في السنة كثيرة. وأجمع العلماء على ثبوت البعث بعد الموت. ومن أنكره فهو كافر. والله عز وجل يقول: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾. الأجداث أي القبور. وهكذا أيضا قوله جل وعلا: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾. وغير ذلك من الآيات الكثيرة. قال "وذلك حين ينفخ إسرافيل عليه السلام في الصور". الصور والبوق الذي ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام الموكل بذلك. وفي حديث أبي سعيد في السنن، قال عليه الصلاة والسلام: "كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم الصور ينتظر متى يؤمر بالنفخ فينفخ؟" والنفخ في الصور اختلف العلماء: هل هي نفختان أو ثلاث نفخات؟ منهم من قال: ثلاث نفخات: نفخة الفزع، ونفخة الصعق، ونفخة البعث. نفخة الفزع في قوله جل وعلا: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾. ونفخة الصعق في قوله جل وعلا: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمِنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾. ونفخة البعث: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾. والصحيح أنها نفختان: نفخة الفزع والصعق هي نفخة واحدة، يفزع الناس ويصعقون. ثم النفخة الثانية هي نفخة البعث، كما في قوله جل وعلا: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾. وهي نفسها نفخة الفزع. ثم ﴿نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾. وهذه نفخة البعث. صلى الله عليه وسلم على أبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على