الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 209، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يفسر المقطع آية ﴿حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ مبيناً أن الحور تعني سود الحدق والمقصورات محبوسات طرفهن على أزواجهن. ويذكر أوصافهن كالياقوت والمرجان وينقل خبراً عن راوٍ شُفي من العرج.
تصف الرواية خيمة في الجنة مصنوعة من لؤلؤة مجوفة عرضها ستون ميلاً وفي كل زاوية أهل لا يرون غيرهم. وتضم الخيمة الأنهار والأشجار والثمار وكل ما تشتهي الأنفس لتكون بيت المؤمن في الجنة.
يبيّن المقطع تفاوت نعيم المؤمنين حسب أعمالهم حيث يُزوج الشهيد بسبعين حورية ويحصل كل مؤمن على خيمة من لؤلؤ مجوف عرضها سبعون ميلاً. كما يذكر جنتي فضة وجنتي ذهب وأن حجاب الرؤية عن الله هو رداء الكبر في جنة عدن.
يختتم المؤلف الباب مؤكداً أن ما سبق هو خلاصة ما يُذكر في هذا الباب مع تفويض العلم لله تعالى. وتكون هذه الخاتمة تأكيداً على تمامية العرض وسلامة النقل.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه أجمعين. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: عند قول الله جل وعلا: ﴿ حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ ﴾ [الرحمن: 72]. فقال ابن عباس: حور: سود الحدق. فقال مجاهد: مقصورات: محبوسات، قصر طرفهن وأنفسهن على أزواجهن، خاصرات لا يبغين غير أزواجهن. فحور: قال ابن عباس: أي سود الحدق، أنا سود العين، أو سواد العين أسود. فهذه الحور إنما تسمى حوراً بسواد حدقها. ومقصورات في الخيام: هذه قالها ربنا جل وعلا في الجنات الأربع: ﴿ مُقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ ﴾. مقصورات: معنى قصرنا أنفسهن بخدمة أزواجهن في الخيام، أو في البيوت؛ الخيام: معنى البيت. وقصرات الطرف: لم يذكرها ربنا جل وعلا إلا في الجنتين الأوليين أو الأوليين. قصرات الطرف: المراد قصرات الطرف، أي لا ينظرن إلا إلى أزواجهن. وهذه صفة في نساء الجنة، وهي أيضاً لا شك أنها صفة كمال إذا كانت في المرأة في الدنيا التي لا تنظر إلا إلى زوجها. فهؤلاء قصرات الطرف قد قصرن أطرافهن على أزواجهن. قال: قصر طرفهن وأنفسهن على أزواجهن. وقد وصف الله عز وجل هذه الحور بأعظم الأوصاف، وبين ربنا جل وعلا أنها كالياقوت والمرجان، وأيضاً كذلك كبيض مكنون، وغيرها من الأوصاف العظيمة التي ذكرها ربنا جل وعلا في الحور. وقال: وحدثنا محمد بن المثنى، وهو أبو موسى العنزي، والملقب بالزمن؛ كان زمن، أنا ما يستطيع أن يمشي، ثم شفاه الله عز وجل بلحظة. قال: حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد، وهو العمي. قال: حدثنا أبو عمران الجوني، هو عبد الملك بن حبيب، كما تقدم، عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس، عن أبيه، ومعاذ بن جبل -رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة، عرضها ستون ميلاً، في كل زاوية منها أهل، ما يرون الآخرين، يطوف عليهم المؤمنون. وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما. وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبر على وجهه في جنة عدن». فهذا الحديث أو هذه الرواية فيها زيادة على الرواية التي تقدمت في حديث عبد الله بن محمد بن أبي الأسود. فالرواية الزائدة قوله: «إن في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة». وهذا أيضاً قد جاء في الصحيحين من غير حديث معاذ. فـ «اللؤلؤة المجوفة»: معناها الخيمة مثل اللؤلؤة المجوفة، جعلها الله عز وجل كالخيمة مجوفة، عرضها ستون ميلاً، عن العرض ستون ميلاً. عن عرضها معناها تسعون كيلو، قرابة التسعين أو ثمانين كيلو، هذا عرضها، عرض هذه اللؤلؤة أو الخيمة المجوفة. وفي كل زاوية منها أهل، ما يرون الآخرين. والظاهر أنها مربعة، في كل زاوية أهل. لهذا المؤمن يطوف عليهم في الخيمة نفسها، ليس هناك أحد يدخل عليه. هذه الخيمة تعتبر بيته وجنته، فيها الأنهار، وفيها الأشجار والثمار، وكل ما تشتهي نفسه، وفيها أيضاً أهلهم. وكل ما جاء إلى زاوية ففيها أهله. وهذا بحسب أيضاً عمل المؤمن؛ فإن من أهل الإيمان من يعطى كثيراً من الحور. فما جاء في الشهيد أنه يزوج بسبعين من الحور. فكلما كثر عمل العبد كثرت أزواجه. ففي كل طرف، وكل زاوية من زوايا هذه اللؤلؤة، وهذه الخيمة، يجد أهلاً له ينتظرونه ويخدمونه، قاصرات الطرف. وقال جل وعلا: ﴿ حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ * لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ ﴾ [الرحمن: 72-74]. يعني لم يمسها أحد، فهي أبكار، وكلما أتاها الرجل صارت بكراً مرة أخرى. فقال أيضاً: «إن في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة، عرضها سبعون ميلاً، في كل زاوية منها أهل، ما يرون الآخرين، يطوف عليهم المؤمنون». أي أهل الجنة، كل واحد يطوف على أهله. قال: «وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما». وهذا تقدم بالأمس. قال: «وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبر على وجهه في جنة عدن». فهذا ما أعطي من النعيم العظيم في هذا الباب. وهنا أيضاً قوله: ستون ميلاً، جاء عن ابن عباس أن الخيمة ميل في ميل. أنا الظاهر أنها مربعة، ستون ميلاً في ستين ميلاً. والميل كما قلنا: كيلو وستمائة وستة من عشر من الكيلو. أنا فالظاهر أنها عن أكثر من تسعة كيلو... هذا مساحة هذه اللؤلؤة المجوفة، أو هذه الخيمة التي مثل اللؤلؤة المجوفة، من لؤلؤ مجوف. وفي الحديث الآخر أنها أيضاً: جنتان من فضة، يعني مبنية من الفضة، وجنتان مبنية من الذهب، وكل ما فيهما من الفضة... فهذا خلاصة ما يذكر في هذا الباب، والله تعالى أعلم.