شرح لمعة الإعتقاد 6

الدرس في شرح لمعة الإعتقاد 6، ألقاها

إثبات صفة اليدين لله تعالى من القرآن وتأويلات المعتزلة والأشاعرة

يشرح إثبات صفة اليدين لله تعالى استنادا إلى آيات قرآنية، وينتقد تأويلات المعتزلة والأشاعرة الذين يفسرون اليد بالنعمة أو القدرة. يؤكد أن صفة اليدين لله حقيقية وتليق بجلاله.

الرد على أهل التعطيل وإثبات المعنى الحقيقي لصفة اليد

يناقش معنى صفة اليد لله جل وعلا، ويرد على أهل التعطيل مستدلاً بآيات القرآن وأحاديث النبي. يبين أن إضافة اليد إلى الله تدل على الصفة الحقيقية.

تفسير الآيات التي تذكر صفة اليدين لله سبحانه وتعالى

يتناول تفسير الآيات التي تذكر صفة اليدين لله، ويوضح دلالات ورود اليد مفردة ومثناة وجمع في القرآن. يتناول أيضا مسألة ثبوت صفة الشمال لله.

تأكيد إثبات صفة اليد لله على الوجه اللائق بجلاله

يثبت أهل العلم صفة اليد لله على ما ورد في الرواية، وتكون صفة تليق بالله ولا تماثل صفات المخلوقين. تحمل الكمال المطلق كما في حديث "كلتا يدي ربي يمين".

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على الأشرف من الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الحرم، نعني الإمام ابن قدامة، رحمه الله، في كتاب "لمعة الاعتقاد" في ذكره لبعض آيات الصفات: قال وقوله سبحانه وتعالى: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾، فكر، رحمه الله، هذه الآية للاستدلال بها على إثبات صفة اليدين لله جل وعلا. فالله سبحانه وتعالى أخبر عن اليهود أنهم قالوا: "يد الله مغلولة"، فرد عليهم جل وعلا بقوله: "غُلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء". فاليهود وصفوا الله جل وعلا بالبخل والشح، "يد الله مغلولة" أي محبوسة وممسوكة عن الإنفاق والعطاء والبذل. فرد الله جل وعلا عليهم وبين كذبهم، وكذلك أيضا لعنهم جل وعلا بكفرهم وبما قالوا وصفوا الله جل وعلا به من النقص. ثم ذكر جل وعلا أن يديه سبحانه وتعالى مبسوطتان، "بل يداه مبسوطتان"، فدلت هذه الآية على إثبات صفة اليدين لله جل وعلا، وأن لله سبحانه وتعالى يدان تليق بجلاله، لا تشابه صفات المخلوقين، "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير". وكذلك أيضا دلت على أن لله جل وعلا يدين، على أن لله جل وعلا ماذا؟ يدين، ولو ذلك لأن المقام مقام مدح. وكذلك أيضا رد على اليهود، ولو كان لله جل وعلا أكثر من يدين لذكرها سبحانه وتعالى، إذن صفة اليدين لله جل وعلا صفة حقيقية تليق بالله سبحانه وتعالى. ومثل هذه الآية قول الله جل وعلا: ﴿لما خلقت بيدي﴾، كذلك ردا على إبليس عليه لعائن الله، حين استكبر عن السجود لآدم، حين أمر الله جل وعلا الملائكة للسجود له، فسجدوا إلا إبليس. قال الله جل وعلا: "ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي"، فأخبر الله جل وعلا أنه خلق آدم بيديه، وأضاف اليد إلى نفسه جل وعلا، فدلت هذه الآية على إثبات صفة اليدين لله سبحانه وتعالى. وأهل التأويل، التحريف والتعطيل، من المعتزلة والأشاعرة وغيرهم، حرفوا هذه الآية وهذه الصفة، وقالوا: "إن المراد بها النعمة أو القدرة"، "لما خلقت بيدي" أي بنعمتي أو بقدرتي. وهذا قول باطل من وجوه عديدة، منها أنه صرف للفظ عن ظاهره، صرف للفظ عن ظاهره من غير وجود قرينة تستدعي أن يصرف اللفظ عن ظاهره، فهو حينئذ تحريف لهذا النص وتعطيل لما دل عليه من هذه الصفة. والوجه الثاني أن هذا خلاف قول السلف، فالسلف مجمعون على إثبات هذه الصفة، وما أحد منهم أنكرها، ولا حرف هذه النصوص الدالة على إثبات صفة اليد لله سبحانه وتعالى. وأمر ثالث أن قولهم أن المراد باليد النعمة أو القدرة يدل على بطلانه أن الله جل وعلا قال: "لما خلقت بيدي"، وهل يكون المعنى "لما خلقت بقدرتي" أو "بنعمتي"؟ فليس لله جل وعلا إلا نعمتان أو قدرتان، لا شك أن هذا باطل. وكذلك أيضا لو كان المراد القدرة، لما كان في هذا تمييز وتشريف لآدم على غيره من المخلوقات، إذ أن كل المخلوقات خلقها الله جل وعلا بقدرته، حتى الحيوانات فهي مخلوقة بقدرة الله سبحانه وتعالى، إذن ما التشريف والميزة التي ميز الله عز وجل بها آدم ومشرفه على غيره من المخلوقات إن كان خلق بقدرته وجميع المخلوقات خلقت بقدرة الله جل وعلا؟ دل هذا على أن المراد "بيدي" أي صفة اليدين لله سبحانه وتعالى. وهكذا أيضا أن الله جل وعلا وصف هذه اليد بصفات تدل على أن المراد بها الصفة الحقيقية، وليس المراد بها النعمة أو القدرة كما يقول أهل التعطيل، فيقولون يعني أن المراد باليد مجاز عن القدرة أو الصفة أو النعمة. أن الله جل وعلا وصف بصفات متعددة تدل على أن المراد بها الصفة الحقيقية، كصفة البسط والقبض والأصابع والكف، وهذه لا يمكن أن توصف بها النعمة أو القدرة كما زعموا، فهذا يبطل تحريفهم. وكذلك أيضا مما يدل على بطلان ما ذهبوا إليه أن الله جل وعلا ذكر في آيات أخرى، أو النبي عليه الصلاة والسلام كذلك في سنته، ذكر صفة اليد لله جل وعلا، وأخبر عليه الصلاة والسلام بأن لله جل وعلا يدين، كما في قوله: «إن الله جل وعلا يقبض السماوات بيمينه والأراضين بيده الأخرى». وجاء أيضا في حديث أبي هريرة في صحيح الإمام مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «يمين الله ملأى، وفي لفظ: يد الله ملأى، لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار». وهكذا أيضا في قوله عليه الصلاة والسلام في حديث عبد الله بن عمر: «كلتا يدي ربي يمين»، كلتا يدي ربي يمين. إذن كل هذه الأدلة تدل على إثبات صفة اليد لله سبحانه وتعالى. واستدل أهل التعطيل على أن المراد باليد النعمة والقدرة، قال: "لأن هذا مما يستعمل في اللغة"، مما يستعمل في اللغة أن تطلق اليد ويراد بها النعمة، كما في قول سهيل بن عمر في صلح الحديبية لما قال لأبي بكر رضي الله عنه: "لولا يد لك عندي لم جازيك بها لجازيتك"، لولا يد -يعني نعمة- لولا نعمة لك عندي لم جازيك بها -يعني يقابلك بها بالجزاء- لرديت عليك، فذكر هنا لفظ اليد وأراد به النعمة. وهكذا أيضا تطلق اليد ويراد بها القدرة، كما في قول الله جل وعلا: ﴿والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون﴾. والجواب أن اليد إذا أفردت بالذكر ولم تضف فيراد بها أحد هذين المعنيين، أي القدرة أو النعمة. وأما إذا أضيفت فإنه يراد بها الصفة الحقيقية. فقول السهيل بن عامر: "لولا يد لك عندي" هنا أتى بها منكرة ولم يضفها لمعنى النعمة. وفي قول الله جل وعلا: ﴿والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون﴾، هنا "الأيد" ليس جمع يد لأن جمع يد "أيادي"، و"الأيد" هنا من آد يأيد أيدا أي بمعنى القوة، "والسماء بنيناها بأيد" أي بقوة، وليس في هذا تحريف للمعنى، بل هو ظاهر الآية، دلت على أن الله جل وعلا خلق السماء بقوة. إذا اليد صفة ثابتة لله سبحانه وتعالى، صفة ثابتة لله جل وعلا. وكذلك أيضا مما يرد عليهم: إن قالوا: "نحن لا نعقل من اليد إلا ما نراه من المخلوقين". فيقال: أولا صفات الله جل وعلا لا تماثل صفات المخلوقين، "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير". والأمر الثاني أن صفة اليد في المخلوقات أنفسها تختلف من مخلوق إلى آخر، هل يد الإنسان كيد الفيل؟ وهل يد الفيل كيد النملة؟ الجواب: لا. فإذا حصل هذا التباين والتخالف والاختلاف في المخلوقات، فحصوله بين الخالق والمخلوقات من باب أولى، لأن الله جل وعلا لا يماثله شيء سبحانه وتعالى، "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير". فإن قيل: "إن اليد ذكرت مفردة وأثنيت وجمعت، وهذا يدل على ماذا؟ التعارض أو التناقض". كيف تقول: "لله ماذا؟ يدان". والله ذكر أن له "يدا" واحدة، وفي موضع ذكر أن له "يدين"، وفي موضع ذكرها على صيغة الجمع، كما في قوله جل وعلا: ﴿تبارك الذي بيده الملك﴾، هنا ذكرها مفردة. وفي هذه الآية: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾، ذكرها مثناة. وفي الجمع في قوله جل وعلا: ﴿وما أنشأنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون﴾، ذكرها على صيغة الجمع. فالجواب أن اليد إذا أفردت وأضيفت دلت على الجمع، لأن المفرد إذا أضيف دل على الجمع، فقوله: ﴿تبارك الذي بيده الملك﴾، فإن هنا تدل على الجمع. والآية التي فيها ذكر التثنية: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾، تدل على بيان حقيقة الصفة، وأن لله جل وعلا ماذا؟ يدين تليق بالله سبحانه وتعالى، تليق بجلال الله جل وعلا، لأن المقام كما سمعنا مقام مدح وثناء ورد على اليهود، والمقام مقام تشريف، فلو كان لله أكثر من ذلك من يد لذكرها سبحانه وتعالى. وأما آية الجمع فهو محمول على أحد أمرين: الأمر الأول أنه على جهة التعظيم، على جهة التعظيم، فإنه مما يشوق في اللغة العربية أن يذكر الشخص نفسه بضمير الجمع على جهة التعظيم، فيقول مثلا: "نحن فعلنا كذا وكذا"، وهو واحد أو اثنان، فيذكر ذلك على جهة التعظيم، كما في قوله سبحانه: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر﴾، مع أن الذي أنزله الله جل وعلا، لكن هذا من باب التعظيم، وحينئذ لا إشكال. والمحمل الثاني أن يراد بالجمع هنا أقل الجمع، وهو اثنان، أقل الجمع اثنان، فتدل هذه الآية التي فيها ذكر اليد على صيغة الجمع على أقل الجمع، وهو اثنان، فتدل على صفة اليدين لله سبحانه وتعالى. ومما يدل على ذلك قول الله جل وعلا: ﴿فقد صغت قلوبكما﴾، الخطاب لاثنين، لعائشة وحفصة رضي الله تعالى عنهما، وأتى بضمير الجمع "فقد صغت قلوبكما"، أتى بصيغة الجمع والمراد ماذا؟ اثنان. وكذلك أيضا في قول الله جل وعلا في بيان إرث الأم للسدس، قال جل وعلا: ﴿فإن كان له إخوة فلأمه السدس﴾، وبإجماع أهل العلم أنه إذا وجد اثنان من الإخوة فإن الأم ترث السدس، دل هذا على أن أقل الجمع اثنان، وحينئذ تجتمع هذه الآيات بعضها مع بعض، فلا تعارض فيها ولا تناقض، وكلها دالة على إثبات صفة اليدين لله سبحانه وتعالى. ورد في صحيح الإمام مسلم في ذكر حديث ابن عمر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «يقبض الله جل وعلا السماوات بيمينه والأراضين بشماله». اختلف أهل العلم هل تثبت الشمال لله سبحانه وتعالى أم لا؟ فهذه الرواية التي رويت في صحيح الإمام مسلم من صححها أثبت صفة الشمال لله سبحانه وتعالى، ومن ضعفها -وهو الصحيح- لأنها من طريق عمر بن حمزة عن ابن عمر، يعني من طريق عمر بن حمزة شذ بها، فذكر الشمال وخالف بقية الرواة الذين رووا عن ابن عمر من غير ذكر هذه اللفظة. فالصحيح أنها شاذة، وبقية الأحاديث التي وردت في ذكر صفة اليدين لله سبحانه وتعالى ذكرت مطلقا من غير ذكر الشمال، في "يده الأخرى"، "كلتا يدي ربي يمين". وحينئذ فلا تثبت صفة الشمال لله سبحانه وتعالى. ومن أثبتها من أهل العلم فإنه يثبتها على ما ورد في هذه الرواية، وتكون هذه الصفة صفة تليق بالله جل وعلا، لا تماثل صفات المخلوقين، فليس معنى الشمال لله أن تكون يعني فيها شيء من النقص وعدم الكمال كما هو في المخلوق، أن تكون شماله يعني فيها شيء من الضعف والعجز أو تستعمل في الأشياء المستقذرة أو نحو ذلك، بل "كلتا يدي ربي يمين" كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، فلهما الكمال المطلق. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على