الدرس في العقد الثمين في شرح منظومة ابن عثيمين 11، ألقاها
العبادة في الإسلام لها شروط لقبولها، أهمها موافقة الشرع في السبب والجنس والقدر والكيفية والمكان والزمان. مخالفة أي شرط من هذه الشروط تجعل العبادة باطلة وبدعة.
قاعدة اليقين لا يزول بالشك قاعدة فقهية مهمة تُستخدم في حل الشكوك في العبادات والمعاملات. تُفسر القاعدة وتُطبق على أمثلة من الطهارة والصلاة والصيام وغيرها.
تُطبق قاعدة اليقين لا يزول بالشك في مختلف أبواب الفقه مثل الطهارة والصلاة والصيام والطلاق. تساعد هذه القاعدة في حل الاشتباهات وتقديم اليقين على الشك.
الأصل في اللحوم التحريم حتى تذكى ذكاة شرعية، والأصل في الأبضاع التحريم حتى يباح بعقد نكاح أو ملك يمين. يُستثنى من ذلك ما أباحه الشرع من الزواج.
الحمد لله رب العالمين، وصلاة والسلام على شفيع الخلق والمسلمين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الشارح: فهو الله، ولابد أن تكون هذه العبادة موافقة للشرع في ستة أمور. أولا: السبب. وثانيا: الجنس. وثالثا: القدر. ورابعا: الكيفية والهيئة. وخامسا: المكان. وسادسا: الزمان. فإن خالفت في أحد هذه الأمور فغير مشروعة. لابد أن تكون موافقة للشرع في هذه الأمور الستة. الأمر الأول: السبب. فعلى هذا لو اتخذ عبادة عند سبب لم يرد به الشرع، فإن هذا لا يصح. يعني وإن كان أصل العبادة مشروعة، لكن ليس هذا سببها. فيجعل لها سببا لم يجعله الشرع سببا، فإنه إذن لا تشرع. قال: المثال لذلك هو أنه يستاك عند دخوله المسجد قياسا على الاستياك عند دخول البيت. فإن هذا لا يصح. يعني وجعل هذا موضعا لعبادة السواك، وقاس ذلك على فعل النبي صلى الله عليه وسلم عند دخوله البيت. أصل الاستياك عبادة مشروعة، لكن كونه يجعل لها سببا معينا لم يجعله الشرع سببا، فهذا لا يشرع. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ما وجد سببه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يفعله، فتركه هو السنة. أي: إذا وجد المقتضي، وزال المانع، ولم يكن الترك لحق الغير، فالترك هو السنة. يعني ترك هذا الفعل وهذه العبادة، مدام أن سببها قد وجد، والمقتضي لفعلها موجود، وما فعلها النبي صلى الله عليه وسلم، إذن فتركها من السنة. قال: فالفعل كما يكون سنة، أيضا الترك يكون سنة. فكل شيء وجد سببه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يفعله، يكون تركه سنة. وبهذا نعلم أن ما يقام من حفل مولد النبي صلى الله عليه وسلم أنه بدعة. لأن مولد النبي صلى الله عليه وسلم وجد سببه في عهده، ولم يفعله صلى الله عليه وسلم، ولم يفعله الخلفاء الراشدون. فالخلاصة في ذلك أن من يتخذ سببا لعبادة من العبادات، ولم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم، فإن هذا لا يجوز. فلو كان فعل المولد عبادة بسبب مولده عليه الصلاة والسلام، فنفعل ذلك. النبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابة، ومع ذلك لم يفعلوا ذلك. الأمر الثاني: أن تكون موافقة للشرع في الجنس. وعلى هذا لو تعبد الإنسان بجنس لم يأت به الشرع، فإن هذا بدعة. ولذلك أمثلة. المثال الأول في الهدي والأضحية. فالشرع جاء بجنس معين، وهي بهيمة الأنعام. قال الله عز وجل: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ وبهيمة الأنعام: الإبل والبقر والغنم. قال: فكون الإنسان يضحي مثلا بدجاج أو بسائر الطيور، فإن هذا بدعة. لأن هذا ليس عليه أمر الله، ولا أمر رسوله عليه الصلاة والسلام. يعني أن يضحي بجنس غير الجنس الذي حدده الشرع، فهذا يعتبر أمرا محدثا. إذا ضحى بدجاجة أو ضحى بضبع أو بغزال أو بغير ذلك من الحيوانات. المثال الثاني في العقيقة. جاءت الشريعة بذبح شاتين للذكر، وشاة للأنثى. فلو أن الإنسان أدى عن ابنه بغزال، فإن هذا جنس لم يأت به الشرع. كذلك الأمر الثالث: القدر. فلابد أن تكون هذه العبادة موافقة للشرع في قدرها. وهذه المسألة يقسم علماء الشرع رحمهم الله إلى قسمين. القسم الأول: أن يكون ما زاد على القدر المشروع لا يتبعض، فهذا بدعة. فلو صلى الظهر خمسا، أو المغرب أربعا، فإنه جاء بعبادة لم يأت بها الشرع فيما يتعلق بالقدر. لأن الشرع جعل عدد الظهر أربعا، وجعل العصر كذلك أربعا، وجعل المغرب ثلاثا. فلا يجوز الزيادة، ولا النقصان على هذا القدر. فلو زاد فيه، صار هذا الفعل بدعة. القسم الثاني: أن يكون ما زاد على القدر المشروع يتبعض، ويمكن فصله، فهذا فيه تفصيل. إن اعتقد أنه مما ورد، فإنه بدعة. وإنه لم يعتقد أنه مما ورد، وإنما أراد أن يتعبد به استقلالا، فإن هذا لا بأس به. مثال ذلك: الواجب في زكاة الفطر صاع. فلو أن الإنسان أخرج صاعين، على أن هذه الزيادة صدقة ونافلة، فإن هذا لا بأس به. يعني يخرج صاعا باعتبار هذا الواجب، والصاع الثاني مستحب من باب الصدقة. هذا لا بأس به. لكن لو أخرجه على أنه يتقرب به، وأنه زكاة واردة، فإن هذا بدعة. يعني لو أخرج صاعين على أنه هو المشروع، والمأمور به، والمتعبد به، فحينئذ يكون هذه الزيادة محدثة. ونظير ذلك أيضا: أن المشروع في دبر كل صلاة أن يسبح الله، ويحمده، ويكبره تسعا وتسعين مرة، ثم يقول في تمام المئة: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير». فلو زاد على ذلك من هذا التسبيح، فما حكمه؟ قال: إن اعتقد أنه سنة واردة في هذا الموضع، فإنه بدعة. يعني لو جعل تسبيحا مثلا ثلاثا وثلاثين، أو أربعين مرة، وجعل هذا سنة أن يسبح دبر كل صلاة أربعين مرة، وجعل هذا هو السنة، أصبح هذا الفعل بدعة. وأما إذا زاد على أنه يتنفل بهذه العبادة، فإنه لا بأس به، على أنه من باب التنفل. وإن كان الأفضل في مثل هذا الموضع أن يقتصر على الوارد. ثم له أن يسبح ما شاء من التسبيح في غير هذا الوقت المعين. الأمر الرابع: الهيئة والكيفية. فإذا خالفت في ذلك، فإنها تكون بدعة. فلو أنه صلى صلاة خلاف الصلاة المشروعة، فإن هذا بدعة. يعني الصلاة في أصلها مشروعة، لكن صلاها على كيفية غير ما جاءت به الشريعة، وما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام. فلو أنه مثلا جعل الظهر أربع ركعات بثلاثة تشهدات مثلا، هل تكون صلاته محدثة؟ لأنه صلى على كيفية غير الكيفية المشروعة. أو صام صياما كذلك، يعني غير الصيام المشروع. أو حج أو اعتمر خلاف الحج والعمرة المشروعين، فإن هذا بدعة. كما لو قدم السجود على الركوع، أو ركع ركوعين، أو نحو ذلك، فإن هذا بدعة. يعني لو جعل الصلاة: السجود قبل الركوع، أو يركع ركوعين في كل ركعة مثلا، أو ثلاث سجدات في كل ركعة، فحينئذ تكون هذه الصلاة بدعة. الأمر الخامس: المكان. فإذا خالفت الشرع في مكانها، فإن ذلك بدعة. فمثال ذلك: الحج. لو أمكنه له أمكنة معلومة، فالطواف لا يكون إلا في البيت. فلو طاف في غير البيت، فهذا بدعة. وكذلك الوقوف بعرفة ومزدلفة، هذه أمكنة حددها الشارع. وكذلك الاعتكاف لا يكون في غير المسجد. يعني لو حج، وفعل الحج في غير أماكنه المشروعة، كان حجه باطلا ومحدثا. يعني لو جعل الطواف في غير البيت، والوقوف في غير عرفة، والمبيت في غير مزدلفة، إذن ما حج الحج الذي أمر به الشرع. فيكون حجه هذا مردودا. لماذا؟ لمخالفة هذه العبادة للمكان الذي حدده الشرع. الأمر السادس: الزمن. فإذا خالفت الشرع في زمانها، فإنها تكون بدعة. فلو أن رجلا صلى الظهر قبل زوال الشمس، أو صلى الفجر قبل طلوع الشمس، إلى آخره. هذا كله خلاف أمر الله، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم. طيب إذن لابد في العبادة أن تكون موافقة لهذه الأمور الستة. قال الناظم رحمه الله: «فإن يقع في الحكم شك فارجعي للأصل في النوعين ثم اتبعي». قال الشارح: أن يقع في الشيء الحادث شك، يعني إذا شك في أمر: هل هو حلال أو حرام؟ هل هو مشروع أو غير مشروع؟ فارجع للأصل في النوعين. والنوعان تقدما فيما يتعلق بالعبادات، وغير العبادات. فتدخل المعاملات، والتبرعات، والأنكحة، والعادات. ومراد الناظم رحمه الله: أنه إن حصل الشك، فيرجع إلى الأصل. الأصل في الأشياء هو الحل. وإذا شك: هذا حلال أو حرام؟ في الأصل أنه حلال. فنرجع إلى هذا الأصل. طيب وإذا شك في التحريم، أو شك في الطهارة: الأشياء فالأصل فيها الطهارة. وكذلك الأصل في العبادات التوقيف. فإذا شك في عبادة: هل هي مشروعة أو غير مشروعة؟ فالأصل عدم المشروعية. قال: في العبادات إذا شككت: هل هي مشروعة أو غير مشروعة؟ فالأصل عدم المشروعية. وأما في غير العبادات إذا شككت: هل هو حلال أو حرام؟ فالأصل في ذلك الحل. مثال ذلك: شككت في نوع من أنواع المعاملات كالألبسة، أو شككت في نوع من أنواع الأطعمة، أو العادات والهيئات: هل هو مباح أو ليس مباحا؟ فالأصل في ذلك الإباحة. قالوا: في هذا البيت إشارة إلى إحدى القواعد الخمس الكلية، وهي قاعدة: «اليقين لا يزول بالشك». وهذه القاعدة من أوسع القواعد الفقهية تطبيقا، وأكثرها امتدادا في أبواب الفقه. وقد ذكر السيوطي أنها تدخل في جميع أبواب الفقه: في العبادات، وفي المعاملات، وتبرعات، والأنكحة، وغيرها. قالوا: اليقين في اللغة: في المشهور العلم، وزوال الشك، وهو ضد الشك والريب. وقد يأتي بمعنى الظن الراجح والغالب. وقد استعمل الظن بمعنى اليقين في القرآن في عدد من الآيات. قال تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَه﴾ يعني أيقنت. وقال النووي: مثل أيضا قال الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ يظنون يعني يوقنون. قال النووي: «إعلم أنهم يطلقون العلم واليقين، ويريدون بهم الظن الظاهر، لا حقيقة العلم واليقين». فإن اليقين هو الاعتقاد الجازم. وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ وجه الدلالة: أنه قد فسر الظن هنا بالتوهم. لماذا؟ لأنه نفى أن يكون هذا الأمر قائم على علم، بل هو خال من العلم. وهذا هو الظن المرجوح، وهو الوهم، وهو اعتقاد الذهن الخال من العلم. قال: اعتراض وجواب عنه. من المعلوم عقلا أنه لا يمكن اجتماع اليقين والشك في حال واحدة. يعني في شيء واحد يكون فيه يقين وشك. إما أن يكون متيقنا فيه، وإما أن يكون شاكا فيه. قاله في الوقت نفسه لدى شخص واحد. والذي يفهم من ظاهر النص: أنه يمكن اجتماعها في تلك الحال. إلى آخره. والجواب: أن المراد بنص القاعدة: أن اليقين السابق لا يزول بالشك الطارئ اللاحق. فلم يحصل إذن اجتماع لليقين والشك واضح. لما يقول: أن اليقين لا يزول بالشك. فهل مع هذا أنه يجتمع اليقين والشك في وقت واحد؟ الجواب: لا. المراد باليقين: أي السابق، وهو الأصل. لا يزول بالشك: أي شك الطارئ. الشك الذي حصل ووقع. في نهاية الأمر: يبقى الأصل، وهو اليقين. لأن اليقين لم يرتفع، ما زال باقيا. فيبقى ويستمر بقاؤه. الاعتراض الثاني: أن من الأمور المقررة: أن اليقين إذا طرأ عليه شك، زال اليقين. بمعنى أنه لو كان الشخص متيقنا، ثم شك، فإنه يوصف بأنه شاك، لا أنه متيقن. والذي يفهم من القاعدة: أن اليقين لا يزول بالشك الطارئ، بل يبقى. وهذا تناقض. والجواب: أن المقصود من نص القاعدة: أن حكم اليقين لا يزول بالشك. وليس المقصود: أن ذات اليقين لا يزول بالشك. بل اليقين في ذاته زائل بالشك. والباقي إنما هو حكم اليقين. طيب واضح. طيب واضح. الذي يزول هو ذات اليقين. إذا عرض عليه الشك، تزعزع هذا اليقين. لكن يبقى حكمه. فحكمه لا ينتفي. حكمه باق. وهو الذي يكون له الحكم على الشك. يعني الآن إنسان متيقن الطهارة. طيب ثم شك: هل أحدث أم لا؟ أصبح الآن اليقين مضطربا، مترددا فيه. لكن يبقى الحكم، وهو بقاء الطهارة. بعدم أنك متيقن أنك تطهرت، ثم شككت في زوال هذه الطهارة. فالأصل بقاء هذا الحكم. حكم اليقين. حكم اليقين باق. لا يزول بورود هذا الشك. قال مجاهد رحمه الله: كل ظن في القرآن فهو يقين. وهذا إشكال. إلا أن الزركشي رحمه الله قال: هناك ضابطان للفرق بين اليقين والظن في القرآن. وقوله: كل ظن في القرآن فهو يقين، ليس على إطلاقه. إلا إذا دلت القرينة على أن المراد به اليقين. لأنه قد يأتي الظن بمعنى الوهم، كما في الآية المذكورة: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ هل الظن هنا اليقين؟ لا. ظن مرجوح. قال الزركشي: هناك ضابطان للفرق بين اليقين والظن في القرآن. أحدهما: أنه حيث وجد الظن محمودا، مثابا عليه، فهو اليقين. يعني إذا ورد وذكر الظن على سبيل المدح والثناء، فهذا يكون بمعنى اليقين. وحيث وجد مذموما، متوعدا عليه بالعذاب، فهو الشك. هذا الظابط ممكن يفرق به بين معنى الظن الذي بمعنى اليقين، والظن بمعنى الوهم. فمثلا: قول الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ هذا في سبيل ماذا؟ في مقام المدح. فيكون بمعنى اليقين. ومجيء الظن منفيا، أو على سبيل الذم، فهو يكون بمعنى الوهم. ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ هذا ذم. والثاني: أي الضابط الثاني: أن كل ظن به المخفف، فهو شك. وكل ظن يتصل به المشدد، فهو يقين. لأن المشدد للتأكيد، خلافا للمخفف. ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ﴾ يعني موقن. ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ يعني يقنون. قال: ودليل هذه القاعدة: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ والظن هنا: أي المجرد عن العلم، هو الوهم. لا يغني من الحق شيئا. والحق هو اليقين المتيقن. فدلت هذه الآية على أن اليقين: ماذا؟ يبقى حكمه. ولا يعمل بما يرد عليه من الشكوك والأوهام. قال: وحديث عبد الله بن الزبير رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم شكي إليه الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة. فقال صلى الله عليه وسلم: «لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا». والحديث في الصحيحين. فالنبي صلى الله عليه وسلم سئل عن رجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، يعني مما ينتقض به الوضوء. لكنه غير متيقن. إنما خيال، ووهم، وظن. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا». يعني حتى يتيقن. حتى يتيقن الحدث. فمدام أنه متيقن الطهارة، وهذا الحدث مشكوك فيه، لا يعمل بهذا الشك. بل يعمل باليقين، وهو بقاء الطهارة. قال: ولحديث عدي بن حاتم رضي الله عنه كما سيأتي. ولحديث أبي سعيد رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدري كم صلى: أثلاثا أم أربعا؟ فليطرح الشك وليبني على ما استيقن». والحديث في مسلم. والشاهد: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من شك في صلاته، فلم يدري: هل صلى ثلاثا أم أربعا؟ أم صلى اثنتين أم ثلاثا؟ أمر بماذا؟ بطرح الشك. ما هو الشك هنا؟ الزائد. الشك الذي هو في العدد، القدر الزائد. هذا مشكوك فيه. أما الأقل فهو متيقن. إذا شك: هل صلى اثنتين أم ثلاثا؟ الثنتين هذه ما فيها إشكال، يقين. لكن المشكوك فيها: الثالثة. يطرح، يضعها، يسقطها. ويبقى على اليقين. إذن هذا الحديث فيه عمل بماذا؟ فيه الأمر بالعمل باليقين، وطرح الشك، وعدم الالتفات إليه. فإذا شك الإنسان: هل أحدث أم لم يحدث؟ فالأصل في ذلك بقاء الطهارة. لأن الطهارة متيقنة، والحدث مشكوك فيه. وإذا شك: هل تطهر أو لم يتطهر؟ فالأصل بقاء الحدث. العكس. إنسان متيقن أنه أحدث، ويذكر. متيقن أنه خرج من الحمام، لكن لا يذكر أنه توضأ. إذن الحدث يقين، والوضوء مشكوك فيه. فحينئذ يبقى على اليقين، وهو بقاء الحدث. فعليه أن يتوضأ. قال: فالأصل بقاء الحدث. وإذا شك: هل طلع الفجر أو لم يطلع؟ فالأصل بقاء الليل. له أن يأكل حتى يطلع الفجر. يعني في الصيام. أراد أن يصوم، فشك: هل طلع الفجر أم لا؟ ولم يكن عنده شيء يتيقن به طلوع الفجر، كالساعة مثلا يعرف بها الوقت. فحينئذ لا بأس أن يأكل. لأن الأصل بقاء الليل. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾. قال: وإذا شك في غروب الشمس: هل غربت أو لم تغرب؟ فالأصل بقاء النهار. فليس له أن يأكل، ولا يصلي المغرب. لأجل هذا. لأن الأصل بقاء النهار. حصلت مثلا سحب، وشك: هل غربت الشمس أم لم تغرب؟ فالأصل بقاء النهار. فينبغي أن يتحرى، وأن يتيقن، وأن يتريث حتى يتيقن غروب الشمس. قال: وإذا شك: هل وقع الطلاق أو لم يقع؟ فالأصل بقاء النكاح. شك: هل طلق امرأته أم لا؟ فالأصل عدم الطلاق. لأن النكاح متيقن، والطلاق مشكوك فيه. قال: وأما الإجماع على القاعدة، فحكاه غير واحد. كالقرافي في الذخيرة، وهو كتاب له في الفقه المالكي. وفي الفروق، وهو في علم قواعد الفقهية. ومن دقيق العيد في إحكام الأحكام. وهذه القاعدة: «اليقين لا يزول بالشك» لها قواعد تتفرع عنها. نذكرها على سبيل الإجمال، ونمثل لكل قاعدة بمثال. القاعدة الأولى: الأصل عدم المسقط، وبقاء الواجب. مثال ذلك: إذا شك الإنسان: هل قضى الصلاة التي عليه أو لم يقضها؟ فالأصل عدم قضاء الصلاة، وبقاء الواجب. ما هو الواجب؟ الصلاة. أن يصليها. الصلاة فعل الصلاة واجب. ثم شك: هل قضاها أم لم يقضها؟ فالأصل عدم القضاء. ويبقى هذا الواجب في ذمته. ولو شك: هل قضى الدين الذي عليه أو لم يقضه؟ فالأصل بقاء الدين في الذمة. استدان من شخص دينا، ثم شك: وفى هذا الدين أم لم يوفه؟ فالأصل بقاء الدين، وبقاء هذا الواجب. قال: القاعدة الثانية: الأصل بقاء ما كان على ما كان. بقاء ما كان: أي ثبوت الأمر في الزمن الحاضر على ما كان عليه في الزمن الماضي. ومعنى الأصل: أي القاعدة المستمرة في الشرع. وهذه القاعدة دليل الاستصحاب. وسيأتي الكلام عليها في الأدلة المختلف فيها. أي قاعدة الاستصحاب. فقوله: «الأصل بقاء ما كان على ما كان» يعني مثلا في الطهارة. إذا تيقن الطهارة، وشك في الحدث. الأصل بقاء ما كان، وهو الطهارة الموجودة الآن، المتيقن فعلها. على ما كان عليها في الزمن الماضي، وعدم رفعها. وحينئذ الاعتبار بهذا الشك الذي طرأ على هذه العبادة. وهكذا مثلا إذا كان متيقنا أنه سدد الدين الذي عليه في ذمته، متيقن هذا. ثم شك: هل وفى بهذا الدين أو لم يوفه؟ فالأصل أنه وفاه. الأصل أنه وفى بهذا الدين. ومثل العكس كذلك: إذا كان متيقنا أنه لم يوف هذا الدين. ثم شك في وفائه. فالأصل بقاؤه. الأصل بقاء ما كان على ما كان. القاعدة الثالثة: الأصل براءة الذمة. الأصل براءة الذمة من التكاليف، ومن الحقوق. حقوق الخلق. أي: السلامة، والخلو من التكاليف. فمعنى القاعدة: أن الإنسان بريء الذمة من وجوب شيء، أو لزومه. الأصل براءة ذمته. فلا يكلف شيء. سواء كان في أمر العبادات. لم يأمر به الشرع. فلا يكون حينئذ مكلفا به، أو مأمورا بفعله. والأصل براءة ذمته منه. فلو قال قائل اليوم، كما يقول بعض المبتدعة مثلا: أن المولد واجب. وقال: هذه العبادة ما جاء بها الشرع، ولم يكلف بها. فالأصل براءة الذمة منها. وأن الإنسان لا يكلف بفعلها. فلا تكون واجبة عليه، أو يعاقب على تركها. وهكذا أيضا فيما يتعلق بحقوق الآخرين. فلو ادعى إنسان على شخص آخر: أن له عنده كذا وكذا من المال. فنقول: الأصل براءة الذمة. ذمة المدعى عليه بريئة. حتى يأتي المدعي ببينة على ما يقول. لأن الأصل: براءة الذمة من الحقوق. فليس له شيء عنده. هذا هو الأصل. فإذا جاء ببينة، تثبت أن له حقا عنده. حكم له بها. وأمر المدعى عليه بإعطاء المدعي ما ادعى. فإذا لم يكن له بينة، فإن المدعى عليه يحلف، ويبرأ من هذه الدعوة. قال: قاعدة الرابعة: الأصل في الأبضاع واللحوم التحريم. هاتان قاعدتان. الأولى: أن الأصل في اللحوم التحريم. لكن تقيد هذه القاعدة بما إذا حصل شك واشتباه. وإلا فالأصل الحل. يعني الأصل في اللحوم: أنه حلال. إذا عندنا حيوان، فما الأصل بالحيوانات، ولحومها؟ الأصل الحل. ولهذا جاء التحريم معينا لبعضها. لأن الأصل فيها الحل. فالمراد هنا: الأصل في اللحوم بالتحريم، أي إذا شك في التذكية. لا في أصل اللحوم. قالوا: على هذا فلو أن الإنسان شك في لحم: هل هو مذكى أو لحم ميت؟ فالأصل في ذلك التحريم. ويدل لهذا: قول النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم رضي الله عنه: «فإن وجدت مع كلبك كلبا آخر فلا تأكل، فإنما سميت على كلبك، ولم تسم على غيره». والحديث في الصحيحين. هنا الآن الشك في ماذا؟ في التسمية. والتسمية شرط في حل الذبيحة. فإذا أرسل الإنسان كلبه المعلم، وذكر اسم الله. ثم جاء فوجد كلبين: كلبه، وكلبا آخر. وهو لا يدري ما الذي قتله: هل كلبه أو الكلب الآخر؟ هنا الآن الشك حصل في التذكية. ما الذي ذكاه؟ هل كلبه المعلم الذي تحل تذكيته، أم الكلب الآخر؟ فحينئذ يحرم أكل هذا الصيد. لحصول الاشتباه في التذكية. ولأنه اجتمع حاضر ومبيح. فغلب جانب الحاضر. قال: وأيضا قال صلى الله عليه وسلم: «إذا وجدته قد وقع في الماء - يعني الصيد - بعد أن صاده ورماه، فلا تأكل. فإنك لا تدري: الماء قتله أو سهمك». يعني الآن رميت السهم، أو ضربته برصاصة. ضربت الصيد، وهرب. جريت خلفه، فوجدته غارقا في ماء. لا تدري: هل مات من أثر الضربة، أو مات من أثر الغرق؟ فإذا كان من أثر الغرق فهو ميتة. وإن كان بأثر الضربة فهو حلال. لكن اشتبه الأمر الآن. فإنذن يغلب جانب التحريم. الاشتباه في التذكية. قال: ودل على أن الأصل في اللحوم التحريم. وإذا شك أيضا: هل ذبح هذا اللحم على وفق الشرع أو لم يذبح على وفقه؟ فالأصل في ذلك التحريم. لكن عندنا قاعدة أخرى: وهي أن الفعل الصادر من أهله، الأصل فيه الصحة. فإذا كان هذا اللحم من مسلمين، أو من أهل كتاب. فلا تسأل عن فعلهم. لأن الأصل في الفعل الصادر من أهله الصحة. هذا إذا لم توجد قرائن تدل على عدم الصحة لهذا الفعل. يعني مثلا الآن المسلم، الأصل أنه يذبح بطريقة شرعية. ما نحتاج أن نذهب، وتنتقل من جزار إلى آخر، وتدخل وتنظر: كيف يذبح؟ لأن الأصل في أفعال المسلمين السلامة، والذبح بطريقة شرعية. وهكذا أهل الكتاب، الأصل في ذبائحهم الحل. لكن إذا علمنا أنهم يذبحون بغير طريقة شرعية، وتواتر هذا الأمر، وتيقنا. حينئذ لا يجوز أكل هذه الذبائح. إذا علمنا يقينا أنها تذبح بغير طريقة شرعية. لأن ذبيحة المسلم إذا تيقن أنه ذبح بغير طريقة شرعية، ما حل أكلها. فكيف بالكتابي؟ من باب أولى. طيب وأقصد بهذا اللحوم المستوردة خاصة: الدجاج الذي يأتي من فرنسا، والبرازيل، ونحوه. فإنه علم باليقين بالتتبع، والنظر، والتوثيق: طريقة الذبح. وأنها طريقة غير شرعية. إما بصعق الكهرباء، وإما بالماء الحار، وإما بقتلها بغاز ثاني أكسيد الكربون. ثم تقطع الرؤوس، وتصدر. هذا لا شك أنه ميتة. لا يجوز. قال: ويدل لذلك - يعني لأن الأصل في الصادر من أهله الحل والصحة - حديث عائشة رضي الله عنها: أن قوما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: «إن قوما حديث عهد بإسلام يأتوننا باللحم، لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: سموا الله عليه أنتم وكلوه». رواه البخاري. لأن هذا الأصل في أفعال المسلمين الصحة. لكن إذا عندنا ذبيحة معينة، عرفنا أنها ذكيت بغير طريقة شرعية. أنها ذكيت بغير ذكاة شرعية. مثلا أنت في رحلة مع أصحابك، ومعكم رأس غنم طيب. فجاء هذا الذابح، وطعنها في بطنها حتى ماتت. ثم قطع الرأس. هل نقول: الأصل في أفعال المسلمين الصحة؟ في هذه الحالة لا. هذه نقول: ذكيت بغير ذكاة شرعية. لأنها لا تحل. هي ميتة. هي ميتة. طيب لكن بخلاف ما يذبح في أسواق المسلمين. فالأصل أنها السلامة، وأنها تذبح بطريقة شرعية. قال: «أنتم مسؤولون عن فعلكم، وفعل غيركم لستم مسؤولين عنه». القاعدة الثانية: الأصل في الأبضاع التحريم. ويدل لهذا أدلة كثيرة. الأصل في الأبضاع - والأبضاع جمع بضع، والمراد به الفرج وما يتعلق به الوطء - فالأصل فيه التحريم، وعدم الحل. وهذا كالاستثناء لما قبله. كذلك كالاستثناء للقاعدة الأصلية، وهي الأصل في الأشياء الحل. هذه الأشياء الأصل فيها التحريم. قال: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾. وجه الشاهد من الآية: أن الله عز وجل أمر بحفظ الفروج، وأثنى على الحافظين لها. ثم استثنى الله عز وجل من ذلك: ما يباح. ما يتعلق بالأزواج، وملك اليمين. فدل هذا على أن غير هذين الأمرين: ماذا؟ أصل فيه التحريم. وقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ يعني فيما يتعلق بالأزواج، وملك اليمين. مفهوم المخالفة: أن غير هذين الأمرين: صاحبها ملوم. قال: ثانيا: أدلة تحريم الزنا. ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾. ولحديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزني الزاني وهو مؤمن». معنى أن الزنا محرم. والزنا فيه انتهاك لبضع لم يحله الشرع. ولأن الأصل فيه الأبضاع التحريم. فكان الزنا محرما. لأنه خلاف هذا الأصل. ولم يأت ما يبيحه من عقد أو ملك يمين. قال: لكن الأصل في النساء الحل. لقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ بعد أن ذكر ما يحرم من النساء. يعني بالنسبة لعقد النكاح، والزواج بالمرأة. فالأصل أنك تتزوج من شئت من النساء غير المحرمات. ولهذا كان المحرمات معدودات. سبع من النسب، وسبع من الرضاع مثلهن. وهكذا من المصاهرة، وغيرهن. حلال إذن هذا الأصل. الأصل هو الحل. ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ أي مما ذكر من المحرمات. قال: لكن لو اشتبهت أجنبية بمرأة غير أجنبية. فنقول: لا يجوز له أن يتزوج بها. مع أن الأصل الحل. لكن لما كان عنده رائتان: هند وأختها. إحداهما رضعت معه من أمه. فاشتبهت الآن الأجنبية بالمحرم. فلا يجوز له أن يتزوج بها. لأننا لا ندري أيهما رضعت من أمه: هل هي هند أو فاطمة؟ وصورة هذا المثال: مثلا بيت فيه ابنتان. إحدى هاتين الابنتين رضعت من أمك. فأصبحت أختك من الرضاع. طيب ثم اشتبهت، ونسيت: من التي رضعت؟ هل هي هند أو فاطمة؟ وهم يعيشان في بيت واحد. وأنت تريد أن تخطب واحدة منهما. هل نقول: تفعل قرعة؟ وأيهما وقت عليها القرعة تزوجت بها؟ الجواب: لا. حينئ