شرح الأصول الستة 7

شرح الأصول الستة 7

الدرس في شرح الأصول الستة 7، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

انتشار الشرك وتبريره

يتحدث الدرس عن انتشار الشرك في بعض المجتمعات الإسلامية وتبريره تحت مسميات شرعية. يمارس الناس طقوس الشرك علنًا ويعتبرونها من توحيد الله.

أمثلة على الشرك لدى الفرق القبورية

يذكر الدرس أمثلة على الممارسات الشركية لدى الفرق القبورية، مثل تفضيل الأولياء على الله في الدعاء واستخدام أناشيد شركية في المولد النبوي. هذه الممارسات تعتبر من الشرك بالله.

ضلالات الصوفية في الغلو والشرك

يتناول الدرس انتقادًا لآراء بعض الصوفية الذين يعتبرون التوحيد مظهرًا من مظاهر الوثنية، ويستدل على ذلك بعبارات وأفعال لبعض كبرائهم مثل الدعوة للاستغاثة بالأنبياء والأولياء.

ختام الدرس والتأكيد على العلم الإلهي

يختتم الدرس بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويؤكد على أن الله تعالى هو الأعلم، ويظهر الرغبة في نيل البركة والرضا الإلهي.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلازلنا إخواني في الله في الأصل الأول من الأصول الستة التي ذكرها الشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في رسالته الصغيرة، في المتن العظيمة في المعنى والقدر، وهي الأصول الستة. والأصل الأول وهو مداره على إخلاص الأعمال، بل وإخلاص الدين لله جل وعلا. وأن المسلم عليه في كل أقواله وأعماله واعتقاداته، وفي كل تعبده ينبغي أن يتوجه ظاهرًا وباطنًا إلى الله جل وعلا. وبهذا السير سيكون من الموحدين حقًا وصدقًا. وبالمقابل، كما أن العبد يكون مخلصًا في أعماله، ينبغي كذلك أن يفارق ملة الشرك. وقد ذكرنا هذا في دروس سابقة، على أن من كان مخلصًا انتفى عنه الشرك، والعكس بالعكس، فمن وقع في الشرك فقد انتفى منه الإخلاص. فكل من خرج من الإخلاص فقد وقع في الشرك، على قدر انتفائه وعلى قدر بعده من هذا الركن الأكين ومن هذا الأصل الأصيل. والمؤلف رحمه الله تعالى في هذه الفقرة والصفحة الأولى ذكر وألمح إلى أشياء كثيرة، وقد عرجنا على بعضها. لكن في نهاية أمره قال: ثم لما صار على أكثر الأمم ما صار، أظهر لهم الشيطان الإخلاص في صورة تنقص الصالحين والتقصير في حقوقهم، وأظهر لهم الشرك بالله في صورة محبة الصالحين واتباعهم. إخواني في الله، مما يذكر في هذا المقام، وقد ألمح إليه المؤلف رحمه الله تعالى، أن الشرك قد وقع في هذه الأمة. ومن تأمل في أرجاء المعمورة في بلاد الإسلام يرى مدى انتشار الشرك بين أهله. لكن من العجب العجاب في هذا الباب أن الشرك مع خبثه ومع قبحه، كان من المظنون أن من تورط فيه أن يمارس طقوس الشرك يمارسها بخفية وبحياء وباستتار. لكن العجب في هذا الباب أن الذي يفعل الشرك في هذه الأزمان أصبح يتبجح به ويظهر ذلك علنًا ولا يبالي، بل ويفتخر بتأدية هذه الطقوس الشركية. وأعجب من هذا العجب أن يسمي هذا الشرك وهذه الرذيلة بأسماء شرعية، بأنها من توحيد الله جل وعلا، بل إن ذلك مما يحبه الله ويرضاه. وهنا عظمة البلية، والشرك هذه المصيبة، ثم المجاهرة بالشرك هذه المصيبة الثانية، ثم جعل هذه المصيبة وهي الشرك أنها من صميم الدين ومن ملة المرسلين. وهذا سيأتينا في هذا الباب، إخواني في الله. وسننكر بعض المقاطع والمقاطف من هؤلاء، لتلوثهم بهذه اللوثة الشركية، وأصبحوا هم بحق عباد القبور، يعظمون الموتى ويعظمون الأولياء والأنبياء، ويرفعونهم على فوق قدرهم، بحيث أصبحوا يتوجهون إليهم بالعبودية والتعبد. ومع هذا كله تحت مسميات شرعية. والناس إخواني في الله في هذا الباب، عندما يسمعون من أهل السنة عندما ينددون بالشرك ويحذرون من الشرك ويظهرون ويذكرون بعض مظاهر الشرك التي ظهرت، تجد أن بعض ممن فيه غفلة يقول: إن أهل السنة يبالغون في هذا الباب، وأنهم ينمقون العبارات ويزيدون في ذكر حكايات وقصص ليس لها أساس من الصحة. ويقولون: نعم، قد تقع هذه المظاهر الشركية، قد تقع، لكن تقع من الغثاء، تقع من الدهماء، لا تقع من الكبار ولا من الأكابر. فمن أجل هؤلاء والرد على أولئك، ففي هذا المقام إخواني، سنذكر بعض العبارات لبعض علمائنا، وكذلك لبعض دعاتهم، حتى نرى مصداق ما ذكره المؤلف من حصول الشرك ومن الظهور والتبجح بالشرك. بل إن أصبح هذا الشرك يظهر أمام الناس على أنه من المسائل الشرعية في هذا الباب. ومظاهر هذا كثيرة وكثيرة جدًا. ومن هذه المظاهر ما ذكره الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى، قال: بأن من كان عليه الحق، كما في كتاب تطهير الاعتقاد، أن من كان عليه الحق لو حلف باسم الله لم يقبلوا منه، فإذا حلف باسم ولي من أوليائهم قبلوا وصدقوا. وهذا ما يتعلق بالحلف والأيمان، وهذا موجود. بل حتى أخبرت أن في بعض مراكز الأمن وفي الشرطة في بعض الدول والقرى، أنهم إذا أرادوا أن يحلفوا سارقًا أو يحلفوا مجرمًا لا يحلفونه باسم الله، قالوا: إذا حلفنا باسم الله فإنه سيحلف بالله كاذبًا ولا يبالي. فماذا يفعلون؟ فيحلفونه باسم ولي هذه القرية، طبعًا لكل قرية ولكل بلدة ولكل ناحية ولي، ويستغيثون به ويستنجدون به. فهذا هو الرمز عندهم، وهو عليه الولاء والبراء. فإذا أراد أحد من أفراد الشرطة أن يحلف أحد ممن عليه الحق، حلفه باسم الولي من أولياء الله. فإذا حلف به صدقوه، لأنه ما يظن أن وليًا يوقع أن فلانًا من الناس يحلف باسم الولي كذبًا، ما يظن هذا. أما إن حلف باسم الله، فهذا ما ظنوا الكذب لعدم تعظيم رب العزة والجلال في قلوب هؤلاء. وهكذا ما ذكره الآلوسي رحمه الله تعالى، كما في كتابه روح المعاني، قال: يقول عن بعضهم، وكان يتكلم في هذه الآية عن بعض من عظم القبور وعظم الموتى والأولياء، قال رحمه الله تعالى: يقولون إن الولي أسرع إجابة من الله. فهذا ليس قول أي أحد، هذا قول العالم من علماء السنة، هو الآلوسي رحمه الله تعالى. وقد ذكر هذه العبارة عن جلساء وعن مصاحبة وعن تفاهم أمثال هؤلاء، فيدندنون على أن الولي أسرع إجابة من الله. إذا عندك معضلة وعندك مشكلة ووقعت في أزمة وأردت الفرج، فعليك باللجوء لا إلى الله، لكن إلى الأولياء. لماذا؟ لأن الأولياء أسرع إجابة من الله جل وعلا. وأذكر قصة ذكرها كاتب، هو كاتب عراقي ألف كتابًا ورسالة، وكان يتكلم عن هذه العادات وهذه المظاهر الشركية. ذكر عن إمام وخطيب ينتسب إلى أحد هذه الفرق القبورية، فيقول هذا الخطيب عن نفسه ويتبجح أمام العامة بتفضيل الولي على الله، أعوذ بالله، في باب الدعاء والاستجابة. فيقول هذا الخطيب: قال إني دعوت الله جل وعلا ستة سنوات في أن يرزقني بولد، ابتلاه الله بما ابتلاه به يعقم، فما رزق بولد. قال: دعوت الله ست سنوات، يعني يذلك على المصابرة والمجاهدة في باب الدعاء. قال: فلم أرزق بشيء. قال: ثم دعوت شيخي مصطفى النقشبندي، وهم الأولياء الأموات. قال: ثم دعوت مصطفى النقشبندي في إربيل وفي أرض العراق في إربيل. قال: فما إن دعوت له، فما إن استغثت به، حتى رزقت بطفلين توأمين. يعني تخيل إخواني في الله، مثل هذه العقيدة موجودة عند هذا الرجل، وهو ليس أي أحد، ليس عامة وليس دهماء وليس غوغاء، بل رجل منسوب من دعاتهم وإمام وخطيب في تلك النواحي، ويقول هذا القول. فما بالك بهذا الذي استطع أن يعبر بلسانه بكل جرأة: دعوت الله، قال الله ما استجاب لي ست سنوات وأنا مع الرب جل وعلا، فما استجاب. لكن هذا الشيخ، انظر إلى سرعة استجابته. قال: فما إن استغثت به مباشرة حتى رزقت بطفلين توأمين. فإخواني في الله، أيش نسمي هذا؟ أليس هذا شركًا صراحًا؟ أليس هذا شرك الجاهلية؟ يمكن أن الكفار ما تفاخر أحد، ما افتخر أحد أن يفتخر على أحد من أولياء الله ومن أصنام على الله جل وعلا، ما كان يداني صنمًا بالله جل وعلا. أما هؤلاء، بل يفضلون الأولياء على الله سبحانه وتعالى. ويقول كذلك من المعاصرين لهذه الفرق ممن عاصرهم وعايشهم الشيخ عبد الرحمن الوكيل رحمه الله تعالى، ومحقق كتاب مصرع التصوف، ذكر في مقدمة كتابه كيف أنه كان قد ابتلي في صغره بما شاءت هذه الفرقة من القبورية، وأنه كان يحضر معهم المزارات ويحضر معهم الزيارات ويحضر معهم الموالد ونحو ذلك. فحكى عن نفسه رحمه الله تعالى يقول: فكنت في زيارة لمولد أحمد البدوي، وأحمد البدوي معروف ومن دعاتهم ومن كبرائهم، وله سجل حافل، طبعًا ليس سجلًا مشرفًا بل غير مشرف. فهذا الرجل جعل ندًا لله جل وعلا، يطاف حول قبره ويستنجد به ويستغاث به. الشاهد أن هذا الشيخ ذكر أن في هذه الزيارة كان يجتمع الناس من كل مكان، فتقام الحفلات، ومن ذلك تقام تلك الأناشيد الشركية. فكل واحد منهم يأتي بنشيد أخبث من الأولى، وكلما كان ولغًا في الشرك كان ذلك محل ممدحة للناس وعند الناس. فذكر الشيخ رحمه الله تعالى قصيدة، وكان بعضهم ينشد هذه القصيدة يقول في أبياتها -طبعًا هذا بالترنم يترنمون- وكأننا سنذكر بيتًا بيتًا مع الترنم. يقول: ولي صنم في الدير أعبد ذاته. يقول هذا المنشد: ولي ماذا؟ ولي. قال لي -يعني الملكية- ولي صنم، صنم ماذا فعل به؟ قال: ولي صنم في الدير أعبد ذاته، أي عندي صنم في محل عبادتي أعبد ذات هذا الصنم. يعني ما رأيكم؟ هل في تعليق على هذا الكلام؟ هذا شرك صراح. يقول: لي صنم في البيت أعبده أعبد ذاته. يقول هذا. تأتي الطرفة الآن، يقول شيخ: قال فكان من كان حوله من الأتباع ومن المريدين ماذا يفعلون؟ يقولون -طبعًا باللهجة المصرية- أيوة كده أكفر، أيوة كده أكفر. ويأتي آخر يقول: أكفر يا مربي، أكفر يا مربي. طبع. عندهم أن شخصًا كلما زاد في الكفر، كلما زاد في الشرك، فهذه منقبة. هذه محمدة، كما قال المؤلف رحمه الله تعالى: تنعكس الموازين عند الناس، من تلفظ بالكفر الصراح، بالكفر الذي ليس بعده كفر، من عبادة لغير الله جل وعلا، والتوجه إلى الأصنام والأوثان وغيرها من الأولياء. أن هذا يبلغه ماذا؟ إلى حد الذروة وإلى حد القمة. ومن هنا تأتي بعض الصلوات كذلك، يجرنا هذا إلى أن بعض الصلوات -طبعًا هذه الفرق القبورية تختلف في صورها وفي أسمائها، النقشبندية والأحمدية والرفاعية والقادرية- هناك فرقة لها صلوات خاصة تذكرها وتتلوها. وهي كما تسميها بعضهم بصلوات ابن بشيش، ابن بشيش صلوات خاصة تتلفظ بها بعض هذه الفرق التي تتبنى هذا السلوك. فمن ألفاظ هذه الصلوات يذكرونها، يقولون -طبعًا هي صلوات كثيرة، لكن أذكر الشاهد منها حتى تعلمون مصداق ما قاله المؤلف رحمه الله تعالى عن عكس الموازين، أن الشرك يكون توحيدًا والتوحيد يكون شركًا. قال: يقول هؤلاء في صلواتهم: اللهم زجبي في بحار الأحدية، وانشلني من أوحال التوحيد. زجبي في بحار الأحدية، أي ماذا؟ أن الله عين الوجود، الاتحاد بأن الله كل شيء. وهذا هو الكفر الذي ليس بعد الكفر، أن الله كل شيء، وأن الله يحل في كل المخلوقات. طبعًا هناك عن الحلول وعين الاتحاد، لكن بمعنى العام: أن الله يحل في كل شيء، في كل ذوات، في كل بهائم، في كل شيء. فيقولون هؤلاء: أن هذا هو التوحيد عندهم، أن الله يحل في كل شيء، هذا التوحيد. فيقول: اللهم زجبي في بحار الأحدية، وانشلني -يعني الانتشال والإخراج- وانشلني من أوحال التوحيد. أصبح التوحيد ماذا؟ وحلًا. وما الوحل؟ الوحل: نسل خلوب، هذا الطين مع الماء الذي الناس يترفعون عنه. يرى هذا أو هؤلاء يرون أن بقاءهم في التوحيد، توحيد الله جل وعلا، وأن هناك خالقًا ومخلوقًا، وإلهًا مألوهًا وعابدًا يعبد، معبودًا من دون الله، معبودًا، أن هذه مسائل التوحيد، هذه مستنقعات، مستنقعات أوحال. لأجل أن يترفعوا عنها، حيث يكون هذا من أصحاب الحلول ويحدث بوجود. فقال: وانشلني من أوحال التوحيد. فهذا إخواني في الله، مآل من أمثال هؤلاء ممن ضرب الله على قلوبهم، فأصبحوا يجعلون التوحيد ماذا؟ مظهرًا من مظاهر الوثنية الذي ينبغي أن يترفعوا عنه. وكذلك من عباراتهم، هناك من كبرائهم في هذه الأزمان، صاحب كتاب هذه مفاهيمنا، وهو معروف مشهور عندهم، وألف كتبًا، ومن أخبث كتبه هذا الكتاب: هذه مفاهيمنا. وقد تصدى له علماء التوحيد حفظهم الله من الأحياء والأموات، تصدوا لهذا الكتاب بالرد عليه. الشاهد ماذا يقول هذا الداعية؟ نحاول نرد على من يقول: إن ما تأتون به من الادعاءات، أن هؤلاء يعظمون غير الله، أن هذا كله ليس بصحيح، وإن صح، فإن هذا من الغوغاء والعامة الجهلة. لا يا عبد الله، بل هذا من أصول دعوة الكبراء، كبرائهم ودعاتهم وعلمائهم، هم يفتخرون بهذه الدعوة. فيقول هذا الرجل في كتابه هذه مفاهيمنا: قال: الاستغاثة عند الشدائد بأكابر المقربين من أعظم مفاتيح الفرج، ومن موجبات رضى العالمين. الاستغاثة عند الشدائد بأكابر المقربين من أعظم مفاتيح الفرج، ومن موجبات رضى العالمين. هل بالله عليكم هذا رضى للرب جل وعلا؟ أنك تستغيث بالمقربين من الأنبياء ولو يا لا عبد الله، هذا الشرك بالله عز وجل. بل هذا من أعظم موجبات سخط الله جل وعلا على الأفراد والمجتمعات. لكن ما حيلتنا إذا كان هذا حال أكابر؟ فما ظنك بالأصاغر؟ ويقول كذلك: ومن طريق ما يذكر رسالة، تخيل عنوان رسالة، فما رأيك بمضمونها؟ وهذه الرسالة ألفها رجل اسمه عبد الله المحجوب المرغني، عبد الله المحجوب المرغني. سمى رسالته: تحريض الأغبياء على الاستعانة بالأنبياء والأولياء. تحريض الأغبياء على الاستعانة بالأنبياء والأولياء. من الأغبياء هنا؟ الموحد، أنت يا موحد مغفل، أنت يا موحد غبي، أن عليك أن تستغيث بالأنبياء والأولياء. فقال: تحريض الأغبياء على الاستعانة بالأنبياء والأولياء. طبعًا هذا عنوان رسالة، فما ظنك بمضمونها؟ الكفر الصراح، والله حول وقوة إلا بالله. لكن هذا الذي نريد أن نبينه ونؤكد له لكل من يستمع ولكل من يفهم لدعوة أهل السنة والجماعة، أن أهل السنة ما جنوا على هؤلاء أبدًا، بل هذا مما سطرته أيديهم. وكذلك مما يذكر في هذا الباب، ما ذكر كذلك عن كبرائهم، عن أبي تراب أبي تراب النخشبي، هو من كبار هؤلاء. انظر إخواني في الله، واسمع على هذه القصة العظيمة، التي ما أحد يستصيغ أن يتلفظ بها، فضلًا أن يعتقد بها. يقول هذا أبو تراب النخشبي: أنه كان معجبًا ببعض المريدين، ببعض المريدين. فقال أبو تراب لهذا المريد: قال كيف لو رأيت أبا يزيد؟ كيف لو رأيت أبا يزيد؟ وهذا كبراء من كبرائهم، وزعيم زعمائهم. فقال هذا المريد: ويحك، وماذا أفعل بأبي يزيد وقد رأيت الله وقد رأيت الله، فأغناني عن أبي يزيد. طبعًا القصة هنا ما انتهت هنا، شيء من جلدك اسمه ما بعد ذلك. فلما سمع أبو تراب هذه العبارة، يقول هذا المريد: ويحك قد رأيت الله، فأغناني عن أبي يزيد. قال يا أبو تراب، قال: فهاجني الطبع ولم أتمالك، ولم أتمالك نفسي. فقلت: ويلك، ويلك أتغتر بالله؟ لو أنك رأيت أبا يزيد مرة لكان أنفع لك من أن ترى الله سبعين مرة، لأن ترى أبا يزيد مرة أنفع لك من أن ترى الله سبعين مرة. وهذه القصة ذكرها الغزالي رحمه الله في كتاب إحياء علوم الدين في المجلد الرابع. فانظر إخواني في الله كيف هم مع الله جل وعلا؟ فهذا همهم وهذا مآلهم، وهذا ممن طمس الله جل وعلا على قلبه. وإخواني، مساء كثيرة ومقاطع كثيرة في هذا المقام، وأظلم المساء الوقت قد دخل عليه. لكن تأتي مسألة، وهذه تتبع إن شاء الله في درس غد بإذن الله. وهي قلنا: ما الذي أوقع الناس بهذا؟ لماذا الناس انقلبت عليهم الموازين؟ طبعًا المؤلف قد مهد لك، فقال: هذا من تزين الشيطان، الشيطان زين للناس هذه الفعلة، فجعل عندهم التوحيد شركًا والشرك توحيدًا. طيب ما هو المدخل؟ ما هو الباب؟ ما هو الباب الذي استطاع الشيطان أن يطرقه على هؤلاء فدخل منهم؟ أنت تتصور أيش من الباب؟ الأبواب كثر، ما الذي يكفي الصدر عنه؟ يقلب على هؤلاء مفاهيمهم. يأتي أحد يجعل هذا الولي أفضل من الله، أن الولي أسرع إجابة من الله، أن الولي أنفع من الله، أن الله لا شيء، أنا توحيد الله لا شيء، وحل. طيب كيف استطاع الشيطان أن يدخل في هؤلاء ويغير مفاهيم هؤلاء؟ الأمر إخواني في الله، والإجابة: أنه طرق عليهم باب الغلو، باب الغلو هو الغلو في الذوات، والغلو في الصالحين خاصة. وكما قال من قال من علمائنا: من أوسع أودية الباطل الغلو في الأفاضل. إن شاء الله هذا يلحق بإذن الله في درس غد، حتى نعلم حقيقة هذه المسألة وهذا الباب، وهذه الطريقة الخبيثة، وهي الغلو. وكيف أدت إلى أمثال هؤلاء؟ ليس إلى هؤلاء بل إلى جميع وغالب من الضال والكافر والمنحلة والمرتدة، أن ما وقعت فيه الذي وقع فيه من الشرك والكفر إلا بغلوهم بماذا؟ بكبرائهم وبزعمائهم وبصالحيهم. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.