الدرس في التعليق على نظم الورقات 53، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشترط في المفتي أن يكون مجتهدًا وأن يكون لديه معرفة بالكتاب والسنة وفروع الفقه والقواعد والأصول واللغة العربية. يُوضح أيضًا الفرق بين المجتهد والمقلد حيث يُعتبر المقلد غير عالم لأنه يأتي بكلام غيره دون استنباط أو فهم عميق.
يشترط في المفتي العلم بالفقه وأصوله والتفسير والحديث والقدرة على استنباط المسائل، بينما يشترط في السائل ألا يكون عالما كالمفتي مع جواز أن يسأل العالم غيره في تخصصات مختلفة. يُبيّن أن هناك شروطًا محددة لكل من المفتي والسائل.
يُفرّق بين التقليد المذموم وهو الأخذ بقول العالم دون معرفة الدليل، والاستيثاق وهو سؤال العالم المتخصص لمعرفة الدليل والتعليل وراء فتواه. يُشير إلى أن العلماء يحتاجون إلى استيثاق من أقوال الآخرين في مسائل معينة.
التقليد المذموم هو أخذ قول شخص معين دون غيره دون معرفة الدليل وهو مذموم شرعًا. يُحذّر من خطورة التقليد الأعمى دون فهم أو استدلال.
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. قال: نؤلف بابًا في المفتي والمستفتي والتقليد. هذا الباب مأخوذ من التعريف الذي ذكره المؤلف في بداية الكتاب في تعريف أصول الفقه، وحال المستفيد. وهذا هنا يبحث في حال المستفيد، وهو المفتي الذي يفتي الناس، فإنه يحتاج لهذا العلم. ولهذا أهل العلم وضعوا له ضوابط، هذا المفتي له ضوابط وشروط، وهو المجتهد، سواء كان مجتهدًا مطلقًا أو مجتهدًا مقيدًا. مطلقًا معناه مجتهد في أدلة الكتاب والسنة، وفي قواعدها. ومجتهدًا مقيدًا معناه مقيد بمذهب معين. أن بعضهم تجدهم مقيدين بمذهب معين، يجتهدون في هذا المذهب. مثلًا الإمام النووي رحمه الله مجتهد مطلقًا، ومجتهد أيضًا مقيدًا، فهو مجتهد في المذهب، ومجتهد أيضًا في الأدلة. وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أيضًا مجتهد مطلقًا، ومجتهد في مذهب الحنابلة، فهو يرجح أيضًا الروايات في مذهب الحنابلة. فهنا عندنا مجتهد أو مقلد. وعما المقلد، فإن كان من أهل العلم أو إن كان عنده علم، فهو لا يعتبر مجتهدًا. لا يعتبر مجتهدًا، بل كما قال الإمام ابن عبدالبر: إن إجماع العلماء أنه ليس بعالم، وإنما هو نسخة من غيره. المقلد ليس بعالم، لماذا؟ لأنه نسخة من غيره، هو لا يأتي بكلام نفسه، وأقواله، واستنباطاته، وإنما يأتي بكلام غيره. قال الناظم رحمه الله: «والشرط في المفتي اجتهاد، وهو أن يعرف من أي الكتاب والسنن، والفقه في فروعه الشوارد، وكل ما له من القواعد، مع ما به من المذاهب التي تقررت من خلاف المثبت، والنحو والأصول من علم الأدب واللغة التي أتت من العرب، قدرًا به يستنبط المسائل بنفسه لمن يكون سائلًا، مع علمه التفسير في الآيات، وفي الحديث حالة الرواة، وموضع الإجماع والخلاف». فعلم هذا القدر فيه كافٍ. أن هذه شروط المفتي، وهي شروط كبيرة جدًا، حتى قال الإمام الصنعاني: إنها قد لا توجد في الصحابة. هذه الشروط التي ذكروها، والصحابة أعلم الناس بشرع الله، لكن هذه الشروط قد لا توجد حتى في الصحابة. أولًا قال: «والشرط في المفتي اجتهاد، وهو أن يعرف من آي الكتاب والسنن». فعنده معرفة بالكتاب والسنة، على مواضع الكتاب والسنة، عندما يستشهد بها. حتى قال بعض العلماء: لا يشترط أن يكون يحفظها. لا، لا يشترط أن يكون حافظًا للقرآن كله، لكن هذا يعتبر من لوازمه أنه يحفظ القرآن. لكن الأهم أهم من الحفظ، أنه يعرف مواضع الاستدلال، يعرف مواضع الاستدلال، إذا جاء إلى مسألة يعرف أين دليلها من الكتاب والسنة. عن المسائل التي فيها نص من الكتاب والسنة، يعرف مواضعها. ثم قال: «والفقه في فروعه الشوارد». أي يعرف مسائل الفقه، الوصول والفروع، يعرف تفرعات الفقه، وكذلك الشوارد. الشوارد هي المسائل الخفية أو الدقيقة. ثم قال: «مع ما به من المذاهب التي تقررت من خلاف مثبته». ما لا يعرف هذه المذاهب التي تقررت عند الناس، ونقلت أقوالها. وهي مذاهب كثيرة، لكن لم تبقى إلا أربعة مذاهب. وإلا كان هناك مذهب سفيان، ومذهب إسحاق، بل ومذهب ابن جرير الطبري، ومذهب غيرهم من الأئمة. لكن ذهبت هذه المذاهب، وما بقي إلا أربعة مذاهب: مذهب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد. وكذلك مذهب داود، داود ابن علي الظاهري. معنى يعتبر المذاهب معتبرة، والتي انتشرت ونصرها أهلها. قال: «والنحو والأصول مع علم الأدب واللغة التي أتت من العرب». قوله رحمه الله: «والنحو» يعرف إعرابًا وتصريفًا. فيكون مثلًا قد درس ألفية ابن مالك، أو درس مع شيئًا من كتب ابن هشام الكبيرة، وعرفها. والمراد أنه يعرف أشياء كثيرة في النحو، وفي الإعراب. لأن مسألة الإعراب والتصريف قد أيضًا يستحيل أن يحيط الإنسان بكل مسائل النحو والتصريف. وتجد أن هناك مسائل اختلف فيها أئمة النحو أنفسهم. قال: «والأصول». الأصول هنا أصول الفقه، أصول الدين، وهي العقائد. يعرف العقائد معرفة صحيحة، وكذلك أصول الفقه، حتى يستمد منها. لأن الذي لا يعرف أصول الفقه، كيف يستمد منها، وكيف يرجح في الأقوال، وهو لا يعرف أصول الفقه؟ لكن تكون عنده معرفة قوية بأصول الفقه. وليس المراد بأصول الفقه الذي أصلها أهل الكلام، فإن هذا أكثره كلام فارغ. لكن الأصول التي بنى عليها أهل السنة، وبنى عليها الإمام الشافعي رحمه الله، أصول صحيحة مستنبطة من كتاب الله، ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وقوله: «مع علم الأدب». أن الأدب المراد به البلاغة، وكذلك أيضًا تاريخ بعض العرب، كيف معنى بعض الأشياء التي تعرف عن الأدب العربي. قال: «قدرًا به يستنبط المسائل بنفسه لمن يكون سائلًا». عنده قدر يعرف به هذه المسائل، أنه عنده علم في الفقه، يعرف أصوله وفروعه، ويعرف المذاهب. أنه عنده قدر يستطيع أن يرجح به، يستطيع أن يستنبط بعض المسائل. قال: «مع علمه التفسير في الآيات، وفي الحديث حالة الرواة». أنه عنده علم التفسير، بأغلب التفسير، تفسير الآيات يعرفها. وكذلك أيضًا أغلب الرواة، لأن هذا الكلام الذي يذكره ليس المراد به كل الرواة. ثم قال: «وموضع الإجماع والخلاف». فعلم هذا القدر فيه كافٍ. موضع الخلاف والإجماع أيضًا يعرف، لكن ليس المراد كلها. لا أحد يعرف مسائل الإجماع كلها، ومسائل الخلاف كلها، لكن يعرف قدرًا منها. ثم قالوا: من شروط السائل المستفتي أن لا يكون عالما كالمفتي. فحيث كان مثله مجتهدًا، فلا يجوز كونه مقلدًا. فهذا ليس بصحيح على إطلاقه. يقول: من شروط السائل المستفتي أن لا يكون عالما كالمفتي. المستفتي هو الذي يسأل، يسأل العالم. لكن يقول هنا اشترط ألا يكون عالما مجتهدًا، لأنه إذا كان عالمًا مجتهدًا، فإنه يجب عليه أن يستنبط، ولا يسأل. وهذا ليس بصحيح، فالناس تخصصات. فمن العلماء من يكون تخصصه في علم الحديث، ومن العلماء من هو تخصصه في علم أصول الفقه. فهذا يتعاون مع هذا. ولهذا كان الإمام الشافعي رحمه الله، وهو إمام الأصول، يقول: يا أحمد، إذا صح الحديث عندكم فأخبرونا. هذا إمام لإمة، إمام الذي أسس هذا العلم. فكيف يقال: إنه مجتهد مطلقًا، وهو يسأل غيره؟ فهذا يدلك على أن الكلام هذا ليس بصحيح. وإلا أن كان أراد أنه يستثبت فقط من العالم، وليس أنه يأخذ فتوى منه. لكن هذا أيضًا يعتبر سؤالًا، مثلًا يسأله في حديث: هذا الحديث ما عندكم؟ ماذا تقولون في هذا الحديث؟ إيش صحة هذا الحديث؟ لأن الإنسان مهما بلغ من العلم، لا يستطيع أن يأتي بالعلم كله. يعرف الأحاديث صحيحة من سقيمها، ويعرف المسائل صحيحة من سقيمها، يعرف الاعتقادات صحيحة من سقيمها. هذا قد يكون غير موجود إلا في نفر قلائل جدًا. فلهذا لا يوجد أحد يستغني عن الناس، ويستغني عن العلماء الآخرين. بل كل واحد يكمل الآخر. هذا الإمام ابن القيم مع ما بلغ من العلم، عنده علم كثير، ولا يشك في اجتهاده. إلا أنه كان يسأل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مسائل عويصة، يسأله في بعض المسائل، فيقول: فسألت شيخنا، فقال كذا وكذا. أحيانًا في الترجيح، فعنده لا يستطيع أن يرجح في المسائل، يسأل شيخ الإسلام فيها، فيعطيه الجواب. فهذا المفتي يعرف قدرًا من هذه الأشياء، وكذلك لا يستغني عن غيرهم من العلماء، خاصة من أهل التخصص الذين تخصصوا في شيء من العلوم. وهذا ليس تقليدًا، عندما يسأل العالم المتخصص. هذا ليس تقليدًا، وإنما استيثاق. يستوثق منه في المعلومة. التقليد ينسى. التقليد هو أن يأخذ كلام العالم دون أن يعرف دليله. والظاهر أن الخلاف لفظي، سواء سميته تقليدًا أو اتباعًا، فهو المراد به واحد. لأن الإنسان لا يكمل، وكذلك أيضًا طالب العلم الذي ليس بمجتهد، ولم يبلغ مرتبة الاجتهاد، يحتاج إلى أشياء كثي حتى تكون في علمه. ويعرف خاصة مثلًا طالب العلم، غالبًا لا يكتفي مثلًا بحلال وحرام. يعني لا يكتفي هذا يقول له مثلًا الذي يسأله: هل هذه المسألة كذا؟ يقول: نعم، هذا حلال. بل أولى أن لا يكتفي بهذا. يعني: من أين الدليل أنه حلال؟ من أين الدليل أنه حرام؟ ما معنى أيش الذي جعل هذا العالم يرجح هذا الدليل أو هذه المسألة؟ من أين جاء الترجيح في هذه المسألة؟ إما يذكر له دليلًا، يذكر له تعليلًا، يذكر له شيء يقنعه به. وهذا الأفضل، لكن مثلًا أخذ كلام العالم ووثق به، فهو يأخذ لأن يعتبر هذا العالم رجل متبع، رجل متبع للدليل. فهو لم يستفتيه لأجل أنه عالم فقط، وإنما لأنه عالم رباني. أنه يستدل بالكتاب والسنة. فهذا العقل أنه ليس مقلدًا، وإنما هو متبع. كذلك يأخذ كلام العلماء الذين هم يأخذون بالكتاب والسنة. والعمر كما قلنا ليس له الأهمية. فالمقلد هو الذي يقول: أنا لا آخذ إلا قول فلان. هذا يعتبر مقلدًا، حتى لو استدل له بدليل من الكتاب والسنة، يقول: أنا لا آخذ إلا قول فلان. أنا مثلًا شافعي، لا آخذ إلا قول الشافعي. هذا كلام باطل. أما إنسان يأخذ كلام الشافعي، وكلام أحمد، وكلام غيره، لمن أفتاه بدليله، أو أفتاه من يثق به أنه يأخذ بالدليل. فهذا لا يعتبر تقليدًا. التقليد المذموم، وإن سميناه تقليدًا، فهو ليس من التقليد المذموم. والمقلد هو الذي يأخذ بقول شخص معين دون غيره، دون أن يعرف دليلًا. فهذا هو التقليد المذموم. والله تعالى أعلم.