الدرس في كتاب صلاة المسافرين وقصرها 3، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يسرد المقطع سلسلة رواة الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهم، مبيناً أسماءهم وألقابهم، ثم يذكر نص الحديث النبوي الذي يحدد فرض الله للصلاة: أربع ركعات في الحضر، وركعتين في السفر، وركعة واحدة في الخوف.
يوضح المقطع حديث ابن عباس عن فرض صلاة الخوف ركعة واحدة، ويناقش خلاف العلماء فيها: فذهب الجمهور إلى أنها ركعة مع الإمام ثم يقضي أخرى، بينما رأى ابن حزم وابن تيمية والألباني جواز الاكتفاء بركعة واحدة مستندين إلى حديث حذيفة.
يبين المقطع أن صلاة الحضر رباعية لا تقصر إلا في السفر، وأن القصر سنة مؤكدة والإتمام مكروه، مع تفصيل حكم المسافر إذا صلى خلف المقيم فيتم صلاته صحية لكن خلاف الأفضل، وحكم المقيم خلف المسافر.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى، وهو التميم أبو زكريا النيسابوري، كان يلقب بريحانة نيسابور. وقال: وسعيد بن منصور، وهو أبو عثمان الخراساني، صاحب السنن، سنن سعيد بن منصور. وقال: وأبو الربيع، وهو سليمان بن داود العتكي. وقال: وقتيبة بن سعيد، هو رجاء البغلاني، قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف أبو رجاء البغلاني. اجتمع في اسم أبيه وجده ثلاثة أسماء من أسماء السعادة، أو من أسباب الفرح والسرور: السعادة، والجمال، والطرف. سعيد بن سعيد بن جميل بن طريف. قال: أخبرنا. قال يحيى: أخبرنا. وقال الآخرون: حدثنا أبو عوان، وهو الوضاح بن عبد الله اليشكري، أبو عوان الواسطي، وهو من شيوخ البخاري والإمام مسلم، يحدث عنه بواسطة. قال: عن بوكير بن الأخنس، وهو السدوسي، عن مجاهد، وهو ابن جبر المكي. قال الحافظ: فيه ثقة، إمام في التفسير والعلم، وهو تلميذ ابن عباس، وسمع عن غيره من الصحابة، لكن لازمه ابن عباس وأخذ منه القرآن. وقال: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة، ومات رحمه الله وهو ساجد. قال: عن ابن عباس، وهو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ابن عم رسول الله عليه الصلاة والسلام، حبر هذه الأمة وعالمها، وكان يُلقب بالبحر لكثرة علمه، رضي الله تعالى عنه. قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة. وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعمر الناقد جميعًا، عن القاسم بن مالك. قال عمر: حدثنا القاسم بن مالك المزني، قال: حدثنا أيوب بن عائذ الطائي، عن بكير بن الأخنس، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: إن الله فرض الصلاة على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم على المسافر ركعتين، وعلى المقيم أربعًا، وفي الخوف ركعة. في هذا الحديث يخبر عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الله عز وجل فرض الصلاة على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام في الحضر أربعًا، يعني تُصلى الصلاة الرباعية في الحضر والإقامة أربعًا، وفي السفر ركعتين، يعني تُصلى الرباعية ركعتين وتُقصر، وفي الخوف ركعة. وفي الخوف ركعة يعني عند حصول الخوف، فيجوز أن تُصلى ركعة واحدة. وجمهور أهل العلم أولوا هذا الحديث، حديث ابن عباس، في قوله: "وفي الخوف ركعة"، بأن المراد أنه يصلي مع الإمام ركعة ثم يقضي ركعة أخرى، قالوا: لأن الأحاديث الواردة في صفة الخوف الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها أقل شيء الاقتصار على ركعتين، ولهذا أولوا هذا الحديث. وذهب جماعة من أهل العلم، ومنهم الإمام ابن حزم رحمه الله، وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، ورجحه من المتأخرين العلامة الألباني رحمه الله، إلى أنه يجوز أن تُصلى صلاة الخوف ركعة. ويؤيد هذا ما جاء في حديث حذيفة عند الدارقطني والبيهقي، وجاء أيضًا بمعنى من حديث جابر وابن عمر، وهي بمجموع الطرق صحيحة، وهو أنه في حديث حذيفة ذُكر أن صلاة الخوف صُليت مع الإمام ركعة واحدة، واكتفوا بذلك، قال: ولم يقضوا ركعة أخرى. أو بمعنى الحديث: يعني الاقتصار على ركعة واحدة، أنهم صلوا ركعة ولم يقضوا. والحديث صحيح، وعلى هذا فيصح أن تُصلى صلاة الخوف ركعة. وهذا يكون يعني إلى اختيار المصلين، إذا كان الأمر مع شدة الخوف يحتاج إلى التخفيف، إلى أن تُصلى الصلاة ركعة واحدة، فلا بأس بذلك لهذا الحديث: "وفي الخوف ركعة"، مع ما ثبت بحديث حذيفة وغيره من الاقتصار على ركعة واحدة. وهذا هو الصحيح. وقوله: "فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين"، علمنا أن صلاة الحضر أربعًا، أي رباعية، تُصلى أربعًا، ولا يجوز قصرها من غير سفر. لا يجوز قصرها من غير سفر، حتى لو أن الإنسان أراد أن يجمع بين الصلاتين في الحضر، فيجوز له الجمع للحاجة من غير قصر، كالمريض ونحوه، له أن يجمع بين الصلاتين لكن من غير قصر. كذلك في المطر يجمع بين الصلاتين من غير قصر. وصلاة السفر: علمنا أن السنة هو قصر الصلاة، هو قصر الصلاة، وأن الإتمام مكروه، وأن الإتمام مكروه. هذا يعني قول جمهور أهل العلم أن قصر الصلاة في السفر سنة، ثم اختلفوا في الإتمام: منهم من قال جائز، ومنهم من قال بالكراهة، وهو الأظهر كما رجحه شيخ الإسلام رحمه الله، لأنه خلاف سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم في السفر أنه كان يقصر الصلاة. قال ابن عمر: سافرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعمر، فكانوا يصلون ركعتين. وقولنا بأنه سنة وليس بفرض، ليس بفرض يعني كالفرائض الخمس، وذلك أن المسافر لو صلى خلف المقيم فإنه سيصلي كم؟ ها؟ سيصلي أربعًا. وهذه السنة كما سيأتي: إذا صلى المسافر خلف المقيم سيصلي أربعًا، ولو كان فرضه الركعتين ولا يجوز له الزيادة عليها لما جاز له أن يتم. كما أن المقيم لا يجوز له أن يقصر الصلاة، لو صلى مقيم خلف مسافر هل له أن يصلي ركعتين؟ لأن المسافر سيصلي ركعتين؟ الجواب: لا. لماذا؟ لأن فرضه أربعًا. لكن المسافر لو صلى خلف المقيم أتم. إذن هذا معناه أن الإتمام يجزئ عن المسافر، وإن كان خلاف الأفضل، وإن كان خلاف الأفضل. لو أتم من غير أن يصلي خلف مقيم أجزأت صلاته، لكن السنة أن يصلي ركعتين. نعم، وسيأتي إن شاء الله كذلك الكلام على هذه المسألة في حديث ابن عباس القادم بإذن الله. طيب، نكتفي بهذا القدر إلى هنا. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.