كتاب الجنائز 6

كتاب الجنائز 6

الدرس في كتاب الجنائز 6، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أحكام زيارة القبور ومشروعية زيارة النساء لها

يستعرض المحور أحاديث زيارة القبور مبيناً ضعف حديث النهي الشديد عن زيارة النساء ومخالفته للصحيح الذي يجيز الزيارة للرجال والنساء للتذكر بالآخرة مع كراهة الإكثار. ويؤكد على استحباب التوجه للقبور للسلام عليها والدعاء لأهلها كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في البقيع.

الأدعية النبوية المأثورة عند زيارة القبور

يورد المحور الصيغ النبوية الثابتة عند زيارة المقابر كدعاء بريدة وابن عباس، وتعليم النبي لأمته قول: «السلام عليكم أهل الديار...» و«السلام عليكم يا أهل القبور...» داعياً لهم بالمغفرة والعافية. كما يشير إلى استحباب التوجه للقبلة عند الدعاء للقبور.

تحريم النياحة وعقوبة النائحة والمستمع لها

يبيّن المحور تحريم النياحة على الميت وكونها من كبائر الذنوب وخصال الجاهلية، مع لعن النبي صلى الله عليه وسلم للنائحة والمستمع لها وأخذ البيعة على النساء بتركها. ويذكر الوعيد الشديد للنائحة يوم القيامة وعذابها بثياب من قطران ودرع من جرب.

تعذيب الميت بنياحة أهله وتأويل حديث النهي

يناقش المحور حديث «الميت يعذب في قبره بما نيح عليه» موضحاً أن العلماء حملوه على من أوصى بالنياحة أو رضي بها حال حياته، مراعاة لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. وبذلك لا يتحمل الميت وزر نياحة أهله إن لم يرضَ بها.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال المصنف رحمه الله: الحديث الرابع عشر بعد السبعين ومئة. وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى فاطمة ابنته، فقال لها: «من أين أقبلت يا فاطمة؟» قالت: «أقبلت من وراء جنازة هذا الرجل». قال: «فهل بلغتِ معهم الكدى؟» يعني المقابر. قالت: «لا، وكيف أبلغها وقد سمعت منك ما سمعت؟» يعني من النهي والزجر. قال: «والذي نفسي بيده، لو بلغتِ معهم الكدى ما رأيتِ الجنة حتى يراها جد أبيك». جد أبيها من؟ عبد المطلب. يعني هذا وعيد شديد في عدم دخول النساء الجنة إذا ذهبن إلى المقابر. قال: رواه أحمد، وصححه ابن حبان. وقال ابن عبد الهادي: حديث منكر. والكدى: المقابر. نعم، هذا الحديث منكر كما قال ابن عبد الهادي، وهكذا أيضًا أنكره جماعة من الحفاظ، فقد ضعفه النسائي، والربيع بن سيف المعافري، قال فيه عبد الحق الإشبيلي: ضعيف، ضعيف الحديث، عنده مناكير. وهكذا أيضًا قال البخاري في التاريخ: عنده مناكير. وهكذا ضعفه ابن الجوزي. فالحديث منكر، فهو يخالف الأحاديث الصحيحة التي فيها تعليم النبي عليه الصلاة والسلام لعائشة دعاء زيارة المقابر، لما قالت: «إذا زرت المقابر ما أقول؟» حيث في الصيحة في مسلم. فدل على أن هذا الحديث منكر. ومر معنا أن الصيحة: أنه يجوز للمرأة أن تزور المقابر لتذكر الآخرة، لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها». لكن لا تكثر من الزيارة، لأن ذلك يفضي إلى الوقوع في المحاذير، يعني من ربما من كثرة الخروج، وكذلك أيضًا قد يحصل شيء من التسخط، وكذلك النياحة إلى آخر ذلك. وعليه يحمل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لعن الله زوارات القبور»، كما مر معنا. قال: الحديث الخامس عشر بعد السبعمئة. وعن بريدة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية». رواه مسلم. هذا الحديث في استحباب هذا الدعاء عند زيارة المقابر، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر، والمقابر هي محل دفن الموتى. يعني إذا أتوا إلى المقابر لزيارة أهلها أو شهود جنازة، يسلمون عليهم بقولهم: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين». أهل الديار: يعني أهل المقابر، فالمقابر هي ديار المؤمنين التي انتقلوا منها من الدنيا إلى أول مرحلة من مراحل الآخرة، وهي البرزخ، التي هي مرحلة بين الدنيا والآخرة، وتعد من أمور الآخرة. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من مات فقد قامت قيامته». فقد قامت قيامته، فالقبور هي ديار لأهلها، تسلم عليهم: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون». وهذا فيه تذكير للمسلم أنه سينتقل إلى هذه الدار، متى؟ منتهى أجله، وكذلك انقطع عمره، فإن مصيره أن يصير إلى ما صار إليه، وأن يسكن هذه الديار التي سكنوها. قال: «أسأل الله لنا ولكم العافية». فتدعو لهم وكذلك لنفسك بالعافية، يعني من العذاب والعقاب والمؤاخذة إلى آخر ذلك مما يحصل للإنسان إذا دخل قبره. وبالنسبة للحي، فمعنى العافية: العافية من الفتن، والعافية من الأمراض، والعافية من الأسقام، إلى آخر ما يشتمل عليه هذا اللفظ. إذن هذا ذكر مستحب عند زيارة القبور. قال: الحديث السادس عشر بعد السبعمئة. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبور المدينة، فأقبل عليهم بوجهه، فقال: «السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر». رواه الترمذي، وقال: حسن. نعم، في هذا الحديث: مر النبي عليه الصلاة والسلام بقبور المدينة، وقبور المدينة في بقيع الغرقد، فأقبل عليهم بوجهه. قال أهل العلم: في هذا استحباب من زار المقابر أن يتوجه إلى جهة القبر للسلام على من فيها. قال: «فأقبل عليهم بوجهي، فقال: السلام عليكم يا أهل القبور». إذن يتوجه إلى جهة القبر للسلام عليهم. وهكذا كان ابن عمر رضي الله عنهما، لما يقدم إلى المدينة من سفر يأتي فيسلم على رسول الله، وعلى أبي بكر، وعمر. نعم، وبعض أهل العلم قال: في هذا دليل على أنه كذلك يتجه إلى القبور عند الدعاء لهم، أنه يتجه إلى القبور. والصحيح أنه يتوجه عند الدعاء إلى القبلة، لا يتوجه إلى جهة القبور، فليس بهذا دلالة على هذه المسألة، وإنما فيه أنه يتوجه للسلام عليهم بجهة القبور، وأما عند الدعاء فيتوجه إلى القبلة، هذا هو الصحيح. وقد بسط شيخ الإسلام رحمه الله الكلام على هذه المسألة في كتابه «الرد على الأخناء»، وأطال فيها رحمه الله. قال: «يغفر الله لنا ولكم»، يعني تسلم على أهل القبور وتدعو لهم بالمغفرة: «يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر». يعني أنتم قد تقدمتم بالموت، ونحن على أثركم نتبعكم، متى ما قضى الله سبحانه وتعالى بذلك. وهذا كما سمعتم فيه أيضًا تذكير للمسلم بأن هذا هو مآله، وهذه هي نهايته، متى ما أذن الله سبحانه وتعالى بقضاء الآجال وانتهاء الأعمار، فيكون في ذلك تذكير المسلم بالآخرة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فإن تذكر الآخرة». لما تسلم عليهم متذكرًا هذه الكلمات: «أنتم سلفنا ونحن بالأثر، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون»، تذكر المسلم أنه سينتهي من هذه الدنيا وسيرحل منها، وسيكون مآله إلى أهل القبور، فهذا يعينه على إصلاح الأعمال، وكذلك الاستعداد للآخرة. قال: حديث السابع عشر بعد السبعمئة. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما كانت ليلته من رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج من آخر الليل إلى البقيع، فيقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون، غدًا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد». رواه مسلم. نعم، هذا أيضًا كذلك دعاء من الأدعية الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام في الدعاء لأهل القبور: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون»، يعني مما أخبر الله سبحانه وتعالى به، وأخبر به النبي عليه الصلاة والسلام، من نزول الموت أولًا، والانتقال من هذه الدار، وهكذا من سؤال الملكين، وكون القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، فإن الميت يعاين ذلك عيانًا، فيأتيه ما وعد من نعيم الله جل وعلا، أو من عذاب الله. «غدًا مؤجلون»، يعني للبعث يوم القيامة. «وإنا إن شاء الله بكم لاحقون»، يعني بالموت والدخول إلى هذه المقابر. «اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد». فتقول مثلًا: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون، غدًا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر» مثلًا «لأهل هذه المقبرة، أو مقبرة كذا وكذا»، تذكر اسمها مثلًا، لا بأس، كما قال: «نسلم هنا لأهل بقيع الغرقد». وقول النبي صلى الله عليه وسلم هنا: «اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد»، قال أهل العلم: هذا يحتمل أنها دعوة لكل من دفن في هذه المقبرة، دعوة لكل من دفن في هذه المقبرة حتى بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام، لقوله: «اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد»، فيكون في ذلك فضيلة لمن دفن في هذه المقبرة أن تنالهم هذه الدعوة. ومنهم من قال: بل هي خاصة بمن كان في ذلك الوقت قد دفن، ممن دعا لهم النبي عليه الصلاة والسلام، والله أعلم. كلا الأمرين محتمل. الشاهد كما سمعتم: استحباب هذا الدعاء. قال: الحديث الثامن عشر بعد السبعين ومئة. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم النائحة والمستمع». أخرجه أبو داود. قال: الحديث التاسع عشر بعد السبعين ومئة. وعن أم عطية رضي الله عنها قالت: «أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا ننوح». متفق عليه. قال: الحديث العشرون بعد السبعين ومئة. وعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة». وقال: «والنائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب». رواه مسلم. نعم، حديث أبي سعيد: لعن النبي عليه الصلاة والسلام النائحة، النائحة والمستمع. النائحة التي ترفع صوتها بالنياحة، بالبكاء على الميت، فتصيح وتولول، ومن يستمع إلى هذه النائحة كذلك تشمله اللعنة، يعني الراضية بذلك، المستمعة الراضية بذلك، كذلك هي مشاركة في الإثم. وفي هذا دليل على أن النياحة على الميت كبيرة من كبائر الذنوب، كبيرة من كبائر الذنوب. وفي حديث أم عطية: أن النبي عليه الصلاة والسلام أخذ عليهم ألا ماذا؟ ألا ننوح، عند البيعة، لما بايع النساء عليه الصلاة والسلام، كان مما أخذ عليهم في البيعة ألا ينحن، يعني على الأموات، لأنه كان من عادة الجاهلية النياحة، بل ربما أوصى بعضهم أقاربه أن ينوحوا عليه إذا مات، فكان مما أخذ النبي عليه الصلاة والسلام عليهم عند المبايعة ألا ينحن. نعم، وهذا الحديث حديث أبي سعيد: «لعن الله» أو «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم النائحة والمستمع»، الحديث فيه ضعف، هذا الحديث فيه ضعف، وإن كان معناه صحيح من حيث أن النياحة من كبائر الذنوب، كما سيأتي في حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه، لكن من حيث نسبة لهذا الحديث فهو يعني ضعيف، ففيه الحسن بن عطية، وأبوه عطية، وهو من السعد، العوفي، ضعيفان، ضعيفان: الحسن بن عطية وأبوه عطية العوفي ضعيفان. طيب، لكن كما سمعتم معناه صحيح. وفي حديث أبي مالك الأشعري: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن»، يعني أربع خصال من خصال أهل الجاهلية تبقى في هذه الأمة وتستمر: الفخر في الأحساب، يعني التعاظم بالآباء، يفتخر الرجل بآبائه وعشيرته وقبيلته، هذا من أمور الجاهلية. والطعن في الأنساب، كذلك الطعن في الأنساب يعني تنقصها، فلان أنت من نسبك يعني من قبيلة الفلانية، أو ترجع إلى آل فلان، أنتم كذا، أنتم من العمال، وأنتم من الزراع، أنتم من... من باب الطعن والاستحقار والاستهزاء ونحو ذلك، هذا أيضًا من أمور الجاهلية. والاستسقاء بالنجوم، يعني طلب السقي ونزول المطر بالنجوم، فهذه من أمور الجاهلية، أن يعتقد أن المطر ينزل بالنجم الفلاني، أو بالكوكب الفلاني، أنه سبب لإنزال المطر، أو هو الذي ينزل المطر بنفسه، فكل ذلك من أمور الجاهلية. والنياحة أيضًا من أمور الجاهلية، النياحة: رفع الصوت بالبكاء على الميت. وإذا قرن مع ذلك أيضًا الذكر، والمفاخر، وشق الجيوب، ولطم الوجوه، فهذا كله أيضًا من الأمور المحرمة. قال: «والنائحة إذا لم تتب قبل موتها»، يعني من النياحة، «تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب». «تقام» تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب. القطران طبعًا، الدرع الأصل هو قميص النساء، القميص يتلبسه المرأة على جسدها تصلي فيه، والمراد: درع من جرب، يعني أن جلد هذه النائحة يكون ماذا؟ يكون فيه الجرب، مرض الجرب المعروف من الأمراض الجلدية المؤذية، التي يكثر فيها أن يحك المريض جلده ويتأذى من ذلك، فيصبح يعني جلدها كله من جرب. والقطران هو دهن يدهن به الجمل الأجرب فيحترق لحدته وحرارته، دهن يدهن به الجمل الأجرب فيحترق جلده من حرارته وحدته، فهكذا يكون حال هذه النائحة يوم القيامة. وهذا دليل على أن النياحة كبيرة من كبائر الذنوب. قال: الحديث الحادي والعشرون بعد السبعين ومئة. وعن عمر رضي الله عنه: النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الميت يعذب في قبره بما نيح عليه». متفق عليه. «الميت يعذب في قبره بما نيح عليه»، يعني بما بكي عليه وصيح عليه. لكن قال أهل العلم: هذا يعارض، هذا يعارض قول الله جل وعلا: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. فكيف بالميت أن يعذب ببكاء أهله عليه؟ وهذا الفعل إنما حصل منهم، ليس منه. قال أهل العلم: هذا الحديث يحمل على محامل، منها: أن الميت يوصي بذلك، يوصي بالنياحة عليه، يوصي بالنياحة عليه، فحينئذ يعذب في قبره، كما في قول القائل لأهله يوصيهم: «إذا مت فنعيني بما أنا أهله، وشق علي الجيب يا بنية معبدي، إذا مت فنعيني بما أنا أهله، وشق علي الجيب يا بنية معبدي». يوصيها أن تنوح عليه وتشق الجيوب، فمثل هذا يعذب الميت بمثل ذلك. وقيل أيضًا: أنه يعلم أن أهله سينوحون عليه، فلا ينكر عليهم، يعلم أنهم سينوحون عليه ولا ينكر عليهم، في هذه الحال يكون له نصيب العذاب. وأما إذا لم يعلم ذلك منهم، أو نهاهم عن ذلك فلم ينتهوا، ومات وناحوا عليه، فليس عليه شيء، ليس عليه شيء، لأنه لم يرضَ بذلك، والله جل وعلا يقول: ﴿لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. طيب، نكتفي بالقادر إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين. شكرًا.الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال المصنف رحمه الله: الحديث الرابع عشر بعد السبعين ومئة. وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى فاطمة ابنته، فقال لها: «من أين أقبلت يا فاطمة؟» قالت: «أقبلت من وراء جنازة هذا الرجل». قال: «فهل بلغتِ معهم الكدى؟» يعني المقابر. قالت: «لا، وكيف أبلغها وقد سمعت منك ما سمعت؟» يعني من النهي والزجر. قال: «والذي نفسي بيده، لو بلغتِ معهم الكدى ما رأيتِ الجنة حتى يراها جد أبيك». جد أبيها من؟ عبد المطلب. يعني هذا وعيد شديد في عدم دخول النساء الجنة إذا ذهبن إلى المقابر. قال: رواه أحمد، وصححه ابن حبان. وقال ابن عبد الهادي: حديث منكر. والكدى: المقابر. نعم، هذا الحديث منكر كما قال ابن عبد الهادي، وهكذا أيضًا أنكره جماعة من الحفاظ، فقد ضعفه النسائي، والربيع بن سيف المعافري، قال فيه عبد الحق الإشبيلي: ضعيف، ضعيف الحديث، عنده مناكير. وهكذا أيضًا قال البخاري في التاريخ: عنده مناكير. وهكذا ضعفه ابن الجوزي. فالحديث منكر، فهو يخالف الأحاديث الصحيحة التي فيها تعليم النبي عليه الصلاة والسلام لعائشة دعاء زيارة المقابر، لما قالت: «إذا زرت المقابر ما أقول؟» حيث في الصيحة في مسلم. فدل على أن هذا الحديث منكر. ومر معنا أن الصيحة: أنه يجوز للمرأة أن تزور المقابر لتذكر الآخرة، لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها». لكن لا تكثر من الزيارة، لأن ذلك يفضي إلى الوقوع في المحاذير، يعني من ربما من كثرة الخروج، وكذلك أيضًا قد يحصل شيء من التسخط، وكذلك النياحة إلى آخر ذلك. وعليه يحمل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لعن الله زوارات القبور»، كما مر معنا. قال: الحديث الخامس عشر بعد السبعمئة. وعن بريدة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية». رواه مسلم. هذا الحديث في استحباب هذا الدعاء عند زيارة المقابر، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر، والمقابر هي محل دفن الموتى. يعني إذا أتوا إلى المقابر لزيارة أهلها أو شهود جنازة، يسلمون عليهم بقولهم: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين». أهل الديار: يعني أهل المقابر، فالمقابر هي ديار المؤمنين التي انتقلوا منها من الدنيا إلى أول مرحلة من مراحل الآخرة، وهي البرزخ، التي هي مرحلة بين الدنيا والآخرة، وتعد من أمور الآخرة. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من مات فقد قامت قيامته». فقد قامت قيامته، فالقبور هي ديار لأهلها، تسلم عليهم: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون». وهذا فيه تذكير للمسلم أنه سينتقل إلى هذه الدار، متى؟ منتهى أجله، وكذلك انقطع عمره، فإن مصيره أن يصير إلى ما صار إليه، وأن يسكن هذه الديار التي سكنوها. قال: «أسأل الله لنا ولكم العافية». فتدعو لهم وكذلك لنفسك بالعافية، يعني من العذاب والعقاب والمؤاخذة إلى آخر ذلك مما يحصل للإنسان إذا دخل قبره. وبالنسبة للحي، فمعنى العافية: العافية من الفتن، والعافية من الأمراض، والعافية من الأسقام، إلى آخر ما يشتمل عليه هذا اللفظ. إذن هذا ذكر مستحب عند زيارة القبور. قال: الحديث السادس عشر بعد السبعمئة. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبور المدينة، فأقبل عليهم بوجهه، فقال: «السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر». رواه الترمذي، وقال: حسن. نعم، في هذا الحديث: مر النبي عليه الصلاة والسلام بقبور المدينة، وقبور المدينة في بقيع الغرقد، فأقبل عليهم بوجهه. قال أهل العلم: في هذا استحباب من زار المقابر أن يتوجه إلى جهة القبر للسلام على من فيها. قال: «فأقبل عليهم بوجهي، فقال: السلام عليكم يا أهل القبور». إذن يتوجه إلى جهة القبر للسلام عليهم. وهكذا كان ابن عمر رضي الله عنهما، لما يقدم إلى المدينة من سفر يأتي فيسلم على رسول الله، وعلى أبي بكر، وعمر. نعم، وبعض أهل العلم قال: في هذا دليل على أنه كذلك يتجه إلى القبور عند الدعاء لهم، أنه يتجه إلى القبور. والصحيح أنه يتوجه عند الدعاء إلى القبلة، لا يتوجه إلى جهة القبور، فليس بهذا دلالة على هذه المسألة، وإنما فيه أنه يتوجه للسلام عليهم بجهة القبور، وأما عند الدعاء فيتوجه إلى القبلة، هذا هو الصحيح. وقد بسط شيخ الإسلام رحمه الله الكلام على هذه المسألة في كتابه «الرد على الأخناء»، وأطال فيها رحمه الله. قال: «يغفر الله لنا ولكم»، يعني تسلم على أهل القبور وتدعو لهم بالمغفرة: «يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر». يعني أنتم قد تقدمتم بالموت، ونحن على أثركم نتبعكم، متى ما قضى الله سبحانه وتعالى بذلك. وهذا كما سمعتم فيه أيضًا تذكير للمسلم بأن هذا هو مآله، وهذه هي نهايته، متى ما أذن الله سبحانه وتعالى بقضاء الآجال وانتهاء الأعمار، فيكون في ذلك تذكير المسلم بالآخرة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فإن تذكر الآخرة». لما تسلم عليهم متذكرًا هذه الكلمات: «أنتم سلفنا ونحن بالأثر، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون»، تذكر المسلم أنه سينتهي من هذه الدنيا وسيرحل منها، وسيكون مآله إلى أهل القبور، فهذا يعينه على إصلاح الأعمال، وكذلك الاستعداد للآخرة. قال: حديث السابع عشر بعد السبعمئة. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما كانت ليلته من رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج من آخر الليل إلى البقيع، فيقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون، غدًا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد». رواه مسلم. نعم، هذا أيضًا كذلك دعاء من الأدعية الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام في الدعاء لأهل القبور: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون»، يعني مما أخبر الله سبحانه وتعالى به، وأخبر به النبي عليه الصلاة والسلام، من نزول الموت أولًا، والانتقال من هذه الدار، وهكذا من سؤال الملكين، وكون القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، فإن الميت يعاين ذلك عيانًا، فيأتيه ما وعد من نعيم الله جل وعلا، أو من عذاب الله. «غدًا مؤجلون»، يعني للبعث يوم القيامة. «وإنا إن شاء الله بكم لاحقون»، يعني بالموت والدخول إلى هذه المقابر. «اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد». فتقول مثلًا: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون، غدًا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر» مثلًا «لأهل هذه المقبرة، أو مقبرة كذا وكذا»، تذكر اسمها مثلًا، لا بأس، كما قال: «نسلم هنا لأهل بقيع الغرقد». وقول النبي صلى الله عليه وسلم هنا: «اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد»، قال أهل العلم: هذا يحتمل أنها دعوة لكل من دفن في هذه المقبرة، دعوة لكل من دفن في هذه المقبرة حتى بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام، لقوله: «اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد»، فيكون في ذلك فضيلة لمن دفن في هذه المقبرة أن تنالهم هذه الدعوة. ومنهم من قال: بل هي خاصة بمن كان في ذلك الوقت قد دفن، ممن دعا لهم النبي عليه الصلاة والسلام، والله أعلم. كلا الأمرين محتمل. الشاهد كما سمعتم: استحباب هذا الدعاء. قال: الحديث الثامن عشر بعد السبعين ومئة. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم النائحة والمستمع». أخرجه أبو داود. قال: الحديث التاسع عشر بعد السبعين ومئة. وعن أم عطية رضي الله عنها قالت: «أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا ننوح». متفق عليه. قال: الحديث العشرون بعد السبعين ومئة. وعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة». وقال: «والنائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب». رواه مسلم. نعم، حديث أبي سعيد: لعن النبي عليه الصلاة والسلام النائحة، النائحة والمستمع. النائحة التي ترفع صوتها بالنياحة، بالبكاء على الميت، فتصيح وتولول، ومن يستمع إلى هذه النائحة كذلك تشمله اللعنة، يعني الراضية بذلك، المستمعة الراضية بذلك، كذلك هي مشاركة في الإثم. وفي هذا دليل على أن النياحة على الميت كبيرة من كبائر الذنوب، كبيرة من كبائر الذنوب. وفي حديث أم عطية: أن النبي عليه الصلاة والسلام أخذ عليهم ألا ماذا؟ ألا ننوح، عند البيعة، لما بايع النساء عليه الصلاة والسلام، كان مما أخذ عليهم في البيعة ألا ينحن، يعني على الأموات، لأنه كان من عادة الجاهلية النياحة، بل ربما أوصى بعضهم أقاربه أن ينوحوا عليه إذا مات، فكان مما أخذ النبي عليه الصلاة والسلام عليهم عند المبايعة ألا ينحن. نعم، وهذا الحديث حديث أبي سعيد: «لعن الله» أو «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم النائحة والمستمع»، الحديث فيه ضعف، هذا الحديث فيه ضعف، وإن كان معناه صحيح من حيث أن النياحة من كبائر الذنوب، كما سيأتي في حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه، لكن من حيث نسبة لهذا الحديث فهو يعني ضعيف، ففيه الحسن بن عطية، وأبوه عطية، وهو من السعد، العوفي، ضعيفان، ضعيفان: الحسن بن عطية وأبوه عطية العوفي ضعيفان. طيب، لكن كما سمعتم معناه صحيح. وفي حديث أبي مالك الأشعري: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن»، يعني أربع خصال من خصال أهل الجاهلية تبقى في هذه الأمة وتستمر: الفخر في الأحساب، يعني التعاظم بالآباء، يفتخر الرجل بآبائه وعشيرته وقبيلته، هذا من أمور الجاهلية. والطعن في الأنساب، كذلك الطعن في الأنساب يعني تنقصها، فلان أنت من نسبك يعني من قبيلة الفلانية، أو ترجع إلى آل فلان، أنتم كذا، أنتم من العمال، وأنتم من الزراع، أنتم من... من باب الطعن والاستحقار والاستهزاء ونحو ذلك، هذا أيضًا من أمور الجاهلية. والاستسقاء بالنجوم، يعني طلب السقي ونزول المطر بالنجوم، فهذه من أمور الجاهلية، أن يعتقد أن المطر ينزل بالنجم الفلاني، أو بالكوكب الفلاني، أنه سبب لإنزال المطر، أو هو الذي ينزل المطر بنفسه، فكل ذلك من أمور الجاهلية. والنياحة أيضًا من أمور الجاهلية، النياحة: رفع الصوت بالبكاء على الميت. وإذا قرن مع ذلك أيضًا الذكر، والمفاخر، وشق الجيوب، ولطم الوجوه، فهذا كله أيضًا من الأمور المحرمة. قال: «والنائحة إذا لم تتب قبل موتها»، يعني من النياحة، «تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب». «تقام» تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب. القطران طبعًا، الدرع الأصل هو قميص النساء، القميص يتلبسه المرأة على جسدها تصلي فيه، والمراد: درع من جرب، يعني أن جلد هذه النائحة يكون ماذا؟ يكون فيه الجرب، مرض الجرب المعروف من الأمراض الجلدية المؤذية، التي يكثر فيها أن يحك المريض جلده ويتأذى من ذلك، فيصبح يعني جلدها كله من جرب. والقطران هو دهن يدهن به الجمل الأجرب فيحترق لحدته وحرارته، دهن يدهن به الجمل الأجرب فيحترق جلده من حرارته وحدته، فهكذا يكون حال هذه النائحة يوم القيامة. وهذا دليل على أن النياحة كبيرة من كبائر الذنوب. قال: الحديث الحادي والعشرون بعد السبعين ومئة. وعن عمر رضي الله عنه: النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الميت يعذب في قبره بما نيح عليه». متفق عليه. «الميت يعذب في قبره بما نيح عليه»، يعني بما بكي عليه وصيح عليه. لكن قال أهل العلم: هذا يعارض، هذا يعارض قول الله جل وعلا: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. فكيف بالميت أن يعذب ببكاء أهله عليه؟ وهذا الفعل إنما حصل منهم، ليس منه. قال أهل العلم: هذا الحديث يحمل على محامل، منها: أن الميت يوصي بذلك، يوصي بالنياحة عليه، يوصي بالنياحة عليه، فحينئذ يعذب في قبره، كما في قول القائل لأهله يوصيهم: «إذا مت فنعيني بما أنا أهله، وشق علي الجيب يا بنية معبدي، إذا مت فنعيني بما أنا أهله، وشق علي الجيب يا بنية معبدي». يوصيها أن تنوح عليه وتشق الجيوب، فمثل هذا يعذب الميت بمثل ذلك. وقيل أيضًا: أنه يعلم أن أهله سينوحون عليه، فلا ينكر عليهم، يعلم أنهم سينوحون عليه ولا ينكر عليهم، في هذه الحال يكون له نصيب العذاب. وأما إذا لم يعلم ذلك منهم، أو نهاهم عن ذلك فلم ينتهوا، ومات وناحوا عليه، فليس عليه شيء، ليس عليه شيء، لأنه لم يرضَ بذلك، والله جل وعلا يقول: ﴿لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. طيب، نكتفي بالقادر إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين. شكرًا.