الدرس في آداب اللباس 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المقطع الأول موضوع لباس الشهرة الذي يُعرّف بأنه اللباس الذي يخرج عن المألوف ويسبب الاشتهار بين الناس، ويُحذر من لبسه لما ورد في الحديث النبوي من وعيد.
يتناول المقطع الثاني والثالث الألبسة التي نهى عنها الإسلام، وهي تشمل ثوب الشهرة، ألبسة الكفار، والثياب التي تحتوي على صور ذوات الأرواح أو تصاليب، مع التحذير من التشبه بالكفار ولبس ما يميزهم.
يختتم المقطع الرابع بالتأكيد على تحري المسلم في شراء الألبسة خاصة في المواسم المختلفة مثل الأعياد والزواجات، مع الدعاء أن ينفعنا الله بما قيل والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، مر معنا إخواني في الله في ذكر آداب اللباس ما ينبغي أن يكون عليه اللباس من التواضع وعدم طلب صاحبه للخيلاء والترفع على الناس، وذكرنا ما يتعلق من صور الخيلاء الذي يجر ثوبه لذلك، فهم من القوم الذين لا ينظر الله يوم القيامة إليهم. وهنا إخواني في الله، ويناسب في هذا المقام أن نستطرد في ذكر الألبسة التي لا تجوز. فإن هذه من الآداب التي تخفى على الناس في باب اللباس، إذ أن من المسلمين والمسلمات من يرى أن كل ما يلبس يستساغ لبسه، والأمر ليس كذلك، فهناك منهيات جاءت الشريعة بالنهي عنها. فقد مر معنا ما يتعلق بمن أراد من ثوبه الخيلاء، أو من كان مسبلًا من الرجال. كذلك من المنهيات أن لا يكون اللباس لباس شهرة، واللباس الشهرة إخواني في الله هو الثوب الذي يلبسه صاحبه وهو يريد أن يشتهر بين الناس. فالعلماء في هذه المسألة لهم ضوابط وقيود، فمن أهل العلم من يرى أن رابط ثوب الشهرة الذي لا يجوز أن يلبس هو الثوب الذي يكون خارجًا عن عادة الناس، ليس من عادتهم. فكل بلد إخواني في الله له لباسه الخاص، فإذا جئت أنت ولبست لباسًا ليس من لباس أهل بلدك، فأنت بهذه الطريقة أصبحت مشهورًا بين الناس، فهذا ثوب شهرة. ومثاله في بلادنا قد اشتهر وعلم، مما يلبس عند الناس لبس القمص ولبس الأزر والرداء، فتخيلوا أن رجلا لبس بعض اللباسات التي تلبس في الشرق في شرق آسيا، فلبس لباسه وأخذ يمشي بين الناس، أكيد أن الناس سيرمقونه بأبصارهم لأن هذا غريب، وهذا يسمى ثوب شهرة. ويدل على هذا المنع ما صح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال: «من لبس ثوب شهرة ألبسه الله يوم القيامة ثوبًا مثله، ثم يلهب فيه النار». وهذا الحديث رواه أبو داود في سننه، وذكره الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في صحيح الجامع. وهنا ضابط آخر يذكره العلماء في ثوب الشهرة، وهو الثوب الذي يكون مترفعًا عن عادة الناس، فيه نوع ترفع، وكذلك أراد بهذا الترفع أن يشهر، فهذا ثوب شهرة. فقط المترفع، قال علماء، وهكذا المنخفض، المنخفض يلبس ثوبًا أخفض مما جرى به العرف، وأراد بهذا الخفض كذلك أن يلفت الأنظار إليه. وتكره الشهرة من الثياب، وهو المترفع الخارج عن العادة، قال والمنخفض الخارج عن العادة، فإن السلف كانوا يكرهون الشهرتين المترفع والمنخفض. ولهذا فإياك يا عبد الله أن تلبس مثل هذه الألبسة، وهذا الحكم يدور على هذا الحديث أي على صحته. كذلك من الألبسة التي ينهى عنها أن تلبس اللباس الذي هو من لباس الكفار، من ألبسة الكفار والذين قد اختصوا بها. فأي لباس علم أنهم من ألبسة الكفار وأنهم قد عرفوا بهذه الألبسة، لا يجوز لمسلم أن يجري خلفهم ويلبس كألبستهم. وهذه من البلية التي انتشرت في مثل هذه الأزمنة المتأخرة، تجد أن الناس يتهافتون على لبس ألبسة الكفار تحت ما يسمى بالموضة، سواء كان هذا عند الرجال أو كان كذلك عند النساء. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «من تشبه بقوم فهو منهم». وهذا الحديث عام يدخل في ذلك التشبه في أفعالهم وأخلاقهم وآدابهم، وفي لبسهم وفي زيهم، وفي تسريحة شعرهم، في كل شيء من أنماط حياتهم التي اختصوا بها. كذلك من الألبسة المنهية يا عبد الله الألبسة التي فيها التصاوير، التي فيها الصور، وأعني بالصور صور ذات الأرواح. أما إن كانت الصور عبارة عن جمادات كصورة مركبات أو طائرات أو جبال أو وديان أو أخشاب أو أرقام أعداد، فهذا لا شيء في ذلك. وإنما النهي في ذوات الأرواح التي لها روح، فهذه ذوات الأرواح لا تصور ولا تُجعل في الأثواب. وأثبت في البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى من عائشة رضي الله تعالى عنها أنها اشترت نمرقة وعليها تصاوير، فلما رأى نبينا هذا المنظر غضب عليه الصلاة والسلام ولم يدخل إلى بيته. فقال عليه الصلاة والسلام: «إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة». فدل ذلك على أن من لبس لباسًا وعليه صورة فليحرص على أن يتخلص من هذه الصورة، والصورة الرأس، فإذا ذهب الرأس فلا صورة. كذلك من الألبسة المنهية إخواني في الله الألبسة أو الثياب التي عليها تصاليب، عليها صورة صليب. ويدل على هذا المنع ما ثبت في البخاري من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: أنه عليه الصلاة والسلام لم يكن يترك في بيته شيئًا من تصاليب إلا نقضه. فالتصاليب تنقض ولا تترك، مثل ذلك إخواني في الله بعض الثياب تجد عليها مثلاً صورة تيجان، فإن مما علم في بلاد الغرب الذين هم من أهل هذه الحضارة، فإن التيجان يكون في أصلها صليب. فتجد رسمات للتيجان في بعض الثياب وعليها صورة الصليب على القمة، فهذا ينقض. وكذلك لبس الثياب الرياضية والتي عمت في مثل هذه الأوقات، ألبسة الرياضة وخاصة التي هي عبارة عن رمز لبعض الأندية الغربية أو لبعض الدول الأوروبية، وهي كثيرًا ما تحمل في شعاراتها الصليب. فتجد بعض الناس من يلبس هذه الألبسة الرياضية وعليه صليب إما ظاهر أو في شعار النادي أو في علم البلدة يوجد هذا الصليب، هذا ينقض ولا يجوز لبسه. كذلك من الألبسة المنهية التي ينبغي أن يحترز منها المسلم الألبسة التي هي تشبه النساء، فإن الرجل له لباسه والمرأة لها لباسها، فلا يجوز أن يختلط وأن تختلط هذه الألبسة بين الجنسين. فإن النبي صلى الله عليه وسلم لعن المتشبهين من الرجال بالنساء ولعن المتشبهات من النساء بالرجال. ومن أوجه الشبه لبس ماذا ألبستهم، ولهذا صح من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «لعن النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يلبس لبسة المرأة والمرأة تلبس لبس الرجل». فلا يجوز لرجل أن يأتي إلى لباس قد خص لبسه للنساء فيلبسه، أو العكس. كذلك من الألبسة إخواني في الله وبه أختم المقام لبس الحرير، وهذا خاص بالرجال، فإن الرجل لا يجوز له أن يلبس اللباس المنسوج من الحرير. ودليل ذلك ما جاء في البخاري ومسلم حديث عمر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس الحرير. وجاء كذلك من حديث علي ومن حديث أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ ذهبًا وحريرًا، قال: «هذا حلال لإناث أمتي، حرام على ذكورها». رواه أحمد وأبو داود. فهذا الحديث إخواني في الله يدل على أن التحريم هو خاص بالرجال، وأعني بالحرير إخواني في الله الحرير الطبيعي، ليس الحرير الصناعي. فهذه إخواني في الله ألبسة سريعة سردتها مع شيء من الإيضاح، كلها تعود إلى ألبسة وثياب لا يجوز لبسها. ولهذا المسلم يتحرى وخاصة في المواسم التي تكثر فيها شراء الألبسة، كأن يكون في احتفالات أو ما يكون في الزواجات أو في أيام الأعياد. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.