الدرس في التعليق على مختصر فقه الأسماء الحسنى 11، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
اسم الله «الهادي» ورد في موضعين من القرآن ويشير إلى من يهدي عباده إلى سعادتهم في الدنيا والآخرة. تشمل هدايته نوعاً عاماً يعم جميع المخلوقات ونوعاً خاصاً يختص بأهل التقوى والطاعة.
الهداية تنقسم إلى هداية الدلالة والإرشاد التي يشترك فيها الله والأنبياء والصالحون، وهداية التوفيق والإلهام التي تختص بالله وحده وتؤدي إلى الجنة. يستدل المقطع بآيات قرآنية تفرق بين النوعين.
المتحدث يدعو باسم الله «يا هادي» طالباً الهداية إلى الصراط المستقيم وما فيه الفلاح والخير. يختم بالدعاء للجميع بالهداية والتوفيق والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف -فقه الله- في رسالته «مختصر فقه الأسماء الحسنى»: قال الهادي: قد ذكر الله هذا الاسم في موضعين من القرآن، وهما قوله سبحانه: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، وقوله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾. والهادي هو الذي يهدي عباده ويرشدهم ويدلهم إلى ما فيه سعادتهم في دنياهم وأخراهم، وهو الذي بهدايته اهتدى أهل ولايته إلى طاعته ورضاه، وهو الذي بهدايته اهتدى الحيوان لما يصلحه واتقى ما يضره. إذن هداية الله هدايتان: هداية عامة لجميع الخلق، فقد هداهم إلى ما فيه مصالحهم وما فيه نفعهم، وإلى اجتناب ما يضرهم، وهذا يشترك فيه جميع المخلوقات: المؤمن والكافر، وكذا الحيوانات وسائر المخلوقات. هذا الله جل وعلا هَدَى الطفل عند ولادته أن يرتضع من ثدي أمه، وهدى الوحش أو الوحوش إلى رحمة أبنائها والشفق عليهم، وهكذا هدى الله جل وعلا النحل أن تتخذ من الجبال بيوتًا، ومن الشجر، ومما يعرشون، وهداها إلى مساكنها تخرج ترعى ثم ترجع إلى خلاياها لا تضيع أو تضل عن خليتها، وهكذا هدى الله جل وعلا النمل في القيام بشؤونها ومصالحها، وهكذا سائر المخلوقات، من تأمل في أمورها علم عظمة هداية الله سبحانه وتعالى لها. والهداية الخاصة: وهي الهداية للإيمان والتقى والصلاح، وهي لأهل التقوى ولأهل الطاعة الذين اختارهم الله سبحانه وتعالى لهذه الهداية، فدلهم وأرشدهم عليها ووفقهم لها. قال: فالله هو الذي خلق المخلوقات وهداها، ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾، فهداها الهداية العامة لمصالحها، وجعلها مهيئة لما خلقت له، وهدى هداية البيان، فأنزل الكتب وأرسل الرسل، وشرع الشرائع والأحكام والحلال والحرام، وبين أصول الدين وفروعه، وهدى وبين الصراط المستقيم الموصل إلى رضوانه وثوابه، فوضح الطرق الأخرى ليحذرها العباد، وهدى عباده المؤمنين هداية التوفيق للإيمان والطاعة، وهداهم إلى منازلهم في الجنة، كما هداهم في الدنيا إلى سلوك أسبابها وطرقها. فاسمه «الهادي» متناول لجميع أنواع الهداية. أشار -حفظه الله- إلى أن الهداية تنقسم أيضًا إلى قسمين: هداية الدلالة والإرشاد، وهداية التوفيق والإلهام. فهداية الدلالة والإرشاد: أن الله جل وعلا أرشد ودل عباده إلى ما فيه الخير لهم، وما فيه كذلك هدايتهم وأسباب السعادة والفلاح لهم. وهذه الهداية عامة، ليست خاصة بالله سبحانه وتعالى، بل له جل وعلا، وللأنبياء والرسل، ولسائر الصالحين، فهم يدلون ويرشدون إلى أسباب الهداية. والهداية الخاصة: وهي هداية التوفيق والإلهام التي تستوجب دخول الجنة والنجاة من النار، وهذه لا يملكها إلا الله سبحانه وتعالى، وهي التي نفاها الله جل وعلا عن نبيه عليه الصلاة والسلام في قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، أي: لا توفق للهداية من أحببته، ولكن الله جل وعلا يوفق لهذه الهداية من شاء من عباده. وأما هداية الدلالة فهي ثابتة في قوله جل وعلا لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، أي: تدل وترشد. إذن فالله جل وعلا هو الهادي. وإذا كان سبحانه وتعالى هو الهادي، فإننا نطلب الهداية من الله، ونتوسل إلى الله جل وعلا بهذا الاسم، فنقول: يا هادي، اهدنا، اهدنا إلى الصراط المستقيم، اهدنا إلى ما فيه فلاحنا، اهدنا إلى ما فيه الخير لنا، إلى آخر ذلك. فنسأل الله جل وعلا لنا ولكم الهداية والتوفيق والسداد، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والله تعالى أعلم.