آداب الكلام والخطاب 9

آداب الكلام والخطاب 9

الدرس في آداب الكلام والخطاب 9، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

آداب الكلام أثناء الصلاة

يتحدث عن جواز الكلام مع المصلي بضوابط مثل وجود الحاجة. يُستدل بحديث رواه البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم.

آداب الكلام في الأماكن الخاصة ومع ذوي الحقوق

يُناقش تحريم ذكر الله في الخلاء وكراهة الكلام العادي إلا لحاجة، ويشير إلى أهمية اختيار الكلمات المناسبة مع ذوي الحقوق.

أهمية الكلام اللين مع الوالدين والزوجين

يبرز أهمية استخدام الكلام اللين والاحترام مع الوالدين والزوجين، ويستشهد بأحاديث نبوية وأمثلة من السلف.

ختام الدرس والدعاء للتوفيق

يختتم الدرس بالدعاء أن ينفع الله بما قيل ويصلي على النبي محمد، ويقر بأن الله تعالى أعلم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلازلنا في هذا المقام نتتبع وإياكم أهم مسائل وآداب الكلام. وكان معنا في درس أمس ما يتعلق بالحرص على الكلام العربي، وما يكون من إقبالك بوجهك لمن تكلم معك، وما يتعلق بإعادة الكلام، وذلك لمن لم يفهم. ومما يذكر كذلك من آداب الكلام والتحدث والخطاب ما يكون من آداب الكلام مع المصلي، وهو في صلاته. وهذه المسألة، إخواني في الله، لربما الناس يحتاجون إلى التعرف إليها، ومسألة وما يتعلق بحكمها، وهو هل يمكن للمسلم أن يتحدث مع رجل يصلي؟ الجواب نعم يمكن، لكن بضوابطه. ومما يذكر من ضوابط هذه المسألة في جواز الكلام والتحدث مع المصلي أن يكون أولًا لحاجة، أن يكون لحاجة. فأحيانًا الإنسان يحتاج إلى أن يخاطب المصلي، فإذا وجدت الحاجة فذاك. والأمر الثاني من ضوابط الكلام مع المصلي أن تقف، يا عبد الله، بجنبه، أي بجانبه، تقف بجانبه. ومما يدل على ذلك ما رواه البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه، من أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ذات يوم بعد العصر، صلى ركعتين بعد العصر، فقامت أم سلمة وأرسلت بجارية لكي تذكره بأن هذه الصلاة أنت قد نهيت عنها. فأم سلمة خشيت أن النبي نهى أو نسي هذا الحكم، فقامت أم سلمة وأرسلت جارية: «اذهبي وقفي بجانبه رسول الله وأخبريه بأنك قد نهيت عن الصلاة في هذا الوقت»، لأن وقت بعد العصر قد ثبتت الكراهة، وها هو نبينا يصلي ركعتين في هذا الوقت الذي قد حكم عليه سلفًا بالكراهة. فذهبت هذه الجارية ووقفت بجانب رسول الله وكلمته، فقالت: «يا رسول الله، تقول لك أم سلمة: يا رسول الله تنهى عن هاتين الركعتين وأراك تصليهما»، وهي إنما أرادت بذلك التذكير، لعله عليه الصلاة والسلام نسي. فأكمل نبينا صلاته، فلما انتهى من صلاته أرد عليهم وأخبرهم بأنه بعد صلاة الظهر جاءه وفد من عبد قيس فأشغلوه عن السنة البعدية لصلاة الظهر، فما تمكن أن يصليهما بعد الظهر، قال: «فهما هاتان، أي هذه الصلاة التي صليتها الآن بعد العصر، هما في الحقيقة قضاء لقضاء ركعتي الظهر البعدية». الحاصل من هذا الحديث، إخواني في الله، فيه أولًا حكم المسألة، مسألة الباب، وهو جواز الحديث مع النبي يصلي، وكل ما في صلاته، لكن لا يجوز الرد وأنت في الصلاة، نهينا عن الكلام وأمرنا بالسكوت. لا يجوز أن تتكلم مع غيرك وأنت تصلي، أما غيرك له أن يتكلم معك للحاجة. والأمر الثاني، كما جاء في هذا الحديث، أن يقف المتكلم بجانبه، بجانبه، هذه السنة، كما قلنا، وهذا عند الحاجة. إذا احتجت لذلك، فلا تقف أمام المصلي تتحدث معه، لأن هذا سيشغله، يصلي ويقف واحد متكلم أمامك ويتحدث معك، فهذا سيشغلك عن الصلاة، ستنظر إليه. كذلك لا تقف من خلفه، ستشوش عليه: «من هذا الذي يتكلم معه؟» لكن قف بجنبه، يمنة أو يسر، وتحدث. وكما قلنا، وهذا عند الحاجة، إذا دعت الحاجة في الكلام والخطاب، لا بأس. بضوابط كأن تكون الحاجة متعلقة بالمصلي، كأن تخبره مثلًا بالقبلة أنها عن يمين أو أنها عن يسار، تقول: «الأخي يا فلان، يا محمد، أخي القبلة يمينك، حفظك الله، يمين»، فيتوجه. تتكلم معه لشيء لمصلحته، أو فيه ثقب في ثيابه أو شيء تقذر أن تكون نجاسة، فتخبره بهذه الأشياء الموجودة في صلاته لإصلاح صلاته. أو لأن الحاجة تعود للمتكلم، مثل أنت تريد أن تخرج وصاحب البيت يصلي وأنت مستعجل، فلك أن تستأذن، يقول: «يا عبد الله، أنا سأخرج، حفظك الله»، أخرج تستأذن. أو معك مفاتيح أو معك مبلغ من المال ولا تدري كيف تجعله، فإن وضعت المال مثلًا أو مفاتيح على الصالة أو على الطاولة قد تسرق أو تخطف عبر الأطفال، فتريد أن تخبئه في مكان، وهو يصلي، يقول لي: «يا فلان، المفاتيح تحت الكبت، المفاتيح وراء الكتب»، وتخرج. هذا لا بأس، هذه أشياء وتقبل بجواره، تقبل بجواره، وهذا إن شاء الله ليس في ذلك شيء. فهذا مما يتعلق بما يكون من أدب الكلام مع المصلي، أولًا لحاجة، وثانيًا أن تقف بجانبه وجواره إن أمكن ذلك. كذلك مما يتعلق بأحكام الكلام مسألة قد مرت ومضت معنا قديمًا، لكن نذكرها باختصار لما لها تعلق في آداب الكلام، ما يتعلق بآداب الكلام في الحمام. من أدب الكلام في الحمام، هل لك أن تتكلم في الحمام؟ المسألة فيها تفصيل. إن كان الكلام عبارة عن ذكر لله جل في علاه، فلا يجوز، لا يجوز أن تذكر الله وأنت في الخلاء وأنت في الحمام، قال سبحانه: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾. وقد مضى معنا كذلك على أن دعاء الدخول، أي دخول الحمام، إنما يكون قبل الدخول، قبل الدخول، إذا فتحت باب الحمام وأردت أن تدخل، حين تأتي بالدعاء. فإذا دخلت الحمام لا تأتي بدعاء الدخول إذا دخلت، وإنما وقت الإتيان بدعاء دخول الخلاء قبل الدخول، عند الشروع للدخول. فإن دخلت فلا تذكر الله، فلا تذكر الله عز وجل. هذا إذا كان الكلام فيه شيء من ذكر الله، فلا يذكر الله في الخلاء ولا في الحمام تعظيمًا وتنزيهًا لإسمه جل في علاه. أما إن كان الكلام ليس فيه ذكر لله جل وعلاه، الكلام العادي والاعتيادي، فأكثر العلماء على الكراهة، أكثر العلماء على الكراهة إلا لحاجة، إلا لحاجة. فإن كان من حاجة، يعني تريد مثلًا تتأكد أين فلان؟ انتهت الصلاة فلم تجد ابنك مثلًا اختفى عليك، أين ذهب؟ فذهبت إلى الحمامات ووجدتها مغلقة، هل ستنتظر؟ لابد أن تتكلم، يقول: «يا ابني، سالمة موجود؟» ابني فتكلم، فهذه الضرورة أصلًا حاجة، فيرد يقول: «نعم أبي، أنا موجود»، تطمئن خلاص حتى تعفل لهذا. قال علماء: إن كان الكلام في الحمامات لأجل ضرورة وحاجة، وهي تقدر بقدرها، فلا بأس حينها. أما لغير ضرورة، فهذا مكروه. وهذا الأسف نجده في كثير ممن يكون في الحمامات يكون كلامه لغو، يغسل ثياب ويتكلم، بل من حمام إلى حمام يتحدثون يتكلم: «إيش معك صابون؟ وكيف الماء؟ إيش من نوع صابون تستخدمون؟» يقول: «والله أستخدم صابون»، إيش حوار وخطاب داخل هذه الأماكن، وهي مرتع للشياطين، للخبث والخبائث. لا يا عبد الله، إن كان من كلام داخل حمام للحاجة وللضرورة فقط، لغير حاجة أكثر العلماء على أنها مما يكره. طيب في حال لو أن الإنسان احتاج أن يذكر الله داخل الحمام، مثاله كأن رجل نسي أن يأتي بدعاء الدخول، قد علم أن السنة في هذا الباب أن يأتي بالدعاء قبل الدخول، قبل الدخول، فلما دخل ونسي تذكر أنه ما أتى، كيف يفعل؟ أو رجل أراد أن يتوضأ للصلاة ولا توجد الحنفية، كغالب الحمامات الآن، تجد أن دورات المياه داخل الحمامات. وكيف وهو يعلم أن من السنة أن يأتي بسم الله، يذكر الله في طهوره ووضوئه، فحينها قال العلماء، كالحافظ ابن حجر وجماعة: إذا احتاج الإنسان أن يذكر الله داخل الخلاء، كمن نسي دعاء الدخول أو من أراد أن يأتي بالبسملة عند الوضوء، فحينها يذكر الله جل وعلا بقلبه، لا بلسانه، يذكر الله بقلبه وبنيته، لا بلسانه، يتحفظ عن ذلك. هذا ما يتعلق، إخواني، بمسائل هذا الباب. لو تذكرون في مباحث آداب دخول الخلاء، وقد توسعنا فيها وذكرنا أقوال العلماء في هذه المسائل. كذلك مما يتعلق، إخواني في الله، في آداب الكلام، مسألة قد مضت معنا أن الإنسان إذا تكلم عليه أن يراعي أن يختار الكلمات المناسبة، فالكلمة الطيبة صدقة، فالكلمة الطيبة صدقة. ولكن ينبغي، وهذا الذي أحب أن أشير إليه في هذا المقام، أن يكون هذا الكلام يعلوه شيء من الإجلال والإعظام والإحترام لمن لهم حق، لمن لهم حق عليك. مثاله كالتحدث مع الوالدين أو التحدث مع الزوجة أو التحدث مع الأولاد، هؤلاء لهم حقوق عليك، ليس فقط في التعامل باليد والأعضاء، بل كذلك حتى باللسان، بل حتى كذلك باللسان. فإذا كان الوالدان نهانا ربنا جل وعلا عن أذيتهم بالقول، فلا تقل لهم: «أف». فإذا نهيت عن أذيتهم باللسان، بالمقابل أحسن، أحسن يا عبد الله، في الكلام والخطاب معهما، بأن يكون الكلام فيه إجلال واحترام وتعظيم، التعظيم الشرعي، وما يستحقه هذا المقام السامي، مقام الأبوة والأمومة. وقد ذكر الإمام البخاري في الأدب المفرد أن ابن عمر رضي الله تعالى عنه وجد رجلًا، فقال: «أتحب أن تدخل الجنة؟» قال: «بلى». قال: «أحي والدك؟» قال: «لا، عندي أمي». قال: «لا، عندي أمي فقط، هذه التي بقيت لي». قال ابن عمر: «فوالله لو ألنت لها الكلام وأطعمتها الطعام لتدخلن الجنة». قال ابن عمر: «فوالله لو ألنت لها الكلام» هذا الشاهد «ألنت لها الكلام وأطعمتها الطعام لتدخلن الجنة». هذا من البر والإحسان باللسان، أنك تتكلم مع الوالدة ومع الأب بالكلام الذي يليق بجنابهما، لين وعطف، وما يكون فيهم من الإعظام والتقدير الذي يستحقونه، فهذا مما تؤجر عليه. فإذا كانت الكلمة الطيبة لعامة الناس مرغوبة محبوبة، فما ظنك يا عبد الله بمن هم من أعظم الناس حقًا بعد حق الله سبحانه وتعالى؟ فهذا لابد أنك يا عبد الله تختار أحسن الكلمات وأجمل العبارات التي لا تنم عنها الأسماء، وإنما التي تريح الصدور، والتي بها تأنس القلوب، هذا الذي ينبغي أن يكون في خطابك مع والديك أو مع أحدهما. كذلك مع الزوجة، عليك يا عبد الله، كما أنك تستخدم العبارات الطيبة مع أصحابك وزملائك، بحيث تحاول أنك لا تخدش مشاعرهم وأنك لا تعاتبهم، فما ظنك بأقرب الناس إليك بزوجتك؟ فهي من أولى الناس، ومن تأمل في سيرته وفي سنته عليه الصلاة والسلام، كان لطيف العبارة مع أزواجه، حتى لدرجة أنه كان إذا نادى عائشة رضي الله تعالى عنها قال: «يا عائش»، «يا عائش»، من باب الترخيم، من باب الترخيم والتكني بهذه الإسم، الذي ماذا يدل على مدى التلطف؟ هذا في النداء «يا عائش». وهذا كما يبين من هذا الأدب النبوي ما يتعلق بأدب الخطاب مع الزوجة، أن يكون كذلك فيه من اللطف ومن الرقة ومن اللين بما يكاسب طبيعتها اللين الحساسة. وهكذا قل في حق الزوجة، كما أن الزوج مطالب بهذا، الزوجة كذلك مطالبة بهذا، بأن إن تكلمت مع زوجها أن يكون الكلام محفوفًا بالإجلال والإعظام لمقام الزوجية. حتى قالت بعض النساء السلف: «كنا نخاطب أزواجنا كما تخاطبون الملوك»، كنا نخاطب أزواجنا كما تخاطبون الملوك. كيف بحال الإنسان إذا خاطب الملك؟ كله يعني خفض الصوت واحترام وإجلال، وهكذا كنا النساء في زمن السلف الأول والصدر الأول، كنا نخاطب الرجال، أي الأزواج، وعليهم من الخوف والتعظيم والإجلال لمقام الزوج. وقد أشار نبينا إلى هذا المقام، كما جاء في السنن، عندما قال عليه الصلاة والسلام: «ألا أخبركم بنسائكم من أهل الجنة؟ كل ولود ودود، إذا غضبت أو أسيئ إليها قالت: هذه يدي في يدك، لا أذوق غمضًا حتى ترضى». تأمن لهذه المرأة، لكن من هذه المرأة؟ هي النساء من أهل الجنة. من أين جاء؟ جاء من تعاملها، ومن حسن تعبيرها، من حسن تعبيرها. هي التي إذا غضبت، إذا غضبت أو أسيئ إليها، أي أنها مظلومة، قد وقعت الإساءة عليها، ليست هي المسيئة، بل الإساءة وقعت عليها، ومع هذا كله ما خرجت عن الأدب في الكلام مع زوجها، فقالت: «لا أذوق غمضًا»، تضع يدها في يد زوجها وتقول: «لا أذوق غمضًا»، أي ما أنا حتى ترضى. قال: «فهي من نساء أهل الجنة». فهكذا إخواني في الله، فينبغي أن يكون الكلمة الطيبة في حوارنا وحديثنا مع غيرنا يعلوه الإجلال والإحترام، لكن مع أقرب الناس إلينا، لا بد أن يكون أعظم إجلالًا وأكثر احترامًا. وهكذا الآداب كثيرة جدًا، إخواني في الله، في هذا المقام، مقام الخطاب والحديث والتكلم. من ذلكم في المجالس أن يقدم الأكبر فالأكبر، من كان أكبر علمًا، من كان أكبر سنًا، هو الذي يتكلم وهو الذي يتصدر المجالس، لما جاء في الحديث: «كبر، كبر، كبر، كبر». فالكبير هو الذي يتكلم، أما الأغمار وأما الصغار وأما الأحداث، فهؤلاء إن تكلموا لا يذمهم إلا بعد استئذان لمن هو أكبر منهم سنًا، وهكذا آداب كثيرة جدًا. وبهذا، إخواني في الله، نكون قد أخذنا إجمالًا وإلمامًا بأهم آداب وآداب الخطاب والحوار والكلام. وإن شاء الله في درس غد نتم لهذا الموضوع، ومما يلحق بآداب الكلام آداب الكلام في الجوال، آداب الكلام في الجوال، لأن الجوال أصبح كذلك نوع من أنواع الكلام والتحادث والتخاطب. وقد جعل علماء له آدابًا تتعلق به، وهي لا تخرج عن آداب الكلام، لكنها تنبيه وتذكير لبعض أحكامه. ويترك هذا بإذن الله في درس غد. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.