التعليق على شرح الورقات للشيخ العثيمين 4

الدرس في التعليق على شرح الورقات للشيخ العثيمين 4، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تعريف الأحكام الشرعية

يبدأ الدرس بتعريف الأحكام الشرعية مثل المكروه والحرام والمندوب والواجب، حيث يُوضح الفرق بينها وبين بعضها البعض. يُبيّن أن المكروه هو ما يُثاب على تركه ولا يُعاقب على فعله.

أحكام تارك المحرم

يتناول المقطع شرح أقسام تارك المحرم، حيث يصنف تارك المحرم إلى أربعة أقسام بناءً على نيته وفعله، ويُبيّن أن بعض الحالات قد تُعاقب على النية أو العزم على فعل المحرم. يُوضح أيضًا أن تارك المحرم ليس دائمًا مثابًا.

ترك المحرم لله وتطبيقاته

يشرح المقطع معنى ترك المحرم لله ويبين أن هناك أربعة أقسام لتارك المحرم، مع التركيز على من ترك المحرم لله، ويضرب أمثلة من القرآن والسنة على ذلك. يُظهر أن كلام المؤلف ينطبق على هذه الحالة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه. ومعنى ما بدأ به الناظم -رحمه الله-، قال: ضابط المكروه عكس ما ندب، كذلك الحرام عكس ما يجب. فقال: قوله: ضابط المكروه، يعني تعريف المكروه. وقوله: عكس ما ندب، والمندوب ما في فعله الثواب، ولم يكن في تركه العقاب. كما ذكر المؤلف -رحمه الله- أن الفقهاء غالبًا يعرفون بالثمرة، والمناطقة والفلاسفة والأصوليون يعرفون بالماهية وحقيقة الشيء. وهذا الأصل، لكن الفقهاء يرون أن هذا لا أهمية له من ناحية التطبيق العملي؛ لأن الفقهاء يهتمون بفعل المكلفين، فعل المكلفين من ثواب وعقاب. فلهذا فهم يهتمون بهذا الباب، مثل ثمرة هذا الحكم وفائدته. فلهذا فهم يهتمون بالثمر فقط. وهنا الناظم لم يعرف المكروه، وإنما قال: عكس ما ندب. فالمندوب ما في فعله الثواب، ولم يكن في تركه العقاب. وهذا المكروه عكسه، ما في تركه الثواب، ولم يكن في فعله عقاب. فقال: فالعكس أن المكروه هو ما في تركه الثواب، ولم يكن في فعله العقاب. هذا من حيث الحكم. لكن هل هذا ينطبق على كل مكروه إذا تركه الإنسان يؤجر عليه؟ معنى ذلك: لا، شك أنه إذا تركه لله. لهذا ذكر العلماء أن من كمال التقوى ترك المكروهات. كمال التقوى ترك المكروهات، وفعل المستحبات. أنها التقوى على درجتين: الدرجة الأولى هي فعل الواجبات، والترك المحرمات. هذا يعتبر تقوى. والدرجة الثانية، وهي الأعلى، أن يترك أيضًا المكروهات، ويفعل المستحبات. لكن أهم شيء ترك المكروهات، كما أن أهم شيء في التقوى أيضًا ترك المحرمات. ولا شك أن فعل الواجبات لا بد منه، لكن تتركز التقوى في ترك ما حرم الله. وكذلك هنا معنى أكثر ما تتركز التقوى في ترك المكروهات، أي كمالها؛ لأن المكروهات هي باب إلى المحرم. مكروه باب إلى المحرم. فإذا تساهل العبد في المكروهات، فإنه لا شك أنه سيقع في الحرام. مثل الرعي يرعى حول الحمى، قال: في العكس أن المكروه هو ما في تركه الثواب، ولم يكن في فعله العقاب. هذا من حيث الحكم، وعلى هذا من ناحية الحكم. وكما قلنا على طريقة الفقهاء؛ لأن الفقهاء يهتمون بأفعال المكلفين. ولهذا كما ذكرنا قبل، وذكر الشيخ أن تعريف الفقهاء، وتعريف الأصوليين أو المناطقة يختلف. يختلف من ناحية اللفظ؛ لأن الفقهاء يبحثون في المدلول، والأصوليون يبحثون في الدليل نفسه. فلهذا فيعرفونه بتعريف مسائل الفقه ودلالتها. قالوا: على هذا فاعل المكروه لا يكون فاسقًا، ولو أصر عليه؛ لأنه ليس عليه عقاب. فلو كان الإنسان مصرا على الالتفات في الصلاة، كلما مر واحد اتبعه ببصره، أو بصره دائمًا، مصر على هذا. نقول: هذا الرجل فعل مكروه، فلا يعاقب، لكنه لو تركه لله، أثيب. أنا هذا على القول بالكراهة. النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد». قال: والحرام عكس ما يجب. طيب، فخلاصة المكروه أنه عكس المندوب من ناحية الحكم. لكن هل هناك مسألة ذكرها العلماء، وهي: هل ترك المندوب يعتبر مكروه؟ هل ترك المندوب يعتبر مكروه؟ لأن هذا يستلزم على أساس أنه ضد. فهل ترك المندوب يعتبر مكروه؟ فمن أهل العلم من قال: كذلك. ومنهم من قال: لا، ليس كل ترك مندوب يعتبر مكروه؛ لأن الإنسان أحيانًا يترك المندوب لأجل مندوب آخر، أو سنة أخرى، أو أمر واجب. مثلا الآن لو قلنا أن تحية المسجد مثلا مندوبة، تركها الإنسان مثلا لأجل علم، ما في شيء. هو تركه لأجل سنة، وقد يكون أعظم منها. تركها لأجل مثلا صلاة جماعة. فلهذا فالصحيح أن ليس كل ما كل مندوب يترك يكون مكروه، وإنما بحسبه. إن كان هذا المندوب يترك، ولا يكون له بدل، فهنا يكون مكروه أي تركه. وإن كان له بدل، فغالبا هذا البدل إن كان واجبًا فهو أفضل، وإن كان مستحب مثله فهو أيضا لم يبعد. قال: وكذلك الحرام عكس ما يجب. الحرام عكس ما يجب، أي الحرام عكس الواجب. وتعريف الواجب: ما أثيب فاعله، واستحق العقاب تاركه. أنا لا بد أن نذكر استحق؛ لأنه قد يغفر الله له. قال: فيكون المحرم ما عوقب فاعله، وأثيب تاركه. أنا عكس الواجب. أنا ترك الواجب محرم. ترك الواجب محرم. لكن كما ذكرنا في المندوب، ليس مطلقًا؛ لأنه إذا ترك الواجب لأجل واجب، أو أوجب منه، هو ترك إلى بدل، بدل أوجب منه. فمثلا إنسان مثلا نادته أمه، وهو يصلي صلاة فريضة. هل يستجيب لأمه أم يكمل صلاة؟ فالعاقل أنه يكمل صلاة؛ لأنه فريضة واجبة. لكن إذا كانت سنة، فيقدم طاعة والديه، وطاعة أمه. لكن حتى ولو كانت فريضة، مثلا والأمر جد تستغيث به، وتستنجده في شيء، هذا لا شك أنه يستجيب لها. المهم أنه الآن ترك بر الوالدين، وعقها. لكن هذا الواجب الذي عليه، هناك ما هو أوجب منه. هناك ما هو أوجب منه. أيضا كذلك لو أن الأم تطلب من ابنها فعل شيء، وهو يفعل لها شيء آخر أصلح لها منه. فهذا أيضا يعتبر من ترك الواجب، لكن إلى بدل، بدل خير منه. فهذا لا يعتبر أنه محرم. فترك الواجب ليس محرما مطلقا، بل حتى فعل المحرم أحيانا، كما قلنا أحيانا مثلا يكون للاضطرار. وهذا شيء آخر. لكن فعل الواجب ممكن أن الإنسان يترك الواجب، ويأتي ما هو أوجب منه. وهذا لا يأثم، ولا يقال أنه محرم، وإنما يأتي بما هو أوجب منه. أحيانا كما سيأتي في الواجب تتزاحم الواجبات. تتزاحم الواجبات، فهنا يقدم ما هو أوجب. قال: فيكون المحرم ما عوقب فاعله، وأثيب تاركه. هكذا قال كثير من الأصوليين بالإطلاق: المحرم ما أثيب تاركه. لكن مع ذلك لا بد من تفصيل في هذه المسألة؛ لأنها مهمة. ليس كل تارك للمحرم يكون مثابا. فتارك المحرم على أقسام. فأنا هنا في ترك الحرام القسم الأول: أن لا يطرأ على باله إطلاقا أنه محرم. مثال ذلك: رجل فكر يوم من الأيام أن يزني، ولم يزني. هل يثاب على الترك؟ الجواب: لا؛ لأنه لم يهم به حتى يقال أنه يثاب على تركه. القسم الثاني: رجل هم بالمحرم، لكنه تذكر عظمة الله -عز وجل- وعقابه، فتركه. هذا يثاب؛ لأن الله يقول في الحديث القدسي: «إنما ترك هذا من جرائي»، أي من أجلي. فلهذا فهو يثاب على ذلك. كما قال الله -عز وجل-: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا الله﴾، فهذا بعد الفاحشة، أو قبلها يتذكر عظمة الله -عز وجل- فيترك. القسم الثالث: رجل تمنى المحرم، ولم يفعل أسبابه. تمناه ولم يسعى في تحصيله، أو في الحصول عليه. فهذا يعاقب على النية. والدليل على ذلك قصة الرجل الذي قال: «ليت لي مثل ما لفلان، فأعمل فيه عمله». والفرق بين الهم والعزم، ففي حديث ابن عباس: «من هم بسيئة ولم يعملها كتبت له حسنة». وفي هذا حديث بكرة: أن هذا الرجل تمنى أن يكون مثل ذلك الذي في أعلى المحرمات. قالوا: فهما في الوزر سواء. لماذا؟ هم في الوزر سواء؛ قالوا: لأن هذا الشخص لم يهم فقط، بل عزم وتكلم. والكلام هذا مؤاخذ عليه الإنسان. لكن لو كان هم فقط، هم بدون ما يتكلم، وبدون ما يعزم يفعل شيئا، فهذا يعتبر أنه «هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة». فإن عملها كتبت له سيئة واحدة. فلهذا قالوا: هذا الحديث يدل على أن الرجل عزم. والذي يدل على العزم هو الكلام. يقول: «يا ليتني عندي مثل فلان»، أو يتمنى المحرم يتمنى أنه يفعل ذلك المحرم. يتمنى بلسانه يقول مثلا: «ليتني أسرق مال فلان»، أو «أزني ببنت فلان». فهذا يعتبر محرم؛ لماذا؟ لأنه تمنى وتكلم بذلك. فهذا يعاقب على نيته، وعلى ما تلفظ به. والدليل على ذلك قصة الرجل الذي قال: «ليت لي مثل فلان مال فلان فأعمل فيه عمله». وكان فلان يضيع المال ويلعب به. قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «فهو بنيته، فهما في الوزر سواء». وهذا حديث صحيح. قال: فعلى هذا يعاقب الرجل على نيته. والقسم الرابع: رجل هم بالمحرم، وسعى في أسبابه، لكنه عجز عنه. فهذا يعاقب عقوبة الفاعل. وهذا شديد. ودليل ذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار». قالوا: «يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟» قال -صلى الله عليه وسلم-: «لأنه كان حريصا على قتل صاحبه». أنا كان حريصا، ولم يسكت، وإنما فعل. هم بقتل صاحبه، لكنه لم يستطع. فهذا يدخل في الوعيد، ويستحق العقاب. وهذا في كل من سعى في محرم، فبذل الأسباب، لكنه لم يستطع أن يفعل؛ لأجل أنه ما استطاع. فهذا يأثم على هذه النية، وهذا الفعل. وهنا حديث جاء عند الإمام أحمد، عن أبي سعيد: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من سمع بالمعصية فأثنى عليها، ولم يشهدها، فهو كمن شهدها». كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: أنه ما شهدها، ما كان موجودا، لكن أثنى على فاعلها. أثنى على فاعلها لما فعل هذا الفعل. فهو آثم؛ لأنه أيده، ولم ينكر هذا المنكر. بل أيد هذا المنكر، فجعله النبي -صلى الله عليه وسلم- كمن شهدها. جعله النبي -صلى الله عليه وسلم- كمن شهد هذا المحرم، وهو لم يشهده. قال: فالجواب على من تركه لله، هذا هو الذي يثاب. وصار تارك المحرم أربعة أقسام. وينطبق كلام المؤلف -رحمه الله- على قسم واحد منها، وهو من ترك المحرم لله. مثل: هل هناك نبي من الأنبياء ترك معصية لله؟ الجواب: يوسف -عليه الصلاة والسلام- ترك معصية لله. قد تهيأت أسبابها تماما، وقويت دواعيها، وانفردت به امرأة العزيز، وهي سيدة. وغلقت الأبواب، وأقلت: «هيت لك». قال: «معاذ الله، إنه ربي أحسن مثواي، إنه لا يفلح الظالمون». قالوا: المراد بربي هنا رب العرش -عز وجل-، وليس ربه سيدها. ومنهم من قال: المراد به عزيز مصر؛ لأنه رباه. لأنه «ربي أحسن مثواي». وممكن أن يراد به رب العز -سبحانه-، أي أني لا أعصي الله -عز وجل-؛ لأنه هو الذي وفقني، وأحسن مثواي. قالوا: «لقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه». هو الإيمان الذي منعه. لهذا نحن نقول: إن الهم هم بما أرادت المرأة، وأنه لفضل ليوسف -عليه الصلاة والسلام-، ومنقبة له أن يدع ذلك لله -عز وجل-. وليس فيه نقص. فالطبيعة البشرية إذا قوي عليها الداعي، فالإيمان صار هذا فضل. ولهذا كان أعطى الله -عز وجل- أجر من استطاع على المحرم، ثم ترك. استطاع على المحرم، ثم ترك. ثم جاء في حديث أصحاب الغار: أنه قد استطاع على ابن عمه. فقالت له: «اتق الله، ولا تفض الخاتم إلا بحقه». فترك. وفي حديث مختلف في حديث ذلك الرجل، وأنه جاءته امرأة، ورأى أرادت منه مالا. فقال: «لا أعطيك حتى تمكنيني من نفسك». فاحتاجت إلى هذا المال. فجاءت إليه، فأرادت أن تمكنه. فلما أراد أن يعلو عليها، قالت: «إني أخاف الله». فقال: «أنا أحق بالخوف من الله». فقام، وترك لها المال. وكان الرجل معروفا عند الناس أنه ما يترك معصية إلا وأتاها. فمات من ليلته. فأصبح مكتوبا على بابه: «قد غفر الله لذي الكفل». أو للكفل. وأدل على ذلك كثيرا. ولهذا ذكر من صفات أهل الإيمان أنهم يفعلون ذلك. قال: أما قول بعض الناس: «همت به وهم بها»، أي هم أن يضربها. فهذا ليس بالصحيح. يعني يظنون أن نسبة الهم إلى يوسف يعتبر منقصة، وليس كذلك؛ لأن هذه طبيعة الإنسان، لكن قاوم هذا الأمر إيمانه بالله -جل وعلا-. قال: فهذا ليس بصحيح. لكن الذي قاله أراد أن ينزه يوسف. ولكن نقول: أن يوسف -عليه الصلاة والسلام- لم يفعل شيئا، بل فعل منقبة. فالداعي البشري موجود في يوسف -عليه الصلاة والسلام-: شاب، وسيدة، والمكان خال، والطلاع غير مأمون؛ لأن الأبواب غلقت، والموانع منتفية. لكن تركه لله -عز وجل-، هذا أعظم ما يكون من الفخر. ولهذا كان الذي يفعل مثل ذلك من السبعة الذين يظلهم الله في ظله: «وشاب دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله». يوم لا ظل إلا ظله. أسأل الله يجعلني وإياكم من الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. فهذا ذكر المندوب، أو المكروه، والحرام. والصحيح -إن شاء الله- نتركه في درس آخر.