الدرس في كتاب الصيام 20، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
كانت قريش تصوم يوم عاشوراء في الجاهلية تعظيماً له، وقد واصل النبي صلى الله عليه وسلم صيامه قبل الهجرة اقتداءً بهم. ثم استمر في صيامه بعد الهجرة وأمر أصحابه بصيامه حتى صار واجباً في أول الإسلام.
أمر النبي صلى الله عليه وسلم بصيام عاشوراء بعد الهجرة فأصبح واجباً على المسلمين، ثم نسخ وجوبه بفرض صيام شهر رمضان فبقي مستحباً. واختلف العلماء في وجوبه قبل النسخ والراجح أنه كان واجباً ثم نسخ.
بقي استحباب صيام يوم عاشوراء بعد نسخ وجوبه، ورغب النبي صلى الله عليه وسلم في صيام اليوم التاسع معه مخالفة لليهود، وعزم على ذلك لكن وفاته حالت دون تحقيقه. كما تباين الصحابة في الاستمرار عليه، ويرجح استحباب صيام التاسع والعاشر.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال إمام أهل الحديث، أبو الحسين النيسابوري القشيري، رحمه الله، في صحيحه: قال حدثنا زهير بن حرب، وهو أبو خيثم النسائي، قال حدثنا جرير، عن أبي عبد الحميد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كانت قريش تصوم عاشوراء في الجاهلية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه. فلما هاجر إلى المدينة صامه وأمر بصيامه. فلما فرض شهر رمضان قال: «من شاء صامه ومن شاء تركه». قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب، قال حدثنا ابن نمير، عن هشام، بهذا الإسناد، ولم يذكر في أول الحديث: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه. وقال في آخر الحديث: «ترك عاشوراء، فمن شاء صامه ومن شاء تركه»، ولم يجعله من قول النبي صلى الله عليه وسلم كرواية جرير. هذا الحديث وما سيأتي بعده من أحاديث تتعلق بصيام يوم عاشوراء. ويوم عاشوراء هو اليوم العاشر من محرم. تخبر عائشة رضي الله عنها في هذا الحديث في بيان حال النبي عليه الصلاة والسلام في صيامه لعاشوراء. ومجمل هذا الحديث أو ملخصه أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت له ثلاثة أحوال في صيامه لعاشوراء: الحالة الأولى: قبل الهجرة، قبل الهجرة، أي وهو في مكة عليه الصلاة والسلام، كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم عاشوراء، وذلك أن قريشاً كانت تصوم في الجاهلية، والنبي صلى الله عليه وسلم صامه. فالحالة الأولى هي صيام النبي عليه الصلاة والسلام لعاشوراء قبل الهجرة. الحالة الثانية: لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة صامه وأمر بصيامه. وسيأتي معنا في الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم وجد اليهود يصومون عاشوراء لما جاء إلى المدينة، فسأل عن ذلك، قالوا: هذا يوم نجى الله فيه موسى وقومه، فصامه موسى شكراً لله، فنحن نصومه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نحن أولى بموسى منكم»، فصامه وأمر بصيامه. فالحالة الثانية: صيامه عليه الصلاة والسلام لعاشوراء في المدينة والأمر بصيامه، حتى صار صيام عاشوراء فرضاً واجباً. وهذا القول الصحيح. واختلف أهل العلم: هل كان صيام عاشوراء واجباً أو كان مستحباً؟ الصحيح أنه كان واجباً، وهذا هو الأصل في الأمر، الأصل في الأمر أنه للوجوب. فصيامه عليه الصلاة والسلام لعاشوراء وأمره بالصيام يدل على وجوبه. إذا الحالة الثانية: الأمر بصيام عاشوراء، وكان هذا في سنة واحدة، في السنة الأولى من الهجرة، لأن صيام رمضان فرض في السنة الثانية. طيب، قالت: «لما فرض شهر رمضان قال: من شاء صامه ومن شاء تركه». وهذه المرحلة الثالثة والحالة الثالثة للنبي عليه الصلاة والسلام مع صيام عاشوراء: أنه لما فرض صيام رمضان، وكان في السنة الثانية من الهجرة، نُسخ وجوب صيام عاشوراء، وأصبح صيامه مستحباً ليس بواجب: «من شاء صامه ومن شاء تركه». وهذا الاستحباب هو الباقي إلى يومنا هذا، هو استحباب صيام عاشوراء، وليس صومه بواجب وإنما مستحب. إذا كان صيام عاشوراء واجباً ثم نسخ وجوبه بصيام رمضان، وبقي صيام عاشوراء مستحباً، فمن أحب أن يصومه فله ذلك، ومن أحب أن يفطر فله ذلك. قال: وحدثني عمر الناقد، قال حدثنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها، أن يوم عاشوراء كان يصام في الجاهلية، فلما جاء الإسلام: «من شاء صامه ومن شاء تركه». قال حدثنا حرمي بن يحيى التجيبي، قال أخبرنا ابن وهب، أو عبد الله، قال أخبرني يونس، وابن يزيد، عن ابن شهاب، هو الزهري، قال أخبرني عروة، وابن الزبير، أن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بصيامه قبل أن يفرض رمضان. رمضان: لا دليل على أن صيام عاشوراء كان فرضاً واجباً، خلال من قال أنه كان مستحباً ولم يفرض وجوبه. قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بصيامه قبل أن يفرض رمضان، فلما فرض رمضان كان من شاء صام يوم عاشوراء ومن شاء أفطر. قال حدثنا قتيبة بن سعيد ومحمد بن رمح جميعاً عن الليث، من سعد. قال ابن رمح: أخبرنا الليث، وهو من سعد، أبو الحارث الفهمي، عن يزيد، من أبي حبيب، أن عركاً، وهو عرك بن مالك الغفاري، وهو ثقة فاضل، قال أخبره أن عروة أخبره، هو لم يسمع من عائشة وإنما روايته عن عروة، أخبره أن عائشة أخبرته أن قريشاً كانت تصوم عاشوراء في الجاهلية، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصيامه حتى فرض رمضان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من شاء فليصمه ومن شاء فليفطره»، فليفطره. وهذا الحديث فيه دليل على أن أهل الجاهلية، والجاهلية يراد بها ما قبل الإسلام، ما قبل الإسلام، وسميت بذلك لكثرة الجهل فيها. في هذا الحديث دليل على أن أهل الجاهلية وكانوا كفاراً، ومع ذلك كانت عندهم بعض العبادات والأعمال الصالحة، ومن ذلك الصيام. كانت قريش تصوم عاشوراء في الجاهلية، أي قبل الإسلام، ومع ذلك فلا تنفع هذه العبادات والطاعات مع الكفر، لا تنفع مع الكفر. الله عز وجل يقول: ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً﴾، ويقول جل وعلا: ﴿ولئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين﴾. فالأعمال الصالحة والطاعات والقربات لا ينتفع بها صاحبها إذا كان واقعاً في الكفر، فإن الكفر مانع من صحة، من قبول هذه الأعمال والانتفاع بها. فكون الإنسان عنده أعمال صالحة وطاعات وقربات لكنه ملطخ ببعض الأعمال الشركية، هذا يحرمه الانتفاع بهذه الأعمال والانتفاع بهذه الطاعات والقربات. وبهذا نعلم أن أهل الجاهلية مع كفرهم وشركهم كانت عندهم أعمال صالحة من صيام وطواف وحج وعمرة، لكن ما تنفعهم بسبب وجود الشرك والكفر. قال وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا عبد الله بن نمير. وحدثنا ابن نمير، واللفظ له، قال حدثنا أبي، قال حدثنا عبيد الله، عن نافع، قال أخبرني عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن أهل الجاهلية كانوا يصومون يوم عاشوراء، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم صامه والمسلمون قبل أن يفترض رمضان. فلما افترض رمضان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن عاشوراء يوم من أيام الله، فمن شاء صامه ومن شاء تركه». وهذا لبيان نسخ وجوب صيامه، نسخ وجوب صيامه، أي أنه ليس الآن بأمر لازم وبأمر حتم، وإنما صيامه مستحب. من أحب أن يصوم فله أن يصوم، ومن أحب أن يفطر فليس عليه شيء، لأن المستحب إذا تركه الإنسان لا يأثم، لا يأثم على تركه، وإن فعله أجر. وهكذا صيام عاشوراء بعد نسخ الأمر بوجوبه أصبح صيامه مستحباً. قال وحدثنا محمد بن المثنى وزهير بن حرب، قال حدثنا يحيى، وهو القطان. وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا أبو أسامة، كلاهما عن عبيد الله، بمثله في هذا الإسناد. قال وحدثنا قتيبة بن سعيد، قال حدثنا الليث. وحدثنا ابن رمح، قال أخبرنا الليث، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، أنه ذكر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كان يوماً يصومه أهل الجاهلية، فمن أحب منكم أن يصومه فليصومه، ومن كره فليدعه». يعني: من لم يحب أن يصومه فليدعه ولا يصومه، وليس عليه شيء. قال وحدثنا أبو كريب، قال حدثنا أبو أسامة، قال عن الوليد، يعني ابن كثير، قال حدثني نافع، أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما حدثه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في يوم عاشوراء: «إن هذا يوم كان يصومه أهل الجاهلية، فمن أحب أن يصومه فليصومه، ومن أحب أن يتركه فليتركه». وكان عبد الله رضي الله عنه لا يصومه إلا أن يوافق صيامه، يعني: ما كان يتحرى صيامه إلا إذا وافق صياماً يصومه صامه. وهذا منه رضي الله تعالى عنه يعني رأياً واجتهاداً أنه لا يتحرى، يتحرى صيام عاشوراء، وإلا فالصحيح أن صيام عاشوراء مستحب، أنه مستحب، ولا بأس للمسلم أن يتحرى صيامه، أن يتحرى صيامه، لما ورد فيه من فضل وأجر، أنه يكفر ذنوب سنة، كما أخبر عليه الصلاة والسلام. قال وحدثني محمد بن أحمد بن أبي خلف، قال حدثنا روح، قال حدثنا أبو مالك، عبيد الله بن الأخنس، وهو النخعي البصري، البصري أبو مالك، قال أخبرني نافع، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم صوم يوم عاشوراء، فذكر مثل حديث الليث بن سعد سواء. قال وحدثنا أحمد بن عثمان النوفلي، قال حدثنا أبو عاصم، وهو الضحاك بن مخلد، أبو عاصم النبيل، قال حدثنا عمر بن محمد بن زيد العسقلاني، قال حدثنا سالم بن عبد الله، قال حدثني عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: ذكر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء، فقال: «ذاك يوم كان يصومه أهل الجاهلية، فمن شاء صامه ومن شاء تركه». قال وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب جميعاً عن أبي معاوية. قال أبو بكر: حدثنا أبو معاوية، وهو محمد بن خازم، أبو معاوية الضرير، كنا من أثبت الناس في الأعمش، من تكلم، ها، من هو معاوية؟ محمد بن خازم، أبو معاوية الضرير، كنا من أثبت الناس في الأعمش. قال عن الأعمش، عن عمارة، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: دخل الأشعث بن قيس على عبد الله وهو يتغدى، أي عبد الله بن مسعود، فقال: يا أبا محمد، أدن إلى الغداء. قال: أوليس اليوم يوم عاشوراء؟ قال: وهل تدري ما يوم عاشوراء؟ قال: وما هو؟ قال: إنما هو يوم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه قبل أن ينزل شهر رمضان، فلما نزل شهر رمضان ترك. وقال أبو كريب: تركه. قال وحدثنا زهير بن حرب، وعثمان بن أبي شيبة، قال حدثنا جرير، عن الأعمش، بهذا الإسناد، وقال: فلما نزل رمضان تركه. وقول النبي عليه الصلاة والسلام: «ترك صيامه»، هذا لا ينفي استحباب صيامه، من قوله عليه الصلاة والسلام، والنبي صلى الله عليه وسلم ربما ترك صيامه لانشغاله بأمر أهم من ذلك أو لأي سبب من الأسباب. فصيام عاشوراء مستحب، بقوله عليه الصلاة والسلام حين سئل عن صيامه فقال: «أحتسب على الله أن يكفر ذنوب سنة». والسنة إما أن تكون قولية وإما أن تكون فعلية، وقد يجتمع فيها الأمران. قال وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا وكيع، ويحيى بن سعيد القطان، عن سفيان، وهو ابن عيينة. أبو محمد الهلالي. وحدثني محمد بن حاتم، واللفظ له، قال حدثنا يحيى بن سعيد، قال حدثنا سفيان، قال حدثني الزبيدي، اليامي، عن عمارة بن عمير، عن قيس بن سكن، وهو الأسدي الكوفي، أن الأشعث بن قيس دخل على عبد الله يوم عاشوراء وهو يأكل، فقال: يا أبا محمد، أدن فكل. قال: إني صائم. قال: كنا نصومه ثم ترك. قال وحدثني محمد بن حاتم، وهو البغدادي، قال حدثنا إسحاق بن منصور، وهو السلولي، قال حدثنا إسرائيل، ابن يونس، ابن أبي إسحاق السبيعي، عن منصور، ابن المعتمر، عن إبراهيم، وهو ابن يزيد، ابن قيس، أن علقمة، وهو ابن قيس النخعي، قال: دخل الأشعث بن قيس على ابن مسعود وهو يأكل يوم عاشوراء، فقال: يا أبا عبد الرحمن، إن اليوم يوم عاشوراء. قال: قد كان يصام قبل أن ينزل رمضان، فلما نزل رمضان ترك. فإن كنت مفطراً فاطعم. وهذا أيضاً لعلّه رأي عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، أنه لما فرض صيام رمضان ترك صيام عاشوراء، والعلّة: فهم من ذلك ترك استحبابه، والله أعلم، أو أنه أراد بذلك أن صيامه ليس بلازم كما كان قبل فرض رمضان، أن صومه ليس بلازم كما كان قبل فرض رمضان، بل أصبح صيامه مستحباً، من شاء أن يصوم صام، ومن شاء أن يفطر فيفطر. لكن الصحيح كما سمعتم أن صيام عاشوراء مستحب. طيب، ما زالت بقية أحاديث كثيرة تتعلق بصيام عاشوراء، سيأتي معنا في أحاديث من عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قيل له أن اليوم تصومه اليهود، فقال: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع»، يعني حتى يجمع يومين ويخالف اليهود، يصوم التاسع والعاشر. ثم توفي النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يأتي التاسع. فالمستحب صيام التاسع والعاشر. نعم، وهذا دليل أيضاً أن استحباب صيام عاشوراء ما زال باقياً، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع»، يعني مع العاشر، يعني مع العاشر. مع هذا النبي كان يصومه، ربما تركه ببعض السنوات وصامه في السنوات الأخرى، حتى كان آخر أمره أنه يصومه عليه الصلاة والسلام، حتى عزم أن يصوم معه التاسع، ثم توفي عليه الصلاة والسلام قبل ذلك. طيب، إلى هنا. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.