كتاب الطهارة 11

كتاب الطهارة 11

الدرس في كتاب الطهارة 11، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مشروعية المسح على الخفين وأدلته

المسح على الخفين مشروع ومستحب، وتواترت الأحاديث النبوية في ذلك، ويشترط طهارة الخفين عند اللبس. الأحاديث النبوية بينت مشروعية هذا الحكم.

مدة المسح على الخفين وشروطه

حديث صفوان بن عسال يبين مدة المسح للمقيم والمسافر، ويشترط المسح في الحدث الأصغر. الأحاديث النبوية حددت المدة وشروط المسح.

أحكام المسح على الجبائر والفرق بينها وبين الخفين

الجمهور أجاز المسح على الجبائر بحديث ضعيف وبالقياس على الخفين، وفرقوا بينهما في الشروط والمدة. المسح على الجبيرة يكون في الحدثين الأصغر والأكبر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف رحمه الله: باب المسح على الخفين. الحديث الخامس والثمانون: عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم، فتوضأ، فأهويت لأنزع خفيه، فقال: دعهما؛ فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما. متفق عليه. الحديث السادس والثمانون: للأربعة عنه -إلا النسائي- أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح أعلى الخف وأسفله، وفي إسناده ضعف. إلى آخر ما ذكر رحمه الله في هذا الباب من الأحاديث. هذا الباب: باب المسح على الخفين. الخفان: ما يلبس في القدمين فوق الكعبين، ما يلبس على القدمين أو في القدمين أعلى الكعبين، يعني يغطي الكعبين من جلد ونحوه، فهذا هو الخف. ويلحق بالخف ما كان بمعناه من الجوارب، الشرابات التي تستعمل من الصوف ونحوه، فإن حكمها حكم الخف. المسح على الخف مشروع، المسح على الخف مشروع وجائز، بل هو مستحب. والأحاديث الواردة في مشروعية المسح على الخف تبلغ حد التواتر، مما تواتر معناها عن النبي عليه الصلاة والسلام. وبه قال أهل الإسلام قاطبة، ولم يخالف في ذلك إلا الشيعة، فإنهم يرون أن المسح على الخف لا يجوز. وخالفوا في هذا أدلة الكتاب والسنة، وما عليه أهل الإسلام. وهذا من عجائب هذه الطائفة المخالفة، يمنعون المسح على الخفين، ويجيزون المسح على القدمين وهما مكشوفتان. يقولون: لا بأس أن تمسح القدمين وهما مكشوفتان، أما المسح على الخفين فبدعة. الله المستعان. المسح على الخفين من المستحبات، إذا كان المسلم لابسا للخفين، فيستحب أن يمسح عليهما. وإذا كان غير لابس للخفين، فيغسل قدميه، فلا يتكلف المسح عليهما، يلبسهما من أجل أن يمسح عليهما. ولا كذلك ينزعهما إذا كان لابسا لهما، فإن كان لابسا لهما مسح عليهما، وإن كان نازعا للخفين غسل قدميه. هذا كان هدي النبي عليه الصلاة والسلام. ذكر في أوائل هذا الباب حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم، فأهويت لأنزع خفيه، يعني لما توضأ النبي صلى الله عليه وسلم، ظن أنه سيغسل قدميه وسينزع الخفين، فهوى، يعني خفض جسمه لأجل أن ينزع الخفين، يعني انحنى رضي الله عنه لنزع الخفين. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعهما؛ فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما. والحديث في الصحيحين. وهو يدل على مشروعية المسح على الخفين، لكن دل الحديث على أنه يشترط للمسح على الخفين أن يلبسهما على طهارة، أن يلبسهما المتوضئ على طهارة. قال: فإني أدخلتهما طاهرتين. فمن أراد أن يمسح على خفيه فلابد أن يلبس الخفين على طهارة كاملة، ثم بعد ذلك يلبس الخفين، وله أن يمسح عليهما. ورواية أخرى التي عند أهل السنن -إلى النسائي- أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح أعلى الخف وأسفله، هذه الرواية ضعيفة كما أشار المصنف. قال: في إسناده ضعف. قال الترمذي رحمه الله: لما ذكر هذا الحديث، قال: هذا حديث معلول، لم يسنده عن ثور بن يزيد غير الوليد بن مسلم. وقد سألت أبا زرعة ومحمدا -يعني البخاري- عنه عن هذا الحديث، فقال: ليس بصحيح. الحديث السابع والثمانون: عن حذيفة رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فانتهى إلى سباطة قوم، فبال قائما، فتنحيت، فقال: أدنه -يعني اقترب-. قال: فدنوت حتى قمت عند عقبيه، فتوضأ، فمسح على خفيه. متفق عليه، واللفظ لمسلم. هذا الحديث فيه جواز بول الإنسان قائما، يجوز للإنسان أن يبول قائما. وهذا جائز لفعل النبي عليه الصلاة والسلام. ومن أنكر ذلك -كعائشة رضي الله عنها- كانت تقول: من حدثكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بال قائما فقد كذب. فهي تحدث على حسب علمها، لم تر النبي صلى الله عليه وسلم يبول قائما. ورآه حذيفة. ومن علم حجة على من لم يعلم. ولكن كان أكثر فعل النبي عليه الصلاة والسلام أنه يبول جالسا. ولعله فعل ذلك عليه الصلاة والسلام لبيان الجواز. فيجوز أن يبول الإنسان قائما إذا كان متسترا وأمن من كشف عورته، فمثل هذا لا بأس. وفيه أيضا أنه يجوز أن يبول ولو قريبا من الناس إذا كان متسترا؛ لأن سباطة القوم -وهي الزبالة- الموضع الذي يردون فيه الزبالات، الغالب أنه يكون قريبا من الناس. فيدل على أنه لا بأس أن يبول الإنسان قريبا، لكن مع التستر. بخلاف إتيان الغائط، فإن الذي ينبغي له الابتعاد عن أعين الناس، كما هو هدي النبي عليه الصلاة والسلام. ثم توضأ النبي عليه الصلاة والسلام، فمسح على خفيه. والشاهد من الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على خفيه. الحديث الثامن والثمانون: عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بال، ثم توضأ، ومسح على خفيه. قال إبراهيم: كان يعجبهم هذا الحديث؛ لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة. متفق عليه، واللفظ لمسلم. جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه أسلم بعد نزول المائدة، يعني بعد نزول المائدة التي فيها الأمر بغسل القدمين في آية الوضوء. فوحدث جرير بهذا الحديث أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يبول، وتوضأ، ومسح على خفيه. ومعنى هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على خفيه بعد نزول آية المائدة التي فيها الأمر بغسل القدمين. فدل هذا على أن حكم المسح على الخفين محكم، ليس بمنسوخ. فلهذا كان السلف يعجبهم هذا الحديث؛ لأنه يؤكد بقاء مشروعية المسح على الخفين. الحديث التاسع والثمانون: عن علي رضي الله عنه أنه قال: لو كان الدين بالرأي، لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلى. وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه. أخرجه أبو داود بإسناد حسن. هذا الأثر: أثر علي رضي الله عنه أنه قال: لو كان الدين بالرأي -يعني برأي الإنسان وعقله وهواه- لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه؛ لماذا؟ لأن ما يباشر الأرض أسفل الخف. أسفل الخف ما يحتاج إلى تطهير؟ الأعلى أو الأسفل؟ الأسفل الذي يطأ به الإنسان قدمه، يعني يمشي به على الأرض، هو أولى بالتطهير من أعلى الخف. لكن الدين ليس بالآراء والعقول، وإنما بالاتباع. قال: وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه، يعني ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على باطن الخفين، وإنما كان يمسح على ظاهر الخفين فقط. طيب هذا الأثر المروي عن علي روي عنه بلفظ آخر: روي عنه بلفظ آخر، وهو قوله: كنت أرى المسح على باطن الخفين أحق بالمسح من ظاهرهما. قال: حتى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهرهما. هذه الرواية هي الأصح عن علي رضي الله عنه. الحديث التسعون: عن ثوبان رضي الله عنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية، فأمرهم أن يمسحوا على العصائب -يعني العمائم- والتساخين -يعني الخفاف-. رواه أبو داود، وصححه الحاكم. هذا الحديث صحيح. بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية، والسرية: القطعة من الجيش. فأمرهم النبي عليه الصلاة والسلام أن يمسحوا على العصائب -يعني العمائم- والعصائب يعني العمائم، ما يعصب على الرأس. والتساخين يعني الخفاف. ففي هذا الحديث مشروعية المسح على العمامة وحدها، مشروعية المسح على العمامة وحدها، إذا كان الإنسان لابسا للعمامة وتوضأ، فلا حرج عليه أن يمسح على عمامته، ولو اكتفى بالمسح عليها وحدها، كما هو قول أهل الحديث، وجماعة من أهل العلم، وهو الصحيح؛ لحديث وغيره مما يدل على مشروعية الاكتفاء بالمسح على العمامة وحدها. وكذلك فيه دليل على مشروعية المسح على الخفين. والتساخين يعني الخفاف. ولفظ التساخين أعم من لفظ الخفاف، التساخين يشمل كل ما تسخن به القدمين من الخفاف، الجوارب، الشرابات، ونحو ذلك. الحديث الحادي والتسعون. عن صفوان بن عسال رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا سفرا ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن -إلا من جنابة- ولكن من غائط وبول ونوم. أخرجه الترمذي وابن خزيمة، وصححاه. والحديث صحيح. حديث صفوان بن عسال قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا سفرا ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن، إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم. هذا الحديث أفاد أحكاما، منها: أن المسح على الخفين له من شروطه أن يمسح في المدة المحددة شرعا، أن يكون المسح على الخفين في المدة المحددة شرعا للمسح عليهما. فالمسح له مدة محددة، وهي ثلاثة أيام ولياليها للمسافر، ويوم وليلة للمقيم. قال: ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن، هذا بالنسبة للمسافر. فإن المسافر له أن يمسح على خفيه ثلاثة أيام ولياليها، يعني يمسح اثنين وسبعين ساعة. اليوم أربع وعشرون ساعة، في ثلاثة باثنين وسبعين، فله أن يمسح اثنين وسبعين ساعة. فإذا انتهت هذه المدة، فإنه ينزع خفيه ويغسل قدميه. طيب في خلال هذه المدة -مدة المسح- هل يجوز له أن يمسح على خفيه مطلقا إذا حصل له موجب للوضوء أو موجب للغسل؟ أم أن هناك تفصيلا؟ الجواب: أن هناك تفصيلا. وأشار إليه بقوله: إلا من جنابة، ولكن من غائط. الشرط الثالث: أن يكون المسح في الحدث الأصغر، أن يكون المسح في الحدث الأصغر، لا في الحدث الأكبر. لهذا قال هنا: إلا من جنابة، يعني ما نمسح إذا أصابتنا جنابة؛ فلابد من غسل القدمين؛ لأنك ستغتسل وتعم الجسد كله بالماء، ومن ذلك القدمين، لابد أن تغسل قدميك. وحينئذ فلا بد من نزع الخفين وغسل القدمين. إذا المسح على الخفين يشترط لجواز المسح عليهما أن يكون المسح في الحدث الأصغر، يعني ما يوجب الوضوء. قال: إلا من جنابة، لكن من غائط وبول، منهم لا بأس بالمسح على الخفين في هذه الأمور الثلاثة، وما كان بمعناها من نواقض الوضوء. الحديث الثاني والتسعون: عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: جعل النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوما وليلة للمقيم -يعني في المسح على الخفين-. أخرجه مسلم. هذا الحديث فيه تحديد مدة المسح، وأن المسح ليس على إطلاقه، وإنما يكون لمدة محددة، وهي ثلاثة أيام ولياليها للمسافر، ويوم وليلة للمقيم. فإذا انتهت هذه المدة، وجب عليه نزع الخفين وغسل القدمين. إذا انتهت هذه المدة، وجب عليه نزع الخفين وغسل القدمين. وهذا الحديث فيه رد على الشيعة؛ الشيعة يتعصبون لآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا علي رضي الله عنه من آل البيت، وهو يذكر هذا الحديث في مشروعية المسح على الخفين. متى يبدأ مدة المسح؟ هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم. منهم من يقول: يبتدأ مدة المسح من أول حدث بعد لبس الخفين، من أول حدث بعد لبس الخفين. فإذا لبس الإنسان الخفين مثلا بعد الفجر، لبس الخفين بعد الفجر، وأحدث في الظهر، قالوا: فهنا يبدأ مدة المسح إذا توضأ بعد هذا الحدث؛ فهنا يبدأ مدة المسح. وعلى هذا فلو أنه أحدث مثلا في الظهر، ومسح مثلا بعد الظهر، فإنه يبتدأ مدة المسح من الظهر -من أول حدث- فينتهي مدة المسح إلى ظهر اليوم الثاني. القول الثاني: أن أول مدة يحسب فيها المسح على الخفين من أول مسح على الخفين، يبتدأ مدة المسح على الخفين من أول مسح على الخفين. وهذا القول هو الأرجح؛ أن تبدأ مدة المسح من أول مسح على الخفين؛ لأن الأحاديث الواردة في المسح على الخفين كلها تتعلق بالمسح: مسح رسول الله، مسح على خفيه، يمسح المسافر، يمسح المقيم. فالأحكام متعلقة بالمسح. إذن أول مدة المسح يكون من أول مسح على الخفين. فإذا لبس الخفين في الصباح، وما مسح عليهما إلا في الظهر، فيبتدأ مدة المسح من الظهر. يبتدأ مدة المسح من الظهر، مثلا مسح الساعة الثانية عشرة ظهرا، فله أن يمسح إلى ثاني يوم الساعة الثانية عشرة ظهرا. واضح؟ إذا جاءت الساعة الثانية عشرة ظهرا، انتهت مدة المسح، فعليه أن يغسل قدميه. وهكذا. الحديث الثالث والتسعون: عن أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوما وليلة إذا تطهر فلبس خفيه أن يمسح عليهما. ما أخرجه ابن ماجه، وصححه ابن خزيمة، وهو حديث صحيح. فيه أيضا ما ذكر من تحديد مدة المسح، وهو قول جمهور أهل العلم. الحديث الرابع والتسعون: عن عمر رضي الله عنه موقوفا، وعن أنس مرفوعا: إذا توضأ أحدكم ولبس خفيه فليمسح عليهما، وليصلي فيهما، ولا يخلعهما إن شاء -إلا من جنابة-. أخرجه الدارقطني والحاكم، وصححه. يعني له أن يمسح على الخفين بأي حدث من نواقض الوضوء إلا الجنابة؛ إلا الجنابة فلابد من غسل القدمين. والحديث صحيح. الحديث الخامس والتسعون: عن أبي عمارة رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله، أمسح على الخفين؟ قال: نعم. قال: يوما؟ قال: نعم. قال: ويومين؟ قال: نعم. قال: وثلاثة أيام؟ قال: نعم، وما شئت. أخرجه أبو داود. وقال: ليس بالقوي. هذا الحديث في أن المسح على الخفين ليس له مدة محدودة؛ لك أن تمسح ما شئت. حتى جاء في بعض الرواية هذا الحديث: حتى عد سبعا -يعني سبعة أيام- لكن الحديث ضعيف. فالضعف: الإمام البخاري رحمه الله، وهكذا أبو داود أشار بعد إخراج هذا الحديث إلى الاختلاف في سنده، وهو معارض للأحاديث الصحيحة التي فيها تحديد المسح على الخفين. الحديث السادس والتسعون: وعن علي رضي الله عنه قال: إن كسرت إحدى زنديتي، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرني أن أمسح على الجبائر. رواه ابن ماجة بسند واه جدا. نعم، الحديث ضعيف جدا، فيه عمر بن خالد، وهو كذاب. كذبه أحمد بن حنبل، وقال البخاري: منكر الحديث. وقال وكيع وأبو زرعة: يضع الحديث. وقال الحاكم: يروي عن زيد بن علي الموضوعات. والزند: هو موصل أطراف الذراع في الكف، موصل أطراف الذراع في الكف. وهذا الموضع. والزندان: عظماء الساعد. هذا الحديث أراد المصنف الاستدلال به على مشروعية المسح على الجبائر. والجبيرة: ما يوضع على موضع الكسر، ما يوضع على موضع الكسر. وكانوا في السابق يضعون خشبتين: خشب في الأعلى، وخشب في الأسفل، ثم تربط برباط حتى يجبر الكسر. ومع التقدم في الطب أصبحوا يستعملون الجبس، يوضع الجبس على محل الكسر. وهذا الحديث كما علمنا ضعيف، لا يصح. ولم يصح شيء -يعني حديث صحيح- عن النبي صلى الله عليه وسلم في المسح على الجبائر. واستدل الجمهور أيضا بحديث جابر في قصة الرجل الذي شج رأسه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أو عصب رأسه بخرقة، ثم أصابته جنابة، فسأل أصحابه: هل له من رخصة؟ قالوا: لا. فاغتسل، فمات. فلما أقبر النبي صلى الله عليه وسلم قال: قتلوه، قتلهم الله. إنما شفاء العي السؤال. إنما كان يكفيه أن يعصب على رأسه خرقة، ثم يمسح عليها. هذا الحديث: أصله صحيح، أصل القصة صحيحة. لكن ذكر الأمر بأن يمسح على رأسه هذا لا يصح، رواية أمره أن يضع على رأسه خرقة ويمسح عليها، هذه لا تثبت. فلهذا لم يصح حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في المسح على الجبائر. لكن جمهور أهل العلم يقولون بجواز ذلك؛ لهذا الحديث -وهو ضعيف لا يصح- أيضا استدلوا بالقياس على الخفين؛ قالوا: إذا كان المسح على الخفين يجوز، مع أن المسح على الخفين هو من باب الاختيار، يفعله الإنسان مختارا، ولغير ضرورة. ومع ذلك أجاز الشرع له أن يمسح على خفيه. قالوا: فالجبيرة هي من باب الضرورة، من باب الضرورة؛ يضطر الإنسان إلى أن يضع الجبيرة على موضع الكسر حتى يصلح الكسر الذي أصابه. فكيف لا يجوز المسح، وهو في هذا الحال في حالة ضرورة؟ هو أولى بالمسح من المسح على الخفين. ولهذا فالصحيح أنه لا بأس أن يمسح الإنسان على الجبيرة، أن يمسح على الجبيرة. إلى أن هناك فرقا بين الجبيرة وبين المسح على الخفين، من هذه الفروق: أن الجبيرة لا يشترط لبسها على طهارة، بخلاف الخفين. وإن اشترط بعض القائلين بجواز المسح على الجبيرة، وهذا الشرط يسوغ صحيح؛ لأن هذا لا يمكن أصلا. الإنسان إذا أصابه كسر، هل يفكر يتوضأ حتى يفعل الجبيرة؟ وأيضا: الشرع ما أمر بهذا، وما ألزم بهذا؛ فلذلك لا يشترط. أيضا: المسح على الجبيرة ليس له مدة محدودة؛ له أن يمسح حتى يجبر الكسر، بخلاف المسح على الخفين. كذلك: المسح على الجبيرة يكون في الحدث الأصغر، وفي الحدث الأكبر، بخلاف المسح على الخفين؛ فإنه يكون في الحدث الأصغر دون الحدث الأكبر. طيب هذا خلاصة ما يتعلق بالمسح على الجبائر، وكذا أيضا ما يتعلق بالمسح على الخفين. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.