شرح القواعد المثلى  45

شرح القواعد المثلى 45

الدرس في شرح القواعد المثلى 45، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تفسير آيات "بأعيننا" و"على عيني" وبيان معنى الرعاية

يشرح المقطع المعنى الصحيح لآيتي ﴿ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ﴾ و﴿ وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ﴾ بأنهما يدلان على رعاية الله وعنايته وحفظه لا على المكانية الحسية. ويرد على تأويلات المجسمة مبيناً أن حروف الجر جاءت للمصاحبة والعلو المعنوي لا الحسي.

رد تأويل المحرفة وإثبات معنى الرعاية في آيات العين

يبين المقطع بطلان تأويل المحرفة لآيات العين على المعنى الحسي الظاهر مستدلاً بلسان العرب وتنزيه الله عن المخالطة. ويخلص إلى أن ظاهر الآيات هو القول بمرأى من الله ورعايته وحفظه للسفينة ولموسى عليه السلام.

قاعدة تفسير اللفظ بلازمه وتطبيقها على تفسير السلف

يشرح المقطع قاعدة أصولية في دلالة الألفاظ بجواز إطلاق اللفظ على لازمه، ويطبقها على تفسير السلف لـ (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا) بـ (بمرأى منا). ويبين أن هذا التفسير بلازم المعنى ليس تحريفاً مستدلاً بأنواع الدلالة الثلاث وممثلاً باسم الرحمن وصفة المعية.

إثبات حجية الدلالة الالتزامية في اللغة العربية

يؤكد المقطع جواز إطلاق المعنى الصحيح على اللفظ بموجب دلالة الالتزام باعتبارها دلالة معتمدة في اللغة العربية. ويشير إلى أن هذا ما قصده المؤلف مختتماً بالاكتفاء بهذا القدر من الشرح.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين عليه رحمة الله في كتابه "القواعد المثلى في صفات الله وأسماء الله الحسنى"، المثال التاسع والعاشر: قوله تعالى عن سفينة نوح ﴿ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ﴾، وقوله لموسى ﴿ وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ﴾. ذكر في هذا الموضع مثالين لأنه ذكر آيتين، فيقول أهل التحريف: يا أهل السنة، قولتم أو حرفتم هاتين الآيتين وصرفتموها عن ظاهرها. فزعم المحرفة أن ظاهر هذه الآية أن السفينة تجري في وسط عين الله عز وجل، ﴿ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ﴾، قالوا: ظاهرها تجري في وسط أعيننا. وقالوا في قوله ﴿ وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ﴾: قالوا ظاهرها أنه فوق عينه. هذا هو ظاهر الآية عندهم، هذا هو ظاهر الآية عندهم. فأهل السنة حاشا وكلا أن يقولوا أن ظاهر الآية هذا، حاشا وكلا. والجواب على هذا: قال الشيخ، والجواب أن المعنى في هاتين الآيتين على ظاهر الكلام وحقيقته، لكن ما هو ظاهر الكلام وحقيقته؟ هل هو الظاهر الذي زعمه المحرفة، أم هو ظاهر آخر؟ الجواب الثاني، الجواب الثاني. ولذلك قال: هل يقال إن ظاهره وحقيقته أن السفينة تجري في عين الله، وأن موسى عليه الصلاة والسلام يربى فوق عين الله تعالى؟ هذا ما يزعمه المحرفة. أو يقال - وهذا الذي فهمه أهل السنة على ما تقتضيه اللغة وهو ظاهر الآية -: إن ظاهره أن السفينة تجري وعين الله ترعاها وتكلؤها، وعين الله ترعاها وتكلؤها. ليس معنى أن السفينة في وسط عين الله كما يزعم هؤلاء، كما يزعم هؤلاء. فيقال: إن الباء في قوله ﴿ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ﴾ هذه الباء لا تأتي للظرفية إلا بقرينة، لأن الأصل في الباء أنها للمصاحبة وليس للظرفية، أنها للمصاحبة، مثل قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ ﴾، يعني في الليل. هنا الباء أتت للظرفية لكن لقرينة، لقرينة وهو ماذا؟ أن هذا المرور كان في الليل، ليس مصاحبًا للليل، إنما في الليل. لكن الأصل في الباء أنها للمصاحبة والتعدية وليست للظرفية. فإذن قوله تعالى ﴿ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ﴾ أي تجري وأعيننا تصحبها بالرؤية والرعاية والعناية، فهذا هو المعنى ولا يحتمل غيره أبدًا، ولا يحتمل غيره أبدًا. فهذا حتى في كلام الناس هذا تجده حتى في كلام الناس، فمثلا يكلمك إنسان: "اهتم بأمري هذا"، فأرجوك أن تعتني به، وتقول: "لا تخف، أنت على العين" أو "أنت في عيني". هل معنى داخل عينه؟ ها، من يقول بهذا؟ ما يقول بهذا الإنسان ما عنده فهم للغة إطلاقًا، ها ما عنده فهم للغة إطلاقًا. تقول: "على رأسي"، "على عيني"، "من عيوني"، "أنت في عيوني". هذا شيء معروف بكلام الناس وهو له أصل في اللغة. وهكذا في قول الله عز وجل ﴿ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ﴾ يعني بمرأى وعناية ورعاية منا، هذا هو المعنى. وكذلك ﴿ وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ﴾ ليس معنى فوق عيني، وإنما معنى تربى تحت رعايتي وتحت عنايتي ونحو ذلك، فهذا هو المعنى الظاهر من الآية، ولا أحد يفهم هذا الفهم الذي فهمه هؤلاء المحرفة. نعم، "على" تأتي بمعنى العلو، لكن كل علو بحسبه، كل علو بحسبه. فلو قال لك إنسان: "احضر لي هذا"، فتقول له: "على عيني"، أو قال له: "على أنفي"، ليس معنى فوق أنفه أو فوق عينه، إنما معنى: سأفعل هذا وأعتني به وأعتني به. هذا شيء واضح. ثم قال الشيخ: ولا ريب أن القول الأول باطل من وجهين، وهو قول المحرفة: أن قوله تعالى ﴿ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ﴾ وسط أعيننا، أو ﴿ وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ﴾ يعني فوق عيني. هذا باطل من وجهين: الأول: أنه لا تقتضيه الكلام بمقتضى الخطاب العربي، فلا أحد يفهم من هذا ما فهمه هؤلاء أبدًا، ما يدل عليه الخطاب العربي. قال: والقرآن إنما نزل بلغة العرب، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾، وقال تعالى: ﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ ﴾. فهذا اللسان العربي يفهمه أهله، ولم يفهم أحد من أهل اللغة هذا المعنى الذي ذكره هؤلاء المحرفة. قال: ولا أحد يفهم من قول القائل: "فلان يسير بعين" أن المعنى أنه يسير داخل عينه، ولا من قول القائل: "فلان تخرج على عيني" أي تخرج على عيني أن تخرجه كان وهو راكب على عينه. هذا لا أحد، ولو ادعى مدعٍ أن هذا ظاهر اللفظ في هذا الخطاب لضحك منه السفهاء فضلا عن العقلاء. وصدق رحمه الله، تصور لو أن إنسانًا قلت له: "فلان جاء على عيني" أو "فلان أوامره على عيني"، قال محرف: "ما شاء الله، أتيت بأوامره على عينك فوق"، هنا سيضحك عليه الناس جميعًا، سيضحك عليه الناس جميعًا، لأن لا أحد يفهم هذا الفهم الذي فهمه هذا المحرف. قال: الثاني، يعني الوجه الثاني في بطلان هذا الوجه، أن هذا ممتنع غاية الامتناع، ولا يمكن لمن عرف الله وقدره حق قدره أن يفهمه في حق الله تعالى، لأن الله تعالى مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، بائن من خلقه، يعني غير مختلط بهم، غير مختلط بهم، لا يحل فيه شيء من مخلوقاته كما يزعمه أهل الاتحاد والحلول، ولا يحل في شيء من مخلوقاته، سبحانه وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا. فقول المحرف هذا: أن معنى ﴿ وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ﴾ فوق عيني، أو ﴿ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ﴾ يعني داخل عيننا، يقتضي المخالطة، وأن الله حال في خلقه، وهذا لا يقوله إلا هؤلاء الضلال المنحرفون. فكيف يقال إن ظاهر هذه الآية ما فهمه هؤلاء، أو ما ألزم به هؤلاء أهل السنة؟ فهذا باطل، معلوم البطلان. فإذا: هل صرف أهل السنة معنى هاتين الآيتين عن ظاهرهما؟ ها، الجواب: لا. فالأخذ بظاهر هاتين الآيتين. قال رحمه الله: فإذا تبين بطلان هذا، فإذا تبين بطلان هذا من الناحية اللفظية والمعنوية. ومعنى اللفظية: يعني لفظ الآيتين فإنه لا يدل على ما ذهب إليه هؤلاء. والمعنوية: معنى الآيتين. تعين أن يكون ظاهر الكلام هو القول الثاني، والقول الثاني: أن المراد بقوله ﴿ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ﴾ يعني بمرأى منا. قال: تعين أن يكون ظاهر الكلام هو القول الثاني، أن السفينة تجري وعين الله ترعاها وتكلؤها، وكذلك تربية موسى تكون على عين الله يرعاه ويكلؤه بها. وهذا معنى قول بعض السلف: "بمرأى منا". فإن الله تعالى إذا كان يكلؤه بعينه لزم من ذلك أن يراه، ولازم المعنى الصحيح جزء منه، كما هو معلوم من دلالة اللفظ حيث تكون بالمطابقة والتضمن والالتزام، وهذا قد مر معنا. جاء عن بعض السلف في تفسير قول الله عز وجل ﴿ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ﴾: "بمرأى منا". هل هذا تحريف؟ لا، هذا ليس بتحريف. لأن هنا قاعدة عند أهل السنة في باب الأسماء والصفات، بل وفي اللغة: أن الكلمة إذا كانت أو إذا دلت على بعض المعنى جاز إطلاقها على المعنى كاملًا، جاز إطلاقها. فهمتم هذه القاعدة؟ ها، الكلمة إذا دلت على بعض المعنى جاز إطلاقها على هذا المعنى كاملًا. فمثلا: يلزم من الرؤية، يلزم من... نعم، قول الله عز وجل ﴿ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ﴾ يلزم من إثبات العين لله عز وجل الرؤية، صح؟ يلزم من ذلك الرؤية. قد تقدم معنا في بعض القواعد أن الدلائل ثلاث، الدلائل ثلاث: المطابقة، وهو اللفظ الذي يدل على نفس المعنى، والتضمن، وهو اللفظ الذي يتضمن ذلك المعنى، والالتزام، وهو الشيء الخارجي عن هذا اللفظ لكن يلزم منه. واستدللنا على ذلك في صفات الأسماء، فمثلا اسم الرحمن، اسمه الرحمن، هذا يدل على هذا الاسم بماذا؟ بالمطابقة، بالمطابقة، فهو يدل على ذات الله عز وجل. طيب، وبالتضمن يدل على صفة ماذا؟ الرحمة، طيب، لأنه مشتق منها. والالتزام يدل على صفة أخرى ليست هي بلفظ الرحمة، فالرحمة يلزم منها ماذا؟ يلزم منها القوة، صح؟ والرحمة يلزم منها كذلك ماذا؟ القيومية، يكون قيم ربنا سبحانه وتعالى على جميع الخلق. إذن هذه الصفات الآن أثبتناها باسم الرحمن بماذا؟ بالالتزام، لأن من معاني الرحمة القوة والقدرة والقيومية والحياة، صح؟ كل هذه الأسماء يلزم كل... اسم الرحمن أو اسم الرحمن يلزم منه هذه الصفات جميعا. وهكذا في هذا الباب: تفسير السلف لقول الله عز وجل ﴿ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ﴾ بالرؤية، هذا تفسير صحيح لأنه تفسير ببعض معنى الرؤية، ببعض... ببعض معنى إثبات العينين لله عز وجل. فإذن يجوز إطلاق ذلك. مثل المعية: ماذا يلزم من المعية؟ معية الله عز وجل يلزم منها ماذا؟ العلم، صح؟ ويلزم منها كذلك الإحاطة، ويلزم منها كذلك المراقبة، صح؟ فكل هذا مما يعني استفدناه من إثبات صفة المعية بالالتزام، بالالتزام، ليس بالتضمن ولا كذلك بالمطابقة، وإنما هو بالالتزام. فهذه قاعدة مهمة في باب الأسماء والصفات وفي غيرها من الأبواب الأخرى. فإذن ما معنى قوله: وهذا معنى قول بعض السلف "بمرأى منا"؟ فإن الله تعالى إذا كان يكلؤه بعينه لزم من ذلك أن يراه. فإذن هذا تفسير ببعض المعنى، ويجوز إطلاقه. التفسير تفسير اللفظ ببعض المعنى يجوز. ولذلك فسر بعض السلف المعية بالعلم، صح؟ لأنه يلزم من المعية العلم، واضح. وفسر بعضهم هذه الآية بالرؤية، فهو كذلك تفسير ببعض المعنى، ولا يعد ذلك تحريفًا. تفسير اللفظ ببعض المعنى لا يعد ذلك تأويلًا أو تحريفًا أبدًا، لا يعد تحريفًا. فهذا معنى قوله: وهذا معنى قول بعض السلف "بمرأى منا"، فإن الله تعالى إذا كان يكلؤه بعين لزم من ذلك أن يرى، ولازم المعنى الصحيح جزء من هذا المعنى، هذه هي القاعدة. طيب، ولازم المعنى الصحيح جزء من هذا المعنى فيجوز إطلاقه على هذا اللفظ، يجوز إطلاقه على هذا اللفظ، لأننا أخذنا ذلك بدلالة الالتزام، وهي دلالة صحيحة معتمدة في اللغة العربية. هذا هو ما أراد ذكره المؤلف رحمه الله تعالى، وبهذا نكتفي. وإلى هنا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر.