الدرس في قبس من السيرة النبوية 38، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
تكوين المجتمع الإسلامي الأول كان خليطًا من الأحرار والأرقاء، مع التركيز على أهمية العقيدة في التربية والدعوة كما هو واضح في العهد المكي. العقيدة كانت أساس الدعوة النبوية.
بعض الجماعات أهملت العقيدة وركزت على الأخلاق والسلوكيات فقط، وهذا خطأ كبير. يُشدد على أهمية الصبر والعفو في أوقات الضعف وتجنب التطرف.
الحلقات السرية تُعتبر تأسيسًا للضلالة وقد تؤدي إلى سوء ظن الحكومات بالجماعات المسلمة. تحذير من التناجي في أمور الدين دون العامة، حيث يُعتبر دليلًا على الضلال.
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، كَانَ الْكَلَامُ إخْوَانِي فِي اللَّهِ فِي دُرْسِ الْمَاضِي عَمَّا يَتَعَلَّقُ بِدَعْوَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَهِيَ فِي الْمَرْحَلَةِ الْأُولَى، وَالدَّوْلَةُ مَعْرُوفَةٌ بِالدَّعْوَةِ السِرِّيَةِ وَالَّتِي دَامَتْ ثَلَاثَ سَنَوَاتٍ، وَبَيَّنَّا فِيهَا بَعْضَ الْمَسَائِلِ مِنْ ذَلِكَ دُخُولُ النَّاسِ إلَى دِينِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا وَحْدَانًا وَفُرَادَى، وَذَلِكَ بِدَعْوَةِ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَأَيْضًا بِدَعْوَةِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَالَّذِي اسْتَغَلَّ مَنْزِلَتَهُ وَمَكَانَتَهُ بَيْنَ النَّاسِ بِالتَّأْثِيرِ فِي كَثِيرٍ مِنْهُمْ، فَآمَنَ عَلَى يَدِ الصِّدِّيقِ سَلَفٌ وَجَمَاعَةٌ مِنْ سَادَاتِ الْعَرَبِ وَمِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ. وَذَكَرَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدِ الصِّدِّيقِ هَؤُلَاءِ الْخَمْسَةُ، وَهُمْ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَاصٍ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَكُلُّ هَؤُلَاءِ قَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ التَّوَارِيخِ ذِكْرُ ضَبْطِ السِّنِّ، فَقَدْ كَانُوا شَبَابًا، أَيْ كَانُوا فِي سِنِّ الشَّبَابِ، فَمَثَلًا عُثْمَانُ أَسْلَمَ عُمْرُهُ أَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ عُمْرُهُ ثَلَاثُونَ سَنَةً، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَاصٍ عُمْرُهُ سَبْعَةَ عَشَرَ سَنَةً، وَالزُّبَيْرُ ابْنُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، هَؤُلَاءِ كَانُوا هُمْ ثَمَرَةَ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَأَسْلَمُوا فِي هَذِهِ السِّنِّ الْمُبَكِّرَةِ. وَذَكَرْنَا جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ، وَنَبَّهَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ مِنْ أَهْلِ التَّوَارِيخِ وَالسِّيرِ عَلَى مَسْأَلَةٍ، بَعْدَمَا ذَكَرُوا تَعْدَادَ هَؤُلَاءِ أَسْلَمَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ، يَتَضِحُ أَنَّهُمْ كَانُوا خَلِيطًا، مِنْهُمْ مَنْ كَانَ مِنْ الْأَرَقَاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ مِنْ الْأَحْرَارِ، بَلْ مِنْ الْأَشْرَافِ، وَلِهَذَا ذَهَبَ بَعْضُ هَؤُلَاءِ إلَى تَخْطِئَةِ بَعْضِ الْمُعَاصِرِينَ أَوْ بَعْضِ الْكُتَّابِ مِمَّنْ إذَا أَرَادَ أَنْ يَصِفَ الصَّحَابَةَ فِي أَوَّلِ الْبِعْثَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ الْمَوَالِي، وَأَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ الْخَدَمِ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ الْأَرَقَاءِ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى مَاذَا تَحْتَ سَادَةٍ أَسْيَادِهِمْ، هَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ. فَلَوْ تَتَبَّعْنَا وَنَظَرْنَا إلَى مَا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ فِي السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ، أَنَّ مِنْهُمْ الْأَشْرَافَ، مِنْهُمْ الْأَشْرَافُ، بَلْ الْكَثِيرُ مِنْهُمْ أَشْرَافٌ، فَاسْتِخْدَامُ عِبَارَةِ أَنَّ عَامَّتَهُمْ ضُعَفَاءُ وَمَسَاكِينُ أَوْ أَنَّ غَالِبَهُمْ مِنْ الضُّعَفَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إلَى هَذَا، لَيْسَ يَصِحُّ، بَلْ هُمْ خَلِيطٌ، نَعَمْ مِنْهُمْ ضُعَفَاءُ، وَمِنْهُمْ كَذَلِكَ الْأَحْرَارُ، بَلْ رُبَّمَا الْأَحْرَارُ أَكْثَرُ، الْأَحْرَارُ أَكْثَرُ الَّذِينَ أَسْلَمُوا بِنَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. بَلْ ذَكَرَ بَعْضُ الْمُنْصِفِينَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا، مَا يَنَاسِبُ أَرْبَعِينَ نَفْسًا مِنْ الْمَوَالِي، ثَلَاثَةَ عَشَرَ نَفْسًا مِنْ أَوَّلِ مَنْ آمَنَ بِرَسُولِهِ، هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةَ عَشَرَ يَعْتَدُّونَ مِنْ الْمَوَالِي، أَمَّا غَيْرُهُمْ مِنْ الْأَحْرَارِ، مِنْ الْأَشْرَافِ، مِنْ الْوُجَهَاءِ، مِنْ التُّجَّارِ، مِمَّنْ لَهُمْ مَكَانَةٌ، وَمِنْهُمْ كَذَلِكَ هُمْ لَيْسُوا مِنْ الْمَوَالِي، هَؤُلَاءِ أَسْلَمُوا بِنَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي بَدْءِ الْأَمْرِ. وَهُنَا تَأْتِي مَسْأَلَةٌ، وَهِيَ مَا جَاءَ ذِكْرُهُ فِي حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ عَبْسَةَ، عِنْدَمَا دَعَاهُ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: وَمَنْ مَعَكَ عَلَى هَذَا الدِّينِ؟ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: مَعِي عَبْدٌ وَحُرٌّ، مَعِي عَبْدٌ وَحُرٌّ، صَحِيحٌ، دَرَجَةُ الْكَثِيرِ مِنْ الشَّرَّاحِ إلَى كَشْفِ النِّقَابِ عَنْ هَذَا الْعَبْدِ وَهَذَا الْحُرِّ، فَيَقُولُ: إنَّ الْحُرَّ هُوَ الصِّدِّيقُ، وَأَنَّ الْعَبْدَ هُوَ بِلَالٌ، بَعْضُهُمْ مَا ارْتَضَى ذَلِكَ، مَا نَقُولُ: إنَّ عَبْدًا وَحُرًّا هُنَا الصِّدِّيقُ وَبِلَالٌ، لِأَنَّ هُنَاكَ مِنْ الْمَوَالِي مَنْ آمَنَ قَبْلَ بِلَالٍ، كَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ مَوْلَى، وَآمَنَ قَبْلَ بِلَالٍ. فَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: قَالَ فَهُنَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: آمَنَ بِي أَوْ مَعِي عَبْدٌ وَحُرٌّ، قَالَ هُنَا الْعَبْدُ وَالْحُرُّ اسْمُ جِنْسٍ، اسْمُ جِنْسٍ، أَيْ مَعِي عَبِيدٌ وَمَعِي أَحْرَارٌ، عَبْدٌ وَحُرٌّ أَيْ اسْمُ جِنْسٍ، لَيْسَ وَصْفًا بِعَيْنِهِ، إنَّمَا اسْمُ جِنْسٍ، أَيْ مَعِي مَنْ جِنْسِ الْعَبِيدِ، وَعِنْدِي كَذَلِكَ مِنْ جِنْسِ الْأَحْرَارِ، وَهَذَا الَّذِي أَشَادَ بِهِ النَّبِيُّنَا مِنْ أَسْلَمَ، كَانُوا خَلِيطًا مِنْ الْعَبِيدِ مِنْ الْمَوَالِي، وَأَيْضًا مِنْ الْأَحْرَارِ. وَكَذَلِكَ نَبَّهْنَا عَلَى مَسْأَلَةٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِالْمَسَائِلِ التَّرْبَوِيَّةِ الْمَنْهَجِيَّةِ، مِنْ تَأَمَّلَ فِي الْوَحْيِ الَّذِي نَزَلَ عَلَى نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي بَدْءِ الْأَمْرِ، كَانَ قَدْ تَرَكَّزَ عَلَى الْبِنَاءِ النَّفْسِيِّ الْإِيمَانِيِّ، مِنْ ذِكْرِ الْعَقَائِدِ، مَسْأَلَةِ التَّوْحِيدِ، مَسْأَلَةِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، الْغَيْبِيَّاتِ الْإِيمَانِيَّاتِ، وَقُلْنَا هَذَا لِحِكْمَةٍ، وَالْحِكْمَةُ مِنْ ذِكْرِ الْمَسْأَلَةِ الْعَقَدِيَّةِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ هُوَ تَأْسِيسُ الْبُنْيَانِ، تَأْسِيسُ الدِّينِ، فَإِنَّ الدِّينَ أَوَّلَ مَا يُؤَسَّسُ عَلَى الْعَقِيدَةِ وَالتَّوْحِيدِ، وَبَعْدَ ذَلِكَ تَأْتِي الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ، تَأْتِي الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ. وَثَمَّةَ مَعْنًى فِي الْعَهْدِ الْمَكِّيِّ بِأَسْرِهِ، هُوَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ سَنَةً، ثَلَاثَةٌ فِي الْعَهْدِ السِّرِّيِّ فِي الْمَرْحَلَةِ السِرِّيَةِ، وَالْعَشْرَةُ سَنَوَاتٍ فِي الْمَرْحَلَةِ الْجَهْرِيَةِ، أَنَّ ثَلَاثَةَ عَشَرَ سَنَةً فِي مَكَّةَ قَضَاهَا نَبِيُّنَا فِي الْعَقِيدَةِ وَالتَّوْحِيدِ، فِي الْعَقِيدَةِ وَالتَّوْحِيدِ، مَا جَاءَتْ غَالِبُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ إلَّا فِي الْعَهْدِ الْمَدَنِيِّ بَعْدَ ذَلِكَ، لِمَاذَا؟ لِأَنَّ الْبُنْيَانَ قَدْ تَأَسَّسَ، وَهِيَ الْعَقِيدَةُ وَالتَّوْحِيدُ، ثَلَاثَةَ عَشَرَ سَنَةً يُرَبِّي نَبِيُّنَا أَصْحَابَهُ عَلَى الْعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ، عَلَى الْعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ. وَبِهَذَا نَعْلَمُ أَنَّ النَّاشِئَةَ أَوْ مَنْ يُرَبِّيهِمْ إذَا أَرَادَ أَنْ يُرَبِّيَ النَّشْءَ، يُرَبِّيهِمْ أَوَّلًا عَلَى الْعَقِيدَةِ، عَلَى تَزْكِيَةِ النُّفُوسِ، وَهَكَذَا كَانَ دَعْوَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَدَعْوَةُ الرُّسُلِ. وَبَيَّنَّا فِي دُرْسِ أَمْسِ مَا يَتِ يَخُطُّهُ بَعْضُ الْجَمَاعَاتِ مِمَّنْ يُرَبُّونَ النَّاشِئَةَ أَوْ يُرَبُّونَ أَتْبَاعَهُمْ عَلَى تَرْكِ الْعَقِيدَةِ أَوْ نَبْذِ الْعَقِيدَةِ وَعَدَمِ الِاهْتِمَامِ بِبَابِ الْعَقِيدَةِ وَالتَّوْحِيدِ، وَإِنَّمَا الِاهْتِمَامُ أَوْ التَّرْكِيزُ بِبَابِ الْأَخْلَاقِ وَالسُّلُوكِيَّاتِ، أَوْ فِي بَعْضِ الْعَوَاطِفِ أَوْ بَعْضِ الْأُمُورِ الَّتِي تُعْتَبَرُ مِنْ كَمَالِيَّاتِ وَلَيْسَ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ. وَكَذَلِكَ فِي التَّرْبِيَةِ أَوْ فِي هَذَا الْعَهْدِ السِّرِّيِّ، الْمَرْحَلَةِ الْأُولَى مِنْ مَكَّةَ، النَّبِيُّ لَمْ يَتَصَادَمْ مَعَ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، لَمْ يَتَصَادَمْ مَعَ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، وَلِهَذَا لَمْ تَقَعْ مُوَاجَهَةٌ بَيْنَ نَبِيِّنَا وَبَيْنَ الْكُفَّارِ، مَعَ أَنَّ الْكُفَّارَ قَدْ عَلِمُوا بِوُجُودِ دَعْوَةٍ جَدِيدَةٍ فِي السَّاحَةِ، لَكِنَّهُمْ مَا وَاجَهُوا، لِعَدَمِ وُجُودِ الْمُوَاجَهَةِ وَالْمُقَاوَمَةِ وَالْمُصَادَمَةِ. فَبِهَذَا اسْتَفَادَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ إذَا كَانَ فِي وَقْتٍ هُوَ فِيهَا مُسْتَضْعَفٌ، أَوْ فِي زَمَنٍ هُوَ فِيهَا مُسْتَضْعَفٌ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ بِآيَاتِ الصَّبْرِ وَالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ، لَا مُنَابَذَةٌ، لَا تُرْفَعُ رَايَةُ الْمُوَاجَهَةِ، لَا تُرْفَعُ رَايَةُ الْمُقَاوَمَةِ، لَا تُرْفَعُ رَايَةُ الْمُصَادَمَةِ مَعَ الْقُوَى الْكُبْرَى، فَمَا عِنْدَكَ شَيْءٌ، الْمُسْلِمُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي حَالَةِ قُوَّةٍ وَبَأْسٍ، أَخَذَ بِآيَاتِ الْجِهَادِ وَالْقِتَالِ، وَقَاتَلَ مَنْ نَبَذَ الدِّينَ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُ فِي حَالِ ضَعْفٍ وَذُلٍّ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ بِآيَاتِ الصَّبْرِ وَالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ. وَمَا عَنْ مَنْ يُؤْذِي اللَّهَ وَرَسُولَهُ رَجُلٌ قَدْ تَهَكَّمَ فِي دِينِ اللَّهِ، وَأَنْتَ مَا عِنْدَكَ قُدْرَةٌ، تَرَكَهُ، اصْبِرْ، وَمَا صَبْرُكَ إلَّا بِاَللَّهِ، وَهَكَذَا كَانَ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، هُوَ مَنْ هُوَ فِي إيمَانِهِ، لَكِنَّهُ عَلِمَ أَنَّ الْحَالَ لَيْسَتْ آتِيَةً لَهُ فِي الْقِيَامِ عَلَى الْقُوَى الْكُبْرَى فِي قُرَيْشٍ، فَمَا تَكَلَّمَ عَلَى أَصْنَامِهِمْ، وَمَا تَكَلَّمَ عَلَى آلِهَتِهِمْ إلَّا بَعْدَمَا كَانَ ذَلِكَ فِي الْعَهْدِ الْمَدَنِيِّ، رَفَعَ رَايَةَ الْجِهَادِ وَالْقِتَالِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَإِلَى أَسْفَلِ مِثْلُ هَذِهِ الْمَعَانِي الْعَظِيمَةِ فِي السِّيرَةِ، قَدْ غَفَلَ عَنْهَا الْكَثِيرُ مِنْ الدُّعَاةِ، قَدْ غَفَلَ عَنْهَا الْكَثِيرُ مِنْ الدُّعَاةِ، وَبِالْمُقَابِلِ يَعْنِي هَذَا مِنْ الطَّرَفَيْنِ نَقِيضٌ، نَرَى هَؤُلَاءِ لَمْ يُبَالُوا بِالْعَهْدِ بِحَالَةِ السِّرِّ، وَتَرَكُوا الْمُوَاجَهَةَ، هَذَا قَوْمٌ، قَوْمٌ عَلَى شَطْرٍ آخَرَ، وَطَرَفٍ آخَرَ، مِمَّنْ أَخَذُوا بِالْمَرْحَلَةِ السِرِّيَةِ، وَجَعَلُوهَا الْأَصْلَ، أَخَذُوا الْمَرْحَلَةَ السِرِّيَةَ، وَجَعَلُوهَا الْأَصْلَ فِي دَعْوَتِهِمْ. انْظُرْ الْفِرْقَةَ الْأُولَى، أَخَذُوا بِالْجَهْرِ، بِالْجَهْرِ وَالْإِعْلَانِ، وَالْمُصَادَمَةِ وَالْمُوَاجَهَةِ فِي حَالِ ضَعْفٍ، فِي حَالِ مَسْكَنَةٍ، فِي حَالِ خَوْفٍ، وَاجَهَ، وَاجَهَ، وَأَتَوْا بِالْوَبَالِ وَالْأَلَمِ عَلَى الْأُمَّةِ، وَالْفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ عَلَى الْعَكْسِ، أَخَذُوا بِمَرْحَلَةِ السِرِّ، ثُمَّ جَعَلُوهَا الْأَصْلَ فِي الدَّعْوَةِ، دَعْوَتُهُمْ قَائِمَةٌ عَلَى الْحَلَقَاتِ السِرِّيَةِ دَائِمًا وَأَبَدًا، إذَا فَتَحُوا دَرَسًا فِي الْمَلَأِ أَمَامَ الْعَامَةِ، فَتَحُوا دُرُوسًا سِرِّيَةً بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَتْبَاعِهِمْ. وَقَدْ عَظُمَتْ الْبَلِيَّةُ فِي هَذِهِ الْحَلَقَاتِ، كَمْ وَكَمْ نَسْمَعُ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الْجَمَاعَاتِ وَالدُّعَوَاتِ، وَخَاصَّةً الْحِزْبِيَّةِ، بَلْ حَتَى الْفِرَقِ الضَّالَةِ، اتَّخَذَتْ مِنْ طَرِيقَةِ الدَّعْوَةِ حَلَقَاتٍ سِرِّيَةً، أَنَّهُمْ يَجْمَعُونَ أَتْبَاعَهُمْ فِي حَلَقَاتٍ سِرِّيَةٍ فِي الدِّهَالِيزِ، وَخَلْفَ الْكَوَالِيسِ، وَتَحْتَ السَّرَادِيبِ، ثُمَّ يَبُثُّونَ مَا شَاءُوا وَمَا أَرَادُوا مِنْ الْأَفْكَارِ الضَّالَةِ الْمُضِلَّةِ، وَهَذَا عَلَى خَطَأٍ. فَنَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ اتَّخَذَ الْمَرْحَلَةَ السِرِّيَةَ، اتَّخَذَهَا، مَا جَعَلَهَا أَصْلًا، الْأَصْلُ كَمَا سَيَأْتِي أَنَّهُ جَعَلَ الدَّعْوَةَ جَهْرًا، هَذَا الْأَصْلُ، وَالْمَرْحَلَةُ السِرِّيَةُ كَانَتْ عِبَارَةً عَنْ فَرْعٍ عَنْ دَعْوَتِهِ، فَرْعٍ عَنْ الدَّعْوَةِ السِرِّيَةِ، أَوْ فَرْعٍ عَنْ دَعْوَةٍ جَهْرِيَّةٍ، أَمَّا هَؤُلَاءِ عَكَسُوا، جَعَلُوا أَنَّ الدَّعْوَةَ الْجَهْرِيَّةَ سَتَكُونُ هِيَ مَاذَا؟ هِيَ الْفَرْعُ، وَأَنَّ الْأَصْلَ فِي الدَّعْوَةِ السِّرُّ. وَالْأَمْرُ الثَّانِي أَنَّ نَبِيَّنَا اتَّخَذَ مِنْ مَرْحَلَةِ السِرِّ اتَّخَذَهَا فِي حَالِ الضَّرُورَةِ، فِي حَالِ الضَّرُورَةِ، عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا، وَلِهَذَا لَمَّا بَانَتْ الْأُمُورُ، تَرَكَ السِرِّيَةَ، وَمَا اسْتَغْنَى عَنْهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، أَصْبَحَ يَدْعُو النَّاسَ نَهَارًا جَهَارًا، وَأَمَّا هَؤُلَاءِ، بَلْ حَتَى فِي زَمَنِ الرُّخَاءِ، فِي زَمَنِ الرُّخَاءِ، كَهَذِهِ الْأَزْمِنَةِ، عَلَى النَّاسِ عَلَى التَّوْحِيدِ، عَلَى الْعَقِيدَةِ، عَلَى الصَّلَاةِ، عَلَى الْإِيمَانِ، عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا، وَنَسْمَعُ الْآنَ أَنَّهُ تُقَامُ مِثْلُ هَذِهِ الْحَلَقَاتِ، تُقَامُ مِثْلُ هَذِهِ الْحَلَقَاتِ. وَقَدْ تَكَلَّمَ الْعُلَمَاءُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا عَنْ شُؤْمِ هَذِهِ الْحَلَقَاتِ، الِالتِقَاءِ بِالسِّرِّ، وَخَاصَّةً فِي دِينِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا، إذَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ فِي كِتَابِهِ الزُّهْدِ، وَكَذَلِكَ الدَّارِمِيُّ فِي سُنَنِهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: إذَا رَأَيْت قَوْمًا يَتَنَاجَوْنَ فِي أُمُورِ دِينِهِمْ مِنْ دُونِ الْعَامَةِ، فَاعْلَمْ أَنَّهُمْ عَلَى تَأْسِيسِ ضَلَالَةٍ، إذَا رَأَيْت قَوْمًا يَتَنَاجَوْنَ فِي أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ دِينِهِمْ مِنْ دُونِ الْعَامَةِ، فَاعْلَمْ أَنَّهُمْ عَلَى تَأْسِيسِ ضَلَالَةٍ. وَقَدْ تَكَلَّمَ الْعُلَمَاءُ عَلَى الضَّلَالَاتِ الَّتِي تَأْتِي مِنْ جِرَاءِ هَذِهِ الْحَلَقَاتِ، مِنْ ذَلِكَ سُوءُ ظَنِّ الْحُكَوْمَاتِ بِهِمْ، الْحُكَوْمَاتِ سَتَسْمَعُ وَتُخْبَرُ بِمَا فُشِيَ بَيْنَ اثْنَيْنِ، تَشِيعُ بَيْنَ الْعَامَةِ، تَسْمَعُ الْحُكَوْمَاتُ الظَّالِمَةُ أَوْ الْجَائِرَةُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْحَلَقَاتِ الْمُقَامَةِ هُنَا وَهُنَاكَ، وَإِذَا سُتَفْعَلُ، سَتَبْطِشُ، سَتَبْطِشُ بِأَهْلِ هَذِهِ الْحَلَقَاتِ، وَمَنْ كَانَ عَلَى مَجْرَاهِمْ، أَوْ تُدِسُّ فِي صُفُوفِهِمْ الْمَنْدَسِينَ. وَهَذَا قَدْ وَقَعَ، وَقَدْ أُلِّفَتْ كُتُبٌ فِي ذَلِكَ، كِتَابُ الْعُشْمَاوِيِّ، اسْمُهُ كِتَابُ التَّارِيخِ السِّرِّيِّ، وَكَانَ يَتَكَلَّمُ عَنْ بَعْضِ الْجَمَاعَاتِ الْحَرَكِيَّةِ، ذَكَرَ أَنَّ بَعْضَ الْحَرَكاتِ قَدْ وَصَلَتْ إلَى أَعْلَى مَرَاتِبِ أَعْلَى مَرَاتِبِ هَذِهِ الْجَمَاعَةِ، أُنَاسٌ فِي الْمَاسُونِيَةِ، كَذَلِكَ الَّذِي يُسَمَّى مُحَمَّدُ بْنُ هُوَيْدَةٍ، كَانَ مَاسُونِيًّا، كَانَ مَاسُونِيًّا، وَمَعَ ذَلِكَ ارْتَقَى إلَى أَنْ يَصِلَ وَكِيلُ جَمَاعَةٍ، يَصِلُ إلَى مَرْتَبَةِ وَكِيلِ جَمَاعَةٍ، عَنْ مَاذَا؟ عَنْ حَلَقَاتٍ سِرِّيَةٍ، الْحَلَقَاتِ السِرِّيَةِ، دُخُولٌ بِهَا سَهْلٌ وَسَلِسٌ، مَا عَلَيْكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ أَنْتَ فِي الْبِدَايَةِ إلَّا تُظْهِرَ لَكَ الْوَلَاءَ لِهَذِهِ الْجَمَاعَةِ، تُظْهِرُ وَتَرْفَعُ الرَّايَاتِ، وَتَكُونُ مُحْتَدِمًا لِهَذِهِ الرَّايَةِ، فَإِذَا هُمْ رَأَوْكَ بِهَذِهِ الْحَالَةِ، أَخَذُوكَ فِي زَاوِيَةٍ وَاخْتَبَرُوكَ، ثُمَّ أَدْرَجُوكَ وَسَحَبُوكَ لِهَذِهِ الْحَلَقَاتِ تَحْتَ الْأَرْضِ. وَحِينَ كُنْت تَحْتَ الْأَرْضِ، حِينَ سَيُعْطُونَكَ مَا يُرِيدُونَ، الْمُخَطَّطَاتِ، الْمُقَرَّرَاتِ، الْأَنْظِمَةَ، الِاغْتِيَالَاتِ، مَا سَيُقَامُ مِنْ سَيُقْتَلُ، يُعْطَى، وَهَذَا اسْتِخْبَارِيٌّ، سَيَرْفَعُ التَّقَارِيرَ أَوَّلًا بِأَوَّلٍ إلَى السُّلُطَاتِ الْعُلْيَا، وَهَكَذَا مَا ذَكَرَهُ كَذَلِكَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ حُلَيْمٍ حُلَيْمِيِّ الْمَنَاوِيِّ، كَذَلِكَ رَجُلٌ كَانَ فِي الِاسْتِخْبَارَاتِ الْإِنْجِلِيزِيَّةِ، وَكَذَلِكَ أَصْبَحَ قَائِدًا مِنْ بَعْضِ الْجَمَاعَاتِ، بِفَضْلِ هَذِهِ الْحَلَقَاتِ، تَرْتَقِي إلَى دَاخِلِهَا، فَإِذَا اطْمَأَنُّوا لَكَ، أَرْقَوْك، طَبْعًا، مَقِيَاسُ الْجَمَاعَاتِ، طَبْعًا لَيْسَ عَقِيدَةً، وَلَيْسَ مَقِيَاسُ تَوْحِيدٍ، إنَّ مَقْيَاسُ الْعَاطِفَةِ، أَنْتَ مَعَهُمْ، تَدِينُ بِالْوَلَاءِ لَهُمْ، رَفَعُوكَ، وَرَقَوْك، دُونَ نَظَرٍ إلَى إيمَانِكَ، وَإِلَى عِلْمِكَ بِذَاتِ اللَّهِ وَبِجَلَالِهِ جَلّ فِي عُلَاهُ. وَكَذَلِكَ مِنْ الطَّرِيفِ، وَلَا يَخْفَاكُمْ، وَقَعَ فِي هَذِهِ الْبِلَادِ، وَقَدْ أُخْبِرْتُ عَنْ بَعْضِ إخْوَانِنَا مِمَّنْ ابْتُلُوا بِمِثْلِ هَذِهِ الْحَلَقَاتِ فِيمَا مَضَى، قَالَ لِي هَكَذَا، قَالَ: قُبِضَ عَلَيْنَا فِي التَّحْقِيقِ يَوْمَ الْأَيَّامِ، وَقَدْ ابْتُلُوا بِهَذِهِ الْحَلَقَاتِ الَّتِي تُقَامُ فِي السِّرِّ، قَالَ: قُبِضَ عَلَيْنَا، وَكُنَّا قَدْ تَقَاسَمْنَا الْأَيْمَانَ بِأَنَّنَا لَا نَعْتَرِفُ وَلَا نُقِرُّ بِشَيْءٍ مِمَّا قَدْ جَرَى فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَلَقَاتِ، فَلَمَّا جِئْنَا بِهِمْ فِي التَّحْقِيقِ، إذْ بِالْمِلَفِ قَدْ كُشِفَ، أَنْتَ فُلَانٌ، فِي الْيَوْمِ الْفُلَانِيِّ، كُنْت مَعَ فُلَانٍ وَفُلَانٍ وَفُلَانٍ، وَقُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، قَالَ بِالْحَرْفِ الْوَاحِدِ، يَعْنِي، ثُمَّ عَلِمْنَا أَنَّ هُنَاكَ مَنْدَسًّا فِيمَا بَيْنِنَا، هَذَا صَحِيحٌ، يَعْنِي أَكْثَرُ مَا وَقَعَ، ضُرِبَتْ الْجَمَاعَاتُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْحَلَقَاتِ، تَعْرِفُ الْحُكُومَةُ بِهَذِهِ الْحَلَقَاتِ السِرِّيَةِ، فَيُدِسُّونَ فِيهَا مَاذَا؟ الْجَوَاسِيسَ وَالْمَدَاسِيسَ، فَيَبُثُّونَ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرَهُمْ إلَى الْحُكُومَاتِ، فَتَبْطِشُ بِهِمْ وَبِغَيْرِهِمْ. فَهِيَ شُؤْمٌ عَلَى الْأُمَّةِ، وَرَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَيْثُ قَالَ: إذَا رَأَيْتُمْ الْعَامَةَ أَوْ إذَا رَأَيْتُمْ الْخَاصَّةَ يَتَنَاجَوْنَ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ مِنْ دُونِ الْعَامَةِ، فَاعْلَمْ أَنَّهُمْ عَلَى تَأْسِيسِ ضَلَالَةٍ، هَذِهِ ضَلَالَةٌ، وَلِهَذَا النَّبِيُّ اسْتَغْنَى عَنْهَا، إنَّمَا ارْتَفَعَ لَهَا لِحَاجَةٍ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ اسْتَغْنَى عَنْهَا، وَأَصْبَحَتْ الدَّعْوَةُ مَاذ