الدرس في أبواب السحر والكهانة من كتاب التوحيد 8، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يُعرّف المقطع النشرة بأنها حل السحر عن المسحور، ويبين أنها محرمة إذا كانت بسحر مثلها من عمل الشيطان، وجائزة إذا كانت بالرقية الشرعية أو الأدوية المباحة، مستدلاً بحديث جابر رضي الله عنه أن النشرة من عمل الشيطان، ومردّداً على من أجازها بقصد الإصلاح بأن الحديث النبوي هو الحجة القاطعة في التحريم.
يستعرض المقطع علامات تدل على الساحر كسؤال اسم الأم والعمر، وطلب الأثر الشخصي أو الصورة، واستخدام البخور، والعمل ليلاً أو في أماكن مظلمة، محذراً من التساهل في نشر الصور الشخصية، ومؤكداً أن السحر لا يُحل بغير الطريقة الشرعية إلا على يد ساحر.
يذكر المقطع علامات إضافية للساحر مثل التمتمة بكلام غير مفهوم، وخلط القرآن بالطلاسم، وطلب حيوانات بصفات محددة، واستخدام كتب الرموز، وكتابة الطلاسم، وإعطاء الحروز، مبيناً أن النشرة نوعان: محرمة بحل السحر بالسحر، ومشروعة بالرقية الشرعية بالقرآن والأدعية النبوية والأدوية المباحة.
يختم المقطع ببيان أنه إذا عُرف مكان السحر، فإن من علاجه إتلافه وإبطاله، وهذا يُعد خلاصة ما ذُكر في هذا الباب.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد، قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد"، باب ما جاء في النشرة: والنشرة لغةً من الكشف والإزالة، وأما اصطلاحاً وشرعاً فهو حل السحر عن المسحور. ومناسبة ذكر هذا الباب بعد أبواب السحر: ليبين المؤلف فيه أن النشرة قد تكون من ساحر، وقد تكون من غير ساحر. فإذا كانت النشرة من ساحر، وهو ما يسمى حل السحر بالسحر، فإنها تابعة للسحر ولا تجوز. وأما إن كانت من الرقى الشرعية فهذه جائزة، والأفضل أن تسمى رقية. وهذه جائزة: حل السحر عن المسحور عن طريق الرقية الشرعية أو الأدوية المجربة المباحة، فهذا جائز، والأفضل أن تسمى رقية. وأما المحرمة فهي حل السحر عن المسحور عن طريق السحر والتعاويذ الشركية. فأراد المؤلف من هذا الباب أن يبين هذه المسألة بأدلتها. قال: عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن النشرة، فقال: «هي من عمل الشيطان». رواه أحمد بسند جيد، وأبو داود. وقال: سئل أحمد عنها، فقال: ابن مسعود يكره هذا كله، يكره هذا كله. والحديث يحسنه أو يصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في "سلسلة الأحاديث الصحيحة". وقوله في الحديث: «سئل عن النشرة»، أي المعهودة المنتشرة بين الناس في زمنه عليه الصلاة والسلام، التي كان أهل الجاهلية يصنعونها، كان أهل الجاهلية يصنعونها. فقال عليه الصلاة والسلام: «هي من عمل الشيطان»؛ لأنها سحر، والسحر من عمل الشيطان. فهذا الحديث هو العمدة في تحريم حل السحر بالسحر، إذ جعل النبي صلى الله عليه وسلم هذه النشرة من عمل الشيطان، وهو حديث صريح في هذه المسألة. وكل ما عارضه من أقوال بعض العلماء فمردود عليه بهذا الحديث، كما سيأتي معنا إن شاء الله تعالى. قال: وفي البخاري عن قتادة، قلت لابن المسيب: رجل به طب، أو يؤخذ عن امرأته، أيحل عنه أو ينشر؟ قال: لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح. فأما ما ينفع فلم ينهى عنه. هذا الأثر الذي سمعت عن سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى، وهو من التابعين، علقه البخاري بصيغة الجزم، ووصله أبو بكر الأثرم في كتاب السنن، وإسناده صحيح. وقوله: «رجل به طب»، أي سحر. به طب، أي به سحر. ولماذا العرب تسمي السحر طباً؟ قالوا: تفاؤلاً، كما كانوا يقولون للذي سليم، والمريض صحيح. وهكذا يسمون السحر طباً. وقوله: «أو يؤخذ عن امرأته»، أن يحبس عن امرأته ولا يصل إلى جماعها، وهو ما يسمى بسحر التفريق، ما يسمى بسحر التفريق. ثم قال: «أيحل عنه أو ينشر؟». اختلف العلماء في قوله: «أيحل عنه أو ينشر»، هل هذا السؤال عن حل السحر بالسحر؟ جماعة من أهل العلم حملوا قول ابن المسيب على ذلك، أنه الاستعانة بالسحر لحل السحر، وهو الظاهر من هذا الأثر. ومن أهل العلم من تكلف توجيه هذا الأثر، فحمل هذا الأثر على حل السحر بالرقية الشرعية والأدوية المباحة. ولكن الأثر صريح في أن مراد ابن المسيب هو حل السحر بالسحر؛ لأنه قال: «لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح»، يعني يريدون به حل السحر، وحل السحر من الإصلاح. ولذلك قال: «فأما ما ينفع فلم ينهى عنه». وقد رد العلماء على ابن المسيب قوله هذا: أولاً بحديث النبي عليه الصلاة والسلام، وثانياً أن ابن المسيب بشر يخطئ ويصيب، ويعلم ويجهل. ولذلك قال ابن العثيمين رحمه الله تعالى عند تعليقه على هذا الأثر: ولكن على كل حال، حتى ولو كان ابن المسيب، ومن فوق ابن المسيب، يعني كالصحابة ممن ليس قوله حجة، يرى أنه جائز، فلا يلزم من ذلك أن يكون جائزاً في حكم الله حتى يعرض على الكتاب والسنة. وقد سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن النشرة، فقال: «هي من عمل الشيطان». فعلى من قال أن ابن المسيب أراد حل السحر بالسحر، فهذا القول مردود عليه بحديث النبي عليه الصلاة والسلام، فلا يجوز حل السحر بالسحر مطلقاً، ولو أريد به الإصلاح، ولو أريد به الإصلاح. فما مثل ذلك إلا كمثل من يلجأ إلى الكهنة من أجل أن يرد ماله، أو من أجل أن يعلم عدوه، فهذا كذلك لا يجوز، كما في الأحاديث التي مرت معنا. فهكذا في حل السحر بالسحر. فهذا خلاصة ما ذكره العلماء في هذه المسألة. قال: وروي عن الحسن أنه قال: «لا يحل السحر إلا ساحر». ومعنى هذا الأثر، وهو أثر بغير إسناد، ورد هكذا بغير إسناد. ومعنى: لا يحل السحر بغير الطريقة الشرعية المعروفة إلا ساحر. هذا معنى الحديث، ليس معنى الإخبار من هذا التابعي الجليل وهو الحسن البصري أن السحر لا يحل إلا بالسحر، لا. وإنما المراد أنه لا يحل السحر بغير الطريقة الشرعية المعروفة إلا ساحر، إلا ساحر. وأما من يحل السحر بغير السحر فهو من يرقي الرقية الشرعية، فهو من يرقي الرقية الشرعية. فهذا معنى هذا الأثر. وهنا يجب على المسلم أن يفرق بين الراقي الشرعي الذي يرقي بالطريقة الشرعية، وبين الساحر الذي يستعين بالجن والشياطين. فهناك فروق شاسعة، وكذلك علامات كثيرة بين الساحر وبين الراقي الشرعي. فالساحر له علامات، إذا ذهبت تعالج عنه فانتبه لهذه العلامات، إن وجدت علامة منها فاعلم أنه ساحر وليس براقٍ، أنه ساحر وليس براقٍ. فأول علامات الساحر: أنه يسأل من أتاه عن اسم أمه أو عن عمره، وهي أبرز علامة على الساحر؛ لأنه يتعامل مع الشيطان. فما دخل اسم الأم في علاج هذا المريض أو المسحور؟ وقد يسأل عن اسمك، لا من أجل أن يقيده لتدخل عنده، وإنما يسأل عن اسمك إذا دخلت عنده لهذا الغرض، وهو التعامل مع الشياطين، وهو التعامل مع الشياطين. وهكذا من علامات الساحر: أنه يطلب أثراً ممن يريد سحره أو يريد فك السحر عنه، كالملابس الداخلية أو شيء من الشعر أو الأظفار. فكل هذا من علامات الساحر. كذلك من علامات الساحر: أن يطلب صورة من يريد أن يسحره، يطلب صورة من يريد من يسحره. وهذا يعطينا تنبيهاً، أيها الإخوة، أن المسلم يحذر من التساهل في أمر التصوير، وأن يبث صورة عن طريق الجوال والمواقع أو البرامج أو نحو ذلك. فقد ثبت أن السحرة يستطيعون سحر الشخص عن طريق صورته، عن طريق صورته. فيحذر المسلم من ذلك. وهكذا إن كان معك مريض وأتيت به إلى هذا الساحر، فقد يطلب منك هذه الصورة. كذلك من علامات الساحر: استخدام البخور واللبان، ووضعه في المجمرة؛ لأنها تجلب إليهم الشياطين، تجلب إليهم الشياطين. فهذا أيضاً من علامات الساحر. كذلك من علامات الساحر: العمل ليلاً. تجده ما يعمل إلا في الليل، وهذا وقت عملهم. قال ابن القيم رحمه الله تعالى في "بدائع الفوائد": قال: «سلطان السحر وعظيم تأثيره إنما هو بالليل دون النهار، إنما هو بالليل دون النهار». فالسحر الليلي عندهم هو السحر القوي التأثير، السحر الليلي عندهم هو السحر القوي التأثير. وهكذا إذا لم يكن عمل السحر ليلاً، يلجأ الساحر إلى عمله في مكان مظلم. تدخل عنده بالنهار تجد الغرفة كأنك في ليل، لا يفتح نافذة ولا يفتح ضوءاً وسراجاً. فهذا أيضاً من علامات الساحر. من علامات الساحر كذلك: من علامات الساحر استخدام كلمات غير مفهومة. استخدام كلمات غير مفهومة. فتجده يتمتم ويحرك شفتاه مما يصعب على المستمع فهمه، بما يصعب على المستمع فهمه. فليس عنده وضوح في الرقيا. تجده يتمتم ويتكلم بكلام أشبه بالطلاسم، أشبه بالطلاسم. وهكذا من علامات الساحر: خلط آيات قرآنية وأحاديث نبوية مع هذه التمتمات أثناء العلاج، ليدلس على الناس أنه ليس من السحرة. وهذا من مكر وخبث السحرة حتى يثق فيهم الناس. تجده يقرأ ربما سورة الفاتحة، لكن بعد سورة الفاتحة تسمع كلمات عجيبة غريبة، ليست من التحصينات النبوية ولا من الأذكار النبوية، وإنما هي كلام لا يفهم، كلام لا يفهم. فهذا أيضاً من علامات الساحر. هكذا من علامات الساحر: أن يطلب حيواناً بصفة معينة، كأن يقول لك: هات كبشاً أسود، أو ديكاً زرقاً، فرق، كما هو معلوم لدى بعض الناس، أو هكذا يطلب هكذا حيوانات بصفات معينة. فهذا أيضاً علامة على أنه ساحر. وهكذا من علامات الساحر: استخدام كتب السحر التي فيها الرموز والجداول، وتكون أحياناً بجانبه إذا أمن جانب المريض وعلم أنه لا ينتبه المريض لذلك. فكن منتبهاً إذا دخلت عند معالج، وقيل لك إنه يعالج بالرقية، أنظر هل عنده شيء من هذه الكتب التي فيها الطلاسم، وكذلك الرموز ونحو ذلك. وهكذا من علامة الساحر: كتابة الطلاسم أو الرموز أو الحروف المقطعة أو الأرقام أو المربعات أو الدوائر أو الجداول. فإذا كتب لك شيء من ذلك فاعلم أنه مشعوذ. إذا وجدت في كتابته أو في أوراقه شيء من ذلك فاعلم أنه ساحر مشعوذ. وهكذا أخيراً من علامات الساحر: إعطاء الحروز. فإذا كان يعطي الحروز، إما أن تضعها في يدك، أو في خصرك، أو تعلقها في ثوبك، أو نحو ذلك، فهذه أيضاً علامة من علامات الساحر. فالخلاص في هذا: أن النشرة منها ما هو محرم، وهي حل السحر بالسحر، ومنها ما هو جائز، وهو حل السحر بالرقية الشرعية. ولذلك أورد المؤلف هنا أثراً عن ابن القيم. قال: قال ابن القيم رحمه الله: النشرة حل السحر عن المسحور، وهي نوعان: أحداهما حل بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان، وعليه يحمل قول الحسن. وقلنا هذا على قول بعض، على قول هذا، على الأثر الأخير: «لا يحل السحر إلا ساحر». قال: فيتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب، فيبطل عمله عن المسحور. قال: والثاني: النشرة بالرقية والتعوذات والأدوية والدعوات المباحة، فهذا جائز. جاءك ساء، جاءك مسحور مريض، تقرأ عليه سورة الفاتحة، تقرأ عليه آية الكرسي، تقرأ عليه المعوذات، تقرأ عليه كذلك الأذكار والدعوات النبوية: «اللهم رب الناس أذهب البأس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقماً». «أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك». وهكذا: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق». وهكذا غيرها من الأذكار والأدعية. فهذه هي الرقية الشرعية. والقرآن كله شفاء، ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴾. ولا بأس أن تقرأ عليه بعض الآيات التي ترى أن الجن يتأثرون بها، كآيات السحر، والآيات التي فيها عظمة الله سبحانه وتعالى وعظمة القرآن، كقوله عز وجل: ﴿ وَنُنَزِّلُ ﴾، ﴿ وَنُنَزِّلُ ﴾، كقوله سبحان: ﴿ وَلَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾. فالأمر في الرقية بالقرآن أمر واسع، كما ذكر ذلك أهل العلم. فتقرأ من القرآن ما تيسر، وليس هناك ورد معين كما يحدده بعض الناس، وإنما هذا اجتهاد من بعض القارئين، أو من بعض من يتعامل مع الرقية الشرعية على السحرة ونحو ذلك. فأنت تقرأ من القرآن ما يتيسر، فبإذن الله مع الاستمرار ومع التكرار يذهب مرض هذا المريض بإذن الله سبحانه وتعالى. وإذا علم مكان السحر، فلا شك أن من علاج هذا السحر أن يتلف هذا السحر، أن يتلف هذا السحر. فهذا هو خلاصة ما جاء في هذا الباب، ونكتفي بهذا. وإلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر