الدرس في التحذير من الغرور 5، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث عن علاج الغرور بتذكر الذنوب والعقوبات وأهمية شكر الله والخوف من سلب النعم. يضرب أمثلة بقارون وفرعون.
يُنبه إلى خطورة الاغترار بالقوة والمال والعزوة ويحذر من سلب هذه النعم مستشهدًا بقصص تاريخية مثل غزوة بدر وأصحاب الجنتين.
يُنبه على خطورة العجب بالنفس والمال والعلم ويشدد على ضرورة التواضع والشكر لله على النعم. يذكر أمثلة على أناس اغتروا بعلمهم وكثرتهم.
ينتهي بدعاء الله أن ينفع بما قيل ويجعل السامعين من أهل الهداية، ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر الاعتماد على الله والتوجه إليه بالدعاء.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلازلنا إخواني في الله في هذه المقامات وفي هذه الدروس نتذاكر وإياكم ما يتعلق بظاهرة الغرور، فهي من الصفات الذميمة ومن الأمراض الخبيثة التي تدب في القلوب. وأشرنا إلى ما يتعلق بأقسامها، ومن ثم إلى شيء من أضرارها وبعض صفات أهلها. وها نحن في المبحث الأخير من مباحث هذه الصفة في بيان كيفية العلاج منها. وأشرنا إخواني في الله أن مما تدفع به هذه الصفة الذميمة عن أنفسنا أولًا أن نستذكر الذنوب والسيئات والخطايا والعقوبات التي تنصب في حق من ابتلي بهذا الخلق وهو خلق ذميم، والسيئات تجري على صاحبها؛ لأن هذا الخلق خلق الغرور فيه ما فيه من التطاول على الآخرين والترفع على الناس والطعن والغمز والاحتقار. قال عليه الصلاة والسلام: «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم»، وما من مغرور إلا وفيه شيء من احتقار الآخرين. كذلك مما ذكرناه مما يدفع به هذا الخلق ما يكون من مسألة أن يستذكر هذا المغرور أن هذه النعمة التي هو يتقلب فيها هي من ربه لا من ماله ولا من كسبه ولا من كده ولا من كد أبيه وأمه، فإنما هو فضل محظم من ربه، فعلى ما يعبد الله تترفع وتفتخر بشيء ليس منك. ثالثًا، أن الإنسان إذا وهبه الله جل وعلا نعمة عليه أن يؤدي شكرها، فيسخر هذه النعمة وهذه الهبة في أن يتقرب بها إلى الله؛ لأن الناس يتقربون إليه بالثناء والمديح كما يريد هذا المغرور. أخيرًا إخواني في الله، مما أختم به هذا المقام أن مما ندفع به عن أنفسنا صفة الغرور وهي من أعظم علاج هذا الداء ما يكون من خوفنا من أن الله عز وجل أن يسلب منا هذه النعمة. واحذر يا عبد الله، يا من أعطاك الله مالًا أو جاها أو سلطانًا أو قوة وصحة أو عافية، احذر أنك إن جعلتها مطية للإفتخار والإغترار والترف على الآخرين، عليك أن تحذر أن الله عز وجل قادر على أنه يسلب منك هذه النعمة. وقد ذكر لنا ربنا جل وعلا في كتابه وهكذا في سنة عليه الصلاة والسلام قصصًا لأناس من أعيان وأشخاص ومن أفراد ومجتمعات حينما دب فيهم الغرور سلب الله جل وعلا منهم هذه النعمة. مثاله تأمل يا عبد الله في قارون وقد مر معنا كيف أن الله جل وعلا أعطاه من الأموال الكثيرة والكنوز العظيمة ما لا يخطر على بال، لكن لما جعلها مطية لأن يفتخر على قومه ويترفع على شعبه، ماذا فعل به ربنا جل وعلا؟ قال: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ خسف الله بكنوزه، أين ذهبت؟ دفنت ليس لها أثر، ما تمتع بها في هذه الدنيا كما كان يرجو، دفنت معه. ولهذا يا عبد الله كم من إنسان اغتر على الناس بأمواله فسلبه الله بأن ابتله بالإفلاس، فصلت عليه من الأدواء ما جعله مفلسًا معدما بعدما كان غنيًا ثريًا حين اغتر بماله على غيره. وهكذا يا من آتاه الله منصبا ونفوذا، لك عبر يا عبد الله بفرعون قد مضى معنا كيف أنه تبختر وكيف أنه تجبر في هذه الأرض بحجة أن هذه الأملاك وحجة هذه الأنهار تحت حكمه وسلطانه، فلا يزال يغتر بها حتى سلبه الله جل وعلا، فأغرقه الله في اليم، هذه الأنهار التي بالأمس يدعي بأنها له وهذه الأنهار تجري من تحته، قتله الله بهذه الأنهار الذي اغتر بها، فغشيهم من اليم ما غشيهم، فأخرجه الله جل وعلا من سلطانه وأخرجه الله جل وعلا من قصره ومن قصوره وجعله في وسط البحر، فأغلق وأطبق عليهم المياه حتى أصبح غريقًا ميتًا، فما بكت عليهم السماء والأرض، ما أحد بالٍ بهم، أين ذلكم الألههمان ذهب؟ ولا حين اغتر على الله جل وعلا بسلطانه سلب الله منه هذا السلطان. وهكذا إخواني في الله من آتاه الله عز وجل قوة وشجاعة، قوة وشجاعة لربما استغل هذه القوة وصحة الأبدان في أنه يبطش بغيره، لا تغتر على الناس عبد الله بقوته؛ فإن الله جل وعلا قادر على أن يسلط عليك ما يضعف قوتك وما يكون سببًا لهوانك. وذلك لنا عبرة بكفار قريش، لنا عبرة بكفار قريش حينما علموا حينما علموا بأن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ليعترض قافلة أبي سفيان، فخرجوا خرج الكبراء والأعيان والرؤساء، حتى وهم في منتصف الطريق علموا أن أبا سفيان نجى بالقافلة نجى واستطاع أن يسلك طريق البحر فنجى بالقافلة وأن محمدًا لم يظفر بها، فقيل لأبي جهل: إن القافلة قد تجاوزت فلنرجع، نرجع انتهينا ما في هناك داعي لشيء، فحينها ماذا قال أبو جهل؟ «لا والله لا نرجع، لا نرجع حتى نرد ماء بدر وننحر الجزور ونشرب الخمر وتضرب علينا القيان وتسمع بنا العرب»، انظر لهذه المفاخر عجب غرور، وهذا الذي حكاه ربنا عنهم بقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ بطر عجب وفخ وافتخار هذا الذي كان في قلوبهم أنهم يسمع بهم العرب، فركبه الهوى، قال: «والله لا نرجع حتى نرد ماء بدر وننحر الجزور ونشرب الخمر وتضرب علينا القيان وتسمع بنا العرب». علق ابن كثير رحمه الله تعالى قال: «فانعكس ذلك كله عليهم، كل ذلك ما وصلوا إليه، فماتوا شر ميتة قتلوا في موقعة بدر»، أين تلكم الشجاعة والافتخار؟ أذهبها الله عز وجل لما كان قصدهم الاغترار على الغير، قتلهم الله جل وعلا بأيدي الصحابة في غزوة بدر، ثم أمرهم أمر نبينا صلى الله عليه وسلم بأن تسحب هذه الجيف كجيف الكلاب، أن تسحب سحبًا وترمى في قليب بدر ترمى رميا، جثث منتنة جثة بعد جثة، سبحان الله أين كانوا بالأمس؟ كانوا في عزة كانوا في قوة كانوا في منعة، لكن أوصلهم إلى هذا الغرور ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾. فاحذر يا عبد الله على نفسك إن حدثتك نفسك بأنك قوي وبأنك شجاع ولا بد أن الناس يحسبوا لك ألف حساب فتبطش بهذا وتبطش بذا، لا يا عبد الله لا تفعل ذلك، فالله قادر على أن يسلط عليك ما فيه إذهاب لهذه القوى. وهكذا يا عبد الله يا من آتاه الله الأراضي والمساحات والعقارات، لا تغتر كحال صاحب الجنتين الذي قد مضى ذكره في دروس خلت، آتاه الله عز وجل هذه الحدائق وهذه الزروع وهذه الأنهار وهذه الأجار من النخيل والعنب، فاغتر بها، بل كانت هذه الأجار وهذه النخيل سببًا من أعظم أسباب كفره وتمرده، فلما اغتر بها سلبه الله عز وجل هذه النعم، فأخذ يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها خاوية. سبحانه جل وعلا هو الذي أنعم وهو الذي سلب، به عنواذ النعم إن شاء. ومن أعظم ما يكون من زوال النعم الغرور والعجب والافتخار بها على الغير. وهكذا يا عبد الله يا من آتاه الله عز وجل قوة العدد، أعطاه الله عز وجل من الأعداد الغفيرة في شعبه وقومه وقبيلته وعشيرته وفي حزبه، لا تركن لهذه الجموع ولا تفتخر بها على غيرك، فالله عز وجل ربما خذلك مع هذه الجموع الذي أنت تركن إليها. ولنعبر إخواني في الله بما وقع في زمن رسول الله عليه الصلاة والسلام في غزوة حنين ويوم حنين، إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئًا، وضاقت عليكم الأرض بما رحبت، ثم وليتم مدبرين، هذا حين قال بعض الناس: «لن نغلب اليوم عن قلة، لا نحن، لسنا بقلة، كثر، كثر متكافرة»، فركنوا إلى أنفسهم وإلى أعدادهم، فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾. فليس العبرة يا عبد الله بالأعداد الكثيرة أو الحشود الغفيرة، وأن عبرة في هذا الواقع المعاصر من بعض هذه الجماعات الإسلامية التي لربما راهنت على نجاح دعوتها وعلى نجاح حزبها بهذه المسيرات التي تعد بالمسيرات المليونية، لكنها قاب قوسين ذهبت وولت، بل لربما كان شؤم هذه الجماعة بأصحابها أنها ماذا انقلبوا على أهلها. فلا تركن يا عبد الله ولا تفتخر على غيرك بعددك ولا بكثرتك، فإياك وإياك وهذا العجب. وهكذا يا عبد الله العلم، العلم يوجد من الناس من لربما يغتر بعلمه، يوجد مع أنه ينبغي على من آتاه الله علمًا أنه ينتفع بعلمه وأن يدفع الغرور عن نفسه وعن أخلاقه وآدابه، لكن يوجد من الناس ممن ينتسب للعلم من لربما عنده شيء من العجب شيء من الكبر. حتى قيل عن الإمام فلان ابن فلان أنه كان ما يصلي جماعة، بل كان يقول: «لا تتم مرؤة الإنسان حتى يترك صلاة الجماعة»، فكان يقال له: «لما يا إمام ما تصلي في المسجد؟ لما تصلي مع الناس في المسجد؟» قال: «أصلي في مسجدكم ويزاحمني البقالون والحمالون»، حتى علق الذهب رحمه الله تعالى قال: «قبح الله هذا الكبر، قبح المهن»، رجل من أهل العلم لكن عنده كبر، قل: «أنا أنزل مسجدكم فيه الحمال عن يمين والبقال عن يسار؛ لأنه مستوي أعلى من هذا». فيوجد يوجد من يؤتيه الله جل وعلا علمًا لكن يعطيه الله كذلك كبر، فدائمًا يتحدث عن نفسه «أنا وأنا صانعت وأنا وأنتم من دوني لستم بشيء وأنا وجودي خير لكم وأنا»، ثم ما هي فتر إلا ويذهب الله علمه، يذهب الله علمه وبركة علمه. ذكر أهل السير عن الإمام الماوردي رحمه الله ومن أئمة الكبار والفلاطحة ألف الكتب العديد، ومن أعظم ما ألف في اختلاف العلماء ألف مجلدات في مسائل اختلاف العلماء، خرج ذات يوم إلى مسجده، وبينما هو داخل في مسجده حدثته نفسه: «هل هناك مسألة في الفقه ما تعرفها أنت؟» شيء من العجب شيء من العجب، لكن كان فيما بينه وبين نفسه، فلما جلس في مجلسه إذ دخلت عليه امرأة ومعها صبية قد قاربت البلوغ، وكانت هذه المرأة عندها سؤال في مسألة الحيض، فجاءت عند هذا الإمام وطرحت عليه السؤال، فقال هذا الإمام عن نفسه: «فوالله وجدت نفسي أني لا أحسن شيئًا، أغلق عليه العلم، أغلق عليه العلم، ما استطاع أن يجيب»، قال: «فوالله أغلق عليه فما استطعت أن أرد لها جوابًا»، والمرأة تنتظر يا إمام، حتى أن طلابه صدموا، سهلة مسألة ما تحتاج إلى مزيد بحث، وهو إمام في زمنه أغلق عليه، فلما ملت المرأة من الانتظار خرجت، فلما كانت كادت أن تخرج وجدت أحد من طلابه، قال له: «يا بني أسألك سؤال، هذه بنتي قد قاربت البلوغ وفيها مسألة كذا وكذا فما الجواب حفظك الله؟» فقام الطالب وأجاب، أجاب عن السؤال، فقالت المرأة حينها: «والله أنت خير من هذا الذي جلس، أنت خير من هذا الذي جلس»، ثم صرفت. الشاهد إخواني في الله العجب من أعظم أضراره ومفاسده أن الله عز وجل إذا وجده في أحد سلبه منه، فإياك يا عبد الله أن تجعل هذه النعم أو هذه الهبة أو هذه الموهبة الذي حباك الله بها من مال من منصب من أراضي وعقارات من نفوذ من صحة من نباهة من نباغة من علم من فقه من أي نعمة تجد أن الله ميزك بها، لا تجعلها مطية في أنك تفتخر على غيرك وأن تعجب بنفسك، بل اجعلها يا عبد الله سلمًا للتواضع فيما بينك وبين خلق الله، وسلمًا للشكر أن تشكر ربك جل وعلا ليل نهار أن حباك بهذا الخير. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.