شرح مسائل الجاهلية  81

شرح مسائل الجاهلية 81

الدرس في شرح مسائل الجاهلية 81، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

دعوة أهل الجاهلية إلى الضلال

المقطع الأول يشرح دعوة أهل الجاهلية الناس إلى الضلال بغير علم، ويبين أن الكفار كانوا يدعون إلى الكفر مع العلم أو بغير علم. يُستشهد بآيات قرآنية وأحاديث نبوية لتوضيح وجود دعاة وعلماء وأئمة في مجتمعاتهم الجاهلية.

حرص الكفار على الدعوة ودعوتهم بغير علم ومقارنتهم بأهل الإسلام

يُبين المقطع الثاني حرص الكفار على دعوة غيرهم إلى دينهم الباطل بغير علم، ويُقارن ذلك بجهود أهل الإسلام. كما يُشير إلى أن الإسلام جاء بهدم تعظيم العلماء والدعاة إلى درجة التشريع.

وجوب احترام العلماء وتبليغ الدين بالعلم وتحذير من الفتوى بغير علم

يجب احترام العلماء وعدم تقديسهم أو امتهانهم، كما يجب تبليغ الدين بالعلم وليس بالعاطفة أو الجهل. النبي عليه الصلاة والسلام حذر من الفتوى بغير علم، حيث يؤدي إلى الضلال وإضلال الناس.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الرابعة والسبعون: دعوتهم الناس إلى الضلال بغير علم، وهذه من خصائص الجاهلية، ومن صفاتهم ما كان من أمرهم من دعوتهم الناس إلى غير علم، وإلى الضلال، وإلى المهالك. ذكر المؤلف رحمه الله تعالى، كما سيأتي في الفقرة السابقة أو التي ستأتي بعدها، أن أهل الجاهلية هم في مضمار الدعوة على قسمين اثنين: منهم من يدعو بغير علم، ومنهم من يدعو بعلم. والآن سيأتي ذكر المؤلف رحمه الله تعالى بعد هذه الفقرة: دعواهم إياهم إلى الكفر مع العلم، فهم في باب الدعوة منهم من يدعو بغير علم، ومنهم من يدعو بعلم. فهذا من صفاتهم، وهذا موجود في مجتمعاتهم، فهنا بدأ المؤلف رحمه الله تعالى بالذي يدعو بغير علم، فقال: دعوتهم الناس إلى الضلال بغير علم. وقد ذم ذلك ربنا جل وعلا عن أهل الكفر، أنهم يدعون غيرهم بغير علم، وأن الكثير منهم هم على هذا الصنف. ومن هذا الصنف، كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾، فذكر العلماء من ذلك ما كان منهم من تشريعهم في أمر الوصيلة والحام، وكيف أنهم حرموا على الناس بعض البهائم والنعم، وكل ذلك من جراء أهوائهم، وكل ذلك بغير علم. ولهذا سمى ربنا جل وعلا ذلك ضلالا، فقال: ﴿لِيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾، فسمى ربنا أن دعوة الغير بغير علم سماها ربنا جل وعلا ضلالا، سواء شعر هذا الداعي بهذا أو لم يشعر، فهذا وصفه أنه ضال. فكل من انبرى أن يدعو غيره بغير علم فهو ضال، لهذا النص المحكم من ربنا سبحانه وتعالى. وهذه الفقرة إخواني في الله تفيدنا بعدة فوائد، ويهمنا في هذا المقام ما يتعلق بثلاث مسائل تستفاد من هذه الفقرة. في قوله المؤلف رحمه الله تعالى: دعوتهم الناس إلى الضلال بغير علم، يستفاد في هذا أن الكفار في مجتمعاتهم الجاهلية كان عندهم دعاة، وكان عندهم علماء، وكان عندهم الأحبار والرهبان، بل عندهم كذلك أئمة. فكان هذا المجتمع الجاهلي الوثني الكافر، سواء كان من مشركي العرب أو كان من اليهود والنصارى، كانوا يتمتعون بمثل هذه الطبقات من العلماء والدعاة والأحبار والرهبان. ولهذا قال المؤلف رحمه الله تعالى: دعوتهم الناس، أي: هناك من يدعو. بل قد صرح ربنا جل وعلا في كتابه، وهكذا نبينا صلى الله عليه وسلم بذلك، فقد ذكر ربنا جل وعلا أن هناك من يدعو، فقال: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾، فأثبت لهم ربنا جل وعلا أن لهم دعوة، لكن إلى نار الله وإلى غضب الله. وهكذا نبينا عليه الصلاة والسلام عندما ذكر ما يتعلق بأهل الضلال، قال: «دعاة على أبواب جهنم»، فهم دعاة يدعون غيرهم. وأيضا كذلك هناك منهم أئمة، أئمة لكن ليس أئمة حق، بل أئمة الضلال. ولهذا قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «إن أخوف ما أخاف على أمتي من الأئمة المضلين»، فقال ربنا: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾، فنص القرآن والسنة أثبت أن تلك المجتمعات كانوا فيها دعاة، وكانوا فيها الأحبار، وكانوا فيها العلماء، وكانوا فيها الأئمة. بل إن أهل الكفر والجاهلية لم يجعلوا هذه الطبقات من الطبقات الوضيعة، لا، بل كانت عندهم هي الطبقات الرفيعة. فكانت العرب، وكان أهل الكتاب يكنون الإجلال والإحترام والإعظام لأمثال هؤلاء. ما كانوا يقطعون رأيا في صلح أو في سلم أو في حرب أو في هدنة إلا رجعوا إلى علمائهم وإلى عبادهم وإلى رهبانهم يستشيرونهم، حتى بلغ بهم الأمر إلى تعبيدهم وإلى جعلهم معبودات تعبد من دون الله جل وعلا، كما ذكر ذلك ربنا عنهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، اتخذوها معبودات من دون الله جل وعلا تعبد. وكانت عبادتهم إياهم بطاعتهم في تحريم ما أحل الله، أو في تحليل ما حرم الله. لهذه الدرجة كان عندهم نص من التوراة والإنجيل في حرمة أمر معين، فإذا جاء القسيس أو جاء الراهب وأحل هذا المحرم، فالقول قوله، تعظيما لرأيه، فيجعل رأي الأحبار والرهبان يوازي برأي الشريعة عندهم. فدل ذلك على أن هذه الطبقات عندهم لها منزلة عالية، عندهم دعاة وعندهم أمراء وعندهم عباد، وكانوا يرجعون إليهم ويأخذون بقولهم ويستنون بهديهم. وكذلك في ذلك فائدة أخرى، وهي أن المؤلف رحمه الله تعالى لما قال: دعوتهم الناس إلى الضلال بغير علم، فيه إشارة إلى ما كان من أمر الجاهلية أن عندهم دعوة، عندهم دعوة، ليس الواحد منهم إخواني في الله يقتصر على ضلاله في نفسه، أو أنه على شرك ووثنية في شخصه، لا، بل كان عندهم الحماس إلى أنهم أرادوا أن يجروا غيرهم إلى ما هم عليه. ففتحوا باب الدعوة، فلا تظن يا عبد الله أن الدعوة هي خاصة لأمة محمد عليه الصلاة والسلام، بل غيرك يا عبد الله وهم على الضلال المبين، وهم على الكفر المبين، هم كذلك دعاة يدعون، ولا زالت دعواهم إلى هذه الأزمان. انظر يا عبد الله يمنة ويسرى في بلاد الكفر والشرك، تجد كيف أن الكافر وهو كافر، ومع ذلك يدعو، يبذل الشيء الكثير من وقته، من جهده، من عمره، بل من ماله، بل ولو أدى الأمر إلى أن يفني عمره في سبيل دعوته. وما الحروب التي وقعت بين أهل الإسلام وبين أهل الكفر في الصدر الأول عن نبي بعيد، أهل الإسلام في ساحات الوغى في القتال كانوا يرفعون راية التوحيد، يقاتلون من أجل رفع هذا الدين. والخصم الثاني، ما كان من كفار العرب، ما كان من فارس، ما كان من الروم، على ماذا يقاتلون؟ على دين باطل، على دين محرف، كانوا يقاتلون في سبيل نشر دينهم الباطل، وهم على دين فاسد. فدل ذلك على أن الكافر يدعو، فقال المؤلف رحمه الله تعالى: دعوتهم الناس. وكما قلنا، ومن نظر إلى أحوال الغرب في هذا الأزمان، يسمع الأمر العظيم، لو ربما إذا أرادوا أن يبنوا كنيسة أو يبنوا معبدا أو يدعموا القسيسين أو يرسلوا اللجان الكاثوليك أو الأرثوذكس في بلاد المسلمين، وأرادوا أن تدعم هذه الحملة، جاءهم الضخ العجيب من قبل دول على مستوى الحكومات، أو حتى على مستوى الأفراد، وهم على عبادة للصليب، أو عبادة لعزير، أو على الوثنية، ومع ذلك أيديهم ممدودة ليدعوا غيرهم إلى دينهم الباطل. وسل يا عبد الله عما يقع عند الكوارث وعند المصائب، وما يقع في أفريقيا، وما يقع في دول المنقطعة والمنبتة عن الناس، كيف أنها تستغل في دعوة التنصير، وإلى دعوة كذلك إلى غيرهم من الأديان. ففي ذلك مما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى دلالة على أن الكافر يحرص على دعوة غيره. وإذا قارن هذا بجهود أهل الإسلام، لرأينا البون الشاسع، ولعلمنا الحسرة، كما قال عمر رضي الله تعالى عنه فيما ذكر عنه: «اللهم إني أشكو إليك من عز المؤمن وجلد الكافر»، هذه المصيبة: مؤمن على دين وعلى حق، ومع ذلك يعتريه الوهن، يعتريه الضعف والمسكنة، بخلاف الكافر، وهو كافر، يأتيه الجلد والقوة والنشاط والهمة، هذا من المصائب التي ابتلينا بها في هذه الأزمان. وكذلك مما يستفاد من كلام المؤلف رحمه الله تعالى أن دعوة هؤلاء بغير علم، فقال رحمه الله تعالى: دعوتهم الناس إلى الضلال بغير علم، أي: أن دعوتهم يكتنفها الجهل، يكتنفها الجهل، ليس عندهم أدلة رصينة، ولا أدلة شرعية، إنما حسبهم أن الواحد منهم إذا دعا، دعا بما كانت عليه دعوة الآباء والأجداد، أو دعا بما عليه الأسلاف والأعراف والتقاليد، أو أنه يدعو على ما عليه قومه من عصبية. فتجد أن مضمار دعوته تدور على هذا، ما عنده علم بما يدعو إليه، دعا بما هو عليه من جهل، ومع ذلك فكونه يدعو بغير علم، وأنه جاهل، هل هذا يعتذر له؟ لا يعتذر له. فإن الله جل وعلا يعاقب من أمثال هؤلاء، أولا، ولو كان على جهل، ولو كان بغير علم، ومع ذلك فإن الله سبحانه وتعالى سيجعل له ماذا؟ العذاب العظيم، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾، أولئك الذين ضلوهم بغير علم. فإن أوزارهم ستطرح على ظهورهم، لأنهم دعاة، فإن كان دعا بعلم، عن خبث ودناءة، فإنه يعاقب، وإن دعا كذلك على حسن نية، بجهل، فإنه كذلك يعاقب، لأن دعوة إلى دين الله جل وعلا لابد أن تكون على علم. فهذه إخواني في الله المسائل الثلاث التي تستفاد من عبارة المؤلف رحمه الله تعالى: أن فيهم دعاة، وعلماء، وهناك من يدعو إلى دينهم الباطل، وأنهم يعظمون من أمثال هؤلاء، وفيه حرص الكفار على دعوة الغير، وفيه أن دعوتهم قائمة على الجهل. وهذه المسائل الثلاث إخواني في الله جاء الإسلام بهدمها، وتصحيح الأوضاع فيها. جاء الإسلام، وجاء نبينا عليه الصلاة والسلام بهدمها، وبتصحيح الأوضاع فيها، كون أن المجتمع بحاجة إلى العلماء وإلى الدعاة، نعم، هذا لا شك فيه، المجتمع لابد أن يحتاج إلى علماء يرجع إليهم، يسألهم، يسترشد بهم. فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون. بل النبي قد أخبر عليه الصلاة والسلام أن المجتمع من المجتمعات إن خلا من العلم والعلماء، فهو عرضة للهلاك والدمار، فلابد أن يوجد بين المسلمين من يتفقه في دين الله. بل جعل الشرع أن هذا من فروض الكفاية، من فروض الكفاية أن يوجد بين الناس من يعلم، من يفقه، من يرشد. لكن لم يجعل الشرع لأمثال هؤلاء من العلماء والدعاة ما كان عند اليهود والنصارى، وما كان عند الكفار من منزلة الغلو، أن يصل بهم الحال أن يوصلوا درجة العلماء والدعاة إلى درجة التشريع، لا، وإنما درجة هؤلاء هم تبع لشرع الله عز وجل. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، استفاد العلماء المحققون من أهل العلم عند هذه الآية، كأمثال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وابن القيم، وابن كثير، وجماعة، إلى أن سياق الآية أن الله جل وعلا جعل الطاعة لله ولرسوله، وعراها عن العلماء. لماذا عراها؟ ما قال: وأطيعوا الأمر منكم، ما جعل لولاة الأمور سواء كانوا هم العلماء أو الأمراء، وصح أنه يشمل هذا وهذا، لم يجعل لهم طاعة لوحدهم، لماذا؟ قال العلماء: لأن في ذلك إشارة إلى أن طاعة العلماء هي تبع لطاعة الله، ولطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام، أم أنهم يعطون طاعة مستقلة توازي وتداني طاعة الله والرسول، فلا، هذا لا يوجد في شريعتنا. وللأسف إخواني في الله أن نجد أن مجتمعات المسلمين في تعاملهم مع العلماء على طرفين نقيض، من الناس من ربما يجل العلماء إجلالا إلى درجة البدعية والتقديس والتعظيم، كما كان عليه أهل الكتاب من تعظيم العلماء. وهذا كما يكون حال المريد عند مشائخه من المشائخ الذين على الطرق المبتدعة، أن يعلم المريد، يعلم المبتدئ، أن يعظم شيخه حتى يقال: من آداب المريدين في طلبهم للعلم عند مشائخهم: «كن عند شيخك كالميت عند المغسل»، تخيل ميتا إذا كان عند مغسله، كيف يفعل به؟ يقلبه يمنة ويسرى، والميت لا يحرك ساكنا. فكان بعض الطرق المبتدعة يعلمون الطلاب، طلاب العلم، أن يكون عند أشياخهم من باب التعظيم والقداسة، ألا وإن هذا الحال أنك لا تتردد في كل قول يتلفظ به، أو بكل أمر يأمرك به، وإنما عليك السمع والطاعة المطلقة. حتى قال من قال منهم لشيخه: لما لم أفلح؟ قال له: منعه حتى على الطالب أن يستدرك، يستدرك، لا تستدرك، وإنما ماذا؟ عليك بالتبعية المطلقة. وهذا كمثير مما كان عليه أهل الجاهلية من تعظيمهم للعلماء والأمراء. لكن الشرع العالي يبلغ إذا احتاج إلى توجيه، احتاج إلى إرشاد، أو إن يسأل، أو كذلك أن تستفتيه ببعض مسائلك، فلك يا عبد الله ذلك. والعالم من العلماء هو عرضة للخطأ، فليس بمعصوم. وكذلك هناك فئة ثانية على خلاف ذلك، إذا كان هؤلاء عظموا العلماء لدرجة التقديس، فإن بعضهم لو ربما أحط من قدر العلماء إلى درجة الامتهان، سواء كان من بعض اللادينيين أو الليبراليين أو اليساريين، الذين يجعلون هؤلاء المشايخ إنما هم أهل نفاق، وأهل حب الأموال، وأنهم دسيسة، وأنهم يعرقلون على العقول الحرة. فلا زالت سهام من أمثال هؤلاء تلقى على صدور العلماء، حتى أسقطوهم، هذا ليس من دين الله. وكذلك من أمثال هؤلاء ما نرى من الأحداث والغمرة والسفهاء ممن هو على هذه الوتيرة، ممن لا زال يلوك بأعراض العلماء، لا يجعلهم في حفاظ لقدرهم، ولا جعل وزنا لمثقالهم، وإنما يجعلهم في الدرك الأسفل في المجتمع، فيجعلهم أضحوكة يتضاحك عليهم في المجالس العامة والمجالس الخاصة، ويهتك عرضهم عند الحاجة وعند غير حاجة. بل أصبح هؤلاء من سيمتهم ومن شعارهم الطعن والقدح في أعراض العلماء، وهذا كذلك يا عبد الله ليس من دين الله جل وعلا. نحن كما لا ندعو إلى التقديس، لا ندعو إلى امتهانهم، والحط من قدرهم، وإنما تعطى منزلتهم التي أعطاهم الله جل وعلا. فالعلماء هم ورثة الأنبياء. المسألة الثانية، وهي كما أن الكافر يحرص على تبليغ دينه المحرف، فكذلك المسلم، جاء نبينا عليه الصلاة والسلام، وأرشد الأمة إلى ضرورة تبليغ دين الله، ورفع نبينا الإشكال واللبس الذي يوجد عند بعض الناس. ولقد وجد كذلك في أزماننا، عندما ظن أن التبليغ والدعوة لله جل وعلا ولدينه إنما ينحصر على فرقة أو على طائفة أو على فئة، لا، يا عبد الله، لهذا يقول نبينا عليه الصلاة والسلام: «بلغوا عني ولو آية»، أطلقها نبينا عليه الصلاة والسلام، وجعل التبليغ لكل واحد من أمته. «بلغوا عني ولو آية»، وحث نبينا صلوات ربي وسلام عليه على مضمار الدعوة، فقال: «نضر الله امرأة سمعت منا مقالة، فأدتها كما سمعتها»، ليس من شرط التبليغ أن تكون متمكنا، أن تكون مفوها، أن تكون صاحب جزالة في المعاني وفي المفردات، لا، يا عبد الله، لو عندك وعي وحفظ لما قالت النبي عليه الصلاة والسلام: «ولو مقالة واحدة»، فأدها، فإن ذلك مما حث عليه نبينا عليه الصلاة والسلام. فقد «نضر الله امرأة سمعت منا مقالة، فوعاها، ثم أدتها كما سمعتها». تسمع يا عبد الله حكما شرعيا، فافعل. ولنا عبرة يا عبد الله، وأقولها بمضابة: ليس لك عبرة بسلفك فقط، بل لك عبرة بأعداء الدين. ادع يا عبد الله كما يدعون، بذل أموالهم، أعمارهم، أوقاتهم، بذل الغالي والرخيص في سبيل دينهم، فأنت يا عبد الله من باب أولى، فإنك إن تألمت، فإنهم يألمون كما نألم، لكن الفرق الذي بيننا وبينهم أننا نرجو من الله ما لا يرجون، نرجو من الله ما لا يرجون. المسألة الثالثة إخواني في الله: أن الكفار عندما يدعون بغير علم، فنحن أمرنا أن ندعو بعلم، أمرنا أن ندعو بعلم. قال جل في علقه: ﴿هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾، فنبينا، ومن كان من أتباع الرسول عليه الصلاة والسلام إذا سلكوا مضمار الدعوة، فإنما يسلكون باب العلم. لا تأخذك الحمية أو العاطفة أنك ترتجل بين الناس، يا عبد الله، فتوزع المنشورات أو توزع المطويات أو تأتي بالألفاظ والمعاني وأنت لا تدري بحقيقة ما بين يديك، لا، هذا لا يجوز. ولهذا قال نبينا: «نضر الله امرأة سمعت منا مقالة، فوعاها، ثم أدتها كما سمعتها»، فينبغي إخواني في الله لمن أراد أن يدعو أن يتسلح بالعلم. وإن هلاك المجتمعات، وخاصة هذه الأمة في آخر الأزمان، إنما يأتي هلاكها إذا تولى للدعوة من لا علم له، إذا تولى للدعوة من لا علم له. ويكفينا الأحداث الموجودة في هذا الأزمان، والواقع خير شاهد، ما الذي نراه؟ وما الذي حل على البلدان الإسلامية والعربية من المهالك والمصائب؟ فتحت حمامات الدماء، أزهقت الأرواح، دمرت البلاد، وطرد العباد، النفي والترحيل، والقتل والقتال، والإزهاق. مما هذا كل ذلك يا عبد الله؟ لو رجعنا إلى الماضي لعلمت أن ذلك من جراء فتاوى خرجت من ثم أصحابها، وهم ليسوا أهلا للفتوى. لو أن هؤلاء من أمثال هؤلاء كفوا عن الفتوى، وعلم كل منهم مقدار نفسه، ذاك حسب مفكر، وآخر مرشد، وآخر مدرس، لأن كل واحد منهم التزم بمضماره ومقامه، وما تصدر لأن يفتي في دين الله جل وعلا، وخاص في النوازل العظام، لكفى الله جل وعلا الأمة من هذه الويلات. وصدق نبينا عليه الصلاة والسلام حيث قال: «إن الله لا ينتزع العلم انتزاعا ينتزعه من صدور الناس، ولكن ينتزع العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم، أو يبق عالما، اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا». فالذي يفتي بغير علم هو ضال مضل، ضال في نفسه، مضل لغيره. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.