شرح مسائل الجاهلية  65

شرح مسائل الجاهلية 65

الدرس في شرح مسائل الجاهلية 65، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة عن الإقرار بالحق لدفعه

يتحدث عن حيلة الكفار في الإقرار بالحق لدفعه، ويبين أن هذا الفعل هو من النفاق ويستخدمه الكفار لصد الناس عن الحق. هذه الحيلة ظهرت في المدينة بعد غزوة بدر عندما قوي الإسلام.

خطورة المنافقين وضرورة معرفتهم

المنافقون يشكلون خطرًا كبيرًا على الإسلام والمسلمين، ويجب على المسلمين معرفة صفاتهم لتحذيرهم والابتعاد عنهم. المنافقون يتظاهرون بالإسلام بينما يبطنون الكفر ويعملون على إفساد دين الناس.

تعريف النفاق وأهله وصفاتهم

النفاق هو إظهار الإسلام وإبطان الكفر، والمنافقون يهدفون إلى التلاعب بدين الله والطعن في رسوله. المنافقون يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، ويحاولون التحايل على شرع الله وقد ذكر الله عز وجل أنهم في الدرك الأسفل من النار.

ختام الخطبة والدعاء

المقطع ينهي الخطبة بالدعاء أن ينفع الله بما قيل فيها، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يؤكد علم الله تعالى ويتم الدعاء للمسلمين.

  • 10 جمادى الأولى 1435هـ - 11/03/2014مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الرابعة والخمسون، الإقرار بالحق ليتوصل به إلى دفعه، كما قال في الآية. هذه الفقرة، إخواني في الله، كما نوه المؤلف رحمه الله تعالى، هي تبع وتلحق المسألة السابقة، فالفقرة السابقة تكلم فيها المؤلف رحمه الله تعالى عن إعمال الحيل بشكل عام، وأن طريقة حاول بها الكفار أن يجابهوا دين الله جل وعلا باتخاذ الحيل الظاهرة والباطنة. وفي هذه الفقرة، رحمه الله تعالى، ألمح إلى أحد هذه الحيل، وقال رحمه الله تعالى: الإقرار بالحق. والإقرار من قرى يقر، بمعنى يعترف، فالإقرار بمعنى الاعتراف، الاعترف بالحق ليتوصل به إلى دفعه، ليتوصل به إلى دفع الحق، كما قال في الآية. والآية قال فيها ربنا جل وعلا: ﴿وقال طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار وكفروا آخره﴾. وهذه مسألة، يعني، يمكن أن يقال في حقها أنها من باب ذكر الخاص بعد العام، من باب ذكر الخاص بعد العام، فالفقرة السابقة تكلم المؤلف عن عموم الحيل، وهنا ذكر خصيصة وصفة من صفات هذه الحيل، وهذه الطريقة أنهم يقرون بالحق لا للحق، وإنما لدفعه، وإنما لرده. وهذا الأسلوب الخاص بعد العام، ما الذي يستفاد منه؟ يستفاد منه الأهمية، ويستفاد منه الأهمية، أي: معنى هذا أن الحيل التي يتبعها الكفار في صد الناس عن الحق لهم حيل كثيرة، ولهم طرق متنوعة، لكن من أعظمها أعظمها شرًا وخبثًا ودهاءً وتأثيرًا هذه الحيلة، ألا وهو الإقرار بالحق. يظهر الواحد منهم أنه قد أقر بدين الله جل وعلا، كما في الآية السابقة: ﴿آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار﴾، ادعوا للناس أنكم آمنتم، لكن هذه فترة وجيزة، ثم بعد ذلك ارتدوا على أدبارهم. قال: يتوصل به إلى دفعه، كما قال في الآية. وقد قلنا يا إخواني في الله: كيف أن اليهود كانوا على هذه المنوال، ثم بعد ذلك جرى على منوالهم أهل النفاق، أهل النفاق. وهذا الفعل هو فعل النفاق، أن الشخص يظهر الحق وهو غير مقتنع به، غير مقتنع به، إنما يدعي الإيمان ويدعي الحق، ليس حبًا في الحق، وإنما للصد. اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله، اتخذوا أيمانهم جنة وقاية، وقاية من ماذا؟ لكي يصدوا عن سبيل الله، لكي يصدوا عن سبيل الله. وحركة النفاق، إخواني في الله، لو تعلمون، أن ما ظهرت في مكة، لم تظهر في مكة، لم يكن هناك النفاق في المرحلة المكية، لكن لما انتقل نبينا صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وخاصة بعد غزوة بدر، وظهر الإسلام وظهرت دولة الإسلام، عينها دب النفاق، وأخذ أهل الكفر يستخدمون هذه الطريقة. فالأصل أن الكافر يظهر عداوة لأهل الإيمان، لكن إذا رأى أن الإسلام قد كثر وقد قوي وله شوكة، حينها إذا ضعف عن المجابهة، فلا أقل من استخدام الحيل، فلا أقل من استخدام الحيل. وفي ذلك إشارة إلى أن العداوة بين أهل الإسلام والكفار هي مستمرة، هي مستمرة لا تنقطع، هذه حكمة أرادها الله جل وعلا لكي يعلم من ينصر دينه جل في علاه. العداء ظاهر ومستمر إلى يوم القيامة، لكن حينًا الكافر يظهر حربه على الإسلام، وأحيانًا يخفي ذلك، لكن الحرب قائمة. فمن أعظم ما استخدمه أهل الكفر، ولازالوا يستخدمون هذه الطريقة، وهي أنهم يرسلون إلى أهل الإسلام من هو على دينهم في الظاهر، من هو على دينهم في الظاهر، حتى يتمكن من يفعى يفعى الأفاعيل. تخيلوا أن يهوديًا أو أن نصرانيًا جاء إلى بلاد المسلمين ونادى بأعلى صوته: يا أيها الناس، اليسوع هو الرب، اليسوع هو ثالث ثلاثة، ما أرى القرآن الذي بين أيديكم صواب، عليكم بالإنجيل. من يتراه سيتبع هذا القسيس أو هذا الراهب؟ ما أظن أحد سيتبعه، حتى العجائز، حتى العامة، ما أحد سيكون له عقل أو ذهن أو ذرة إيمان سيتبع هذا. قال: هذا كافر، لكن لو جاء أهل النفاق، وهم الذين يدعون الإسلام، فيجدهم أتباع، وخاص أنه سيطعن في دين الله جل وعلا بمطعن خفي، بمطعن خفي. ومن هنا دأب أهل الكفر على إرسال من أمثال هؤلاء ممن يظهر دين الله جل وعلا، لكن ليس حبًا في دين الله، لكن يتوصل به للصد. اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله. وهؤلاء المنافقون، إخواني في الله، أمرهم عظيم، أمرهم عظيم، ويكفيك دليلًا على خبثهم وعلى خطرهم أن الله جل وعلا حصر العداوة فيهم: ﴿هم العدو فاحذرهم﴾، هم العدو، أي: كأنه لا عدو إلا هم، معنى: قد يوجد أعداء، يوجد أعداء كثر، لا كثرهم الله، لكن هم العدو، بمعنى أن الأولوية لهم في العداوة، هم الذين همهم همهم ما جاءوا إلى بلاد المسلمين إلا للطعن والصد وإعراض الناس عن دين الله جل وعلا. فينبغي الحذر من هؤلاء، ينبغي الحذر من هؤلاء. ولله الحمد، فإن أهل النفاق لهم علامات، لهم سمات، لهم صفات ذكرها ربنا جل وعلا في كتابه. فمهما غير المنافق من تدين، كان يهوديًا فأصبح مسلمًا، كان نصرانيًا فأصبح مسلمًا، كان ملحدًا فأصبح مسلمًا، قد يكون ادعاء للإسلام حق وصدق، يكون دخل في الدين، وإحيانًا يكون نفاق. فكيف يميز هذا عن ذلك؟ بالصفات التي حكاها ربنا جل وعلا عن أهل النفاق. ومن هنا ينبغي للمسلم أن يعرف صفات المنافقين، فتجد أن المنافق لا يؤدي دين الله جل وعلا، إذا قام إلى الصلاة قام كسلًا، يقوم على مضض، يقوم على وهن، يقوم على ضعف، وليس عنده النفقة في سبيل الله. قذف ربنا جل وعلا في قلوب أهل النفاق الشح والبخل: ﴿ولينفقوا إلا وهم كارهون﴾، النفقة إن ذا نفق، وأنفق في سبيل الله، كان على مضض وعلى كره، ما يحب هذا، فضلًا عن التلون والتلاعب بدين الله. إذا لقى أهل الإيمان قال: أنا مؤمن، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا: ﴿إنا معكم إنما نحن مستهزئون﴾. فينبغي على أهل الإسلام أن يعرفوا هذه الصفات حتى لا يمكن لأمثالهم، وقد ابتلينا في هذه الأزمان من تمكن جماعة من أهل النفاق، مكنوا على رقاب المسلمين، لهم ولايات عامة وخاصة. أين ذلك؟ ما دخلوا إلا لعدم فطنة الناس لهؤلاء. فينبغي إخواني في الله أن نعلم، فأن يوجد في بلاد المسلمين من يظهر الحق، يظهر الإسلام، لكن ليس حبًا في دين الله، إنما يفعل الأفاعيل في شرع الله جل وعلا. انظر ماذا فعل عبد الله بن أبي بن سلول، أراد الزعامة لما كان في المدينة وكان من ساداتها. المدينة أراد الزعامة، وكان ذلك مع إبان دعوته عليه الصلاة والسلام، فالتفت الناس في المدينة إلى نبينا وتركوه، ابن سلول تركوه، فلم يتوجوه ولم يرئسوه عليهم، فرأينا نبينا أخذ منه الكرسي، كرسي الزعامة، فامتلأ قلبه حقدًا وحسدًا على نبينا عليه الصلاة والسلام، وأشرب النفاق، وأشرب النفاق، فادعى الإسلام وأنه آمن برسول الله. لكن هل هذا صدق وحق؟ إيمان بنبينا الإيمان الخالص لا، إنما دخل ذلك حتى يطعم في الدين، ويطعن في رسول الله عليه الصلاة والسلام. وجاءت الأخبار عنه كيف أنه ثبت عن دين الله، وكيف أنه ألب الناس على عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهكذا من بعد ابن سبأ، ابن سبأ الذي جاء من يهود اليمن، يهودي على اليهودية، ثم اعتنق الإسلام، لا حبًا في الإسلام، إنما لكي يتلاعب دين الله جل وعلا، فدخل باسم ما يسمى بتعظيم آل البيت، وادعى الحب لآل البيت، وخاص لعلي رضي الله تعالى عنه. وأنا من حبه لآل البيت، قال بأن عليًا هو أولى الناس بالخلافة، وأن الخلافة ما تكون إلا له، فاتبعته الهوام والهمج الرعاع الطغام، اتبعوه، فظنوا ما يقول حقه، ما أراد حبًا لعلي، وإنما أراد الزندقة والزنادقة هم أهل النفاق. ابن القيم رحمه الله تعالى، عندما تكلم عن طبقات المكلفين، عن طبقات الناس، ذكر الزنادقة، والزنادقة هم الذين يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام، ثم قال: وهؤلاء هم المنافقون، الزنديق هو المنافق، فالزنادقة هم أهل النفاق. والنفاق، إخواني في الله، له اسم، كما يقول علماء، اسم شرعي، ما كان العرب تعرف اسم النفاق، فهو اسم إسلامي، اسم إسلامي شرعي. وقيل: أخذ اسم النفاق من النفق، من النفق، أي: كأن المنافق له نفق تحت، يدخل من داخله، هو في الظاهر عيانًا، لكن له نفق بعد ذلك يدخل فيه، يختفي فيه. وقيل: أن النفاق مأخوذ من نافقاء، ونافقاء عبارة عن جحر أحد الجحور التي يبنيها الجربوع، الجربوع هو عبارة عن دابة تحفر في الأرض، فتجعل لها حفرتين، تجعلها حفرتين، حفرة من طريق، وحفرة من طريق. لماذا هذه الطرق؟ إذا عرفت أنها قد حوصت من باب، خرجت من باب آخر، إذا حوصت من باب، خرجت من باب الآخر، إذا أغلق هذا الباب خرجت من باب آخر، تجعلها خط رجعة هنا وهنا. وهكذا المنافق، إذا رأى أهل الغلبة مع المسلمين، قال: ألم أكن معكم؟ ويقضي يا إخوان، أنا وأهلًا ومرحبًا، أنا معكم، وإذا رأى الغلبة مع أهل الكفر، قال: ألم أكن معكم؟ أنا معكم قلبًا وقالبًا، قلبي معكم، هواي معكم، أنا ما أحب هذا الدين، وأنت تعرفون ذلك. فيجعله هنا وهنا، وهذا هو المنافق. الحاصل، إخواني في الله، وليس المقام ذكر النفاق وصوره، لكن هذا الوصف الذي ذكره المؤلف رحمه الله تعالى هو ينطبق تمام الانطباق على أهل النفاق، الإقرار بالحق ليتوصل به إلى دفعه، وما كان هذا الأمر يلحيل. وقد ذكرنا أن الذي يحتال على شرع الله أمره أعظم، فكان كذلك أهل النفاق، فإن أمرهم أعظم في الدنيا والآخرة. يدلك على أن أمرهم أعظم في الدنيا أن الله أمر نبيه أن يجاهدهم: ﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين﴾، لا هوادة مع أهل النفاق. وهكذا شرهم في الآخرة أن الله جل وعلا جعلهم في الدرك الأسفل من النار، أخبث من اليهود، أخبث من النصارى، أهل النفاق، فهم في الدرك الأسفل من النار. لماذا؟ الحيل، التحايل على شرع الله، الذنب يا عبد الله لا يعادله أي ذنب. فهذا ما يتعلق بهذه الفقرة، هي كما يقال: تأتمه، ويلحق بالمسألة السابقة. فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.