شرح السنة للإمام البربهاري 27

شرح السنة للإمام البربهاري 27

الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 27، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في الخلافة في قريش

يشرح المؤلف مسألة الخلافة في قريش مستندًا إلى أحاديث نبوية صحيحة، ويبين أنها تكون في قريش حتى نزول عيسى بن مريم عليه السلام. كانت هذه المسألة محور نزاع بين الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

الجمع بين النصوص الشرعية حول شرط القرشية

يتناول إشكالا حول شرط القرشية في الإمامة، ويقدم حلاً وسطاً يتمثل في أن هذا الشرط يكون في حالة الاختيار بينما ينعدم في حالة القهر والغلبة. يُفصل العلماء بين حالة الاختيار وحالة الغلبة في تطبيق الشروط.

شروط اختيار الحاكم ومسؤولية أهل الحل والعقد

يتناول شروط اختيار الحاكم، مؤكدًا على أهمية أن يكون من قريش في حالة الاختيار الحر، بينما في حالة الاستيلاء بالقوة تُغلب المصلحة العامة. يُفضل تجنب الفتن وسفك الدماء في هذه الحالة.

الدعاء والختام

يختتم الخطيب كلامه بدعاء الله أن ينفع بما قيل، ويصلي على النبي محمد، ويعبر عن أن الله تعالى هو الأعلم. يُظهر هذا الختام الرغبة في إزالة أي شكوك وتأكيد على قدرة الله.

  • 10 جمادى الأولى 1446هـ - 11/11/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: «والخلافة في قريش إلى أن ينزل عيسى بن مريم عليه السلام، ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين فهو خارجي، وقد شق عصا المسلمين وخالف الآثار، وميتته ميتة جاهلية». أورد البربهاري رحمه الله تعالى هذه الفقرة ضمن رسالته الموسومة بـ«شرح السنة». وهذه الفقرة، كما تلاحظون إخواني في الله، هي تبع لما قد مضى ومر معنا حول الكلام على ما ينبغي أن يكون للأئمة، إلا أنه هنا في هذه الفقرة ألمح إلى مسألة الخلافة في قريش، فقال: «والخلافة في قريش إلى أن ينزل عيسى بن مريم عليه السلام». قوله «الخلافة في قريش»، من تأمل إخواني في الله في أحاديث السنة المذكورة في هذا الباب، يجد أن الشرع الحكيم أثبت أن الخلافة والإمارة إنما تكون لأهل قريش، كما قال عليه الصلاة والسلام: «الأئمة في قريش»، رواه الإمام أحمد في مسنده بإسناد صحيح. وهكذا في قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يزال الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان». وقال عليه الصلاة والسلام: «إن هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحد إلا كبه الله في النار». وهكذا في قوله عليه الصلاة والسلام: «قدموا قريشًا ولا تقدموها». فالحاصل إخواني، من مجموع هذه الآثار يتجلى لنا ما أراده المؤلف رحمه الله تعالى من قوله «والخلافة في قريش»، أي لهذه الأدلة الصريحة الواضحة البينة في اشتراط الخلافة لأهل قريش. ولما اختير قريش من بين بطون العرب، جاءت الآثار وبعض الأحاديث الصحيحة المبينة بأن الله جل وعلا ميز هذه الطائفة برجحان عقلها وبصحة رأيها، وكذلك ما يتعلق بفهم هذه الأمور. جاءت النصوص الصحيحة الدالة على ذلك أن عقل القريشي بعقل رجلين، أي لرأيه وسداد رأيه وسداد فكره، فكان الأمر لهم ولأمور أخرى أرادها الله جل وعلا لهذه الطائفة. فقوله «الخلافة في قريش»، إذن كان الأمر في الصدر الأول منذ الإسلام كان على هذا الحال، لا يتصدر أحد لباب الإمامة والإمارة والخلافة إلا أهل قريش. فمثلًا الخلفاء الأربعة: الصديق رضي الله تعالى عنه من قريش، ثم عمر من قريش، ثم عثمان من قريش، ثم علي من قريش، ثم بعدهم جاء بنو أمية من قريش، ثم بنو العباس أيضًا من قريش. وهكذا الأمور حتى إلى أن يأتي آخر الزمان، من يأتي آخر الزمان؟ المهدي المنتظر، قد مر معنا أنه هو محمد بن عبد الله من نسل الحسن بن علي بن أبي طالب، هذا هو المهدي المنتظر الذي سيحكم الأرض ويملأها عدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا. فهذا المهدي المنتظر هو من قريش، محمد بن عبد الله من نسل الحسن بن علي بن أبي طالب. ولهذا المؤلف قال: «الخلافة في قريش إلى أن ينزل عيسى»، لأن المهدي المنتظر على القول الصحيح سيكون ماذا؟ سيلازم ويكون مع عيسى عليه السلام، أي في تلك الفترة ستكون الخلافة أيضًا في قريش. فالخلافة تمتد إلى أهل قريش. وكانت هذه المسألة هي النازع للخصام الذي كاد أن يقع بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم بعد وفاة نبينا صلى الله عليه وسلم، فاجتمع الصحابة في ثقيفة بني ساعدة، فكان الأمر بين الأنصار وبين المهاجرين، حتى قال الأنصار: «منا أمير ومنكم أمير». فكانت هذه المسألة هي الفاصلة، فقال الصديق رضي الله تعالى عنه: «لا نحن الأمراء وأنتم الوزراء». فالإمارة تكون في أهل قريش، لا ينازعهم أحد كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «إن هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحد إلا كبه الله في النار». بقي الآن الإشكال، الإشكال الأخوان الواقع في هذه المسألة، قد يقول القائل: إذا ما العمل ونحن نرى من بعض من ولي الأمر ليسوا من قريش؟ ليسوا هم من قريش، بل أصرّح من ذلك ما جاء في بعض النصوص الدالة على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكأنه أقر بإمارة من ليس من قريش، كما في قول عليه الصلاة والسلام: «أسمع وأطع وإن كان عبدًا حبشيًا». فهو من الحبشة، ليس من العرب أصلا، فضلا أن يكون من قريش. فكيف قالوا: كيف الجمع؟ فنبينا اشترط الخلافة في قريش، ثم أخبر عليه الصلاة والسلام على أن السمع والطاعة تكون كذلك لغير قريش. طبعًا هذه المسألة الخلافية، ولا أطيل فيها، لكن لا بد من تباحث في هذه المسألة لوجود الخلط والخبط فيها. طائفة من الناس أخذوا بهذه النصوص وجعلوا هذا الشرط هو ماذا؟ شرطًا ركيزًا وأصلًا أصيلًا في كل من ولي الخلافة، حتى أن بعضهم يقول: إذا وجدنا أحدًا من ليس من قريش، فهذا ليست له ولاية وليس له سمع ولا طاعة. وهذا قد سمعناه، بل يعامل في بعض المجتمعات وفي بعض الأفكار وفي بعض التيارات والأحزاب، يقول: «نحن لا ليس لنا سمع وطاعة لهذا، هذا لا نبال به، من بايع يبايعه، أما نحن فلا». لماذا؟ قال: انظروا من أين جاء هذا؟ هل هذا قريشي؟ بالله عليكم هذا ليس بقريش. لماذا؟ قال: إنما الأمر في قريش والأئمة من قريش، فهذا ساقط الخلافة وساقط الولاية لعدم وجود هذا الشرط. فهذه طائفة جعلوا هذا هو الشرط، شرط صحة لا بد من إقامته. وطائفة بالعكس قالت: لا، هذا الشرط ليس بذاك. وهذا قول طائفة من الخوارج، وكذلك بعض المعتزلة يرون أن يمكن أن تكون الإمامة والإمارة والخلافة لأي أحد، لأي أحد، المهم تقال في قريش أو في غير قريش، عربي أو أعجمي، المهم ماذا؟ أن يقوم بشرع الله عز وجل، يقوم بشرع الله، فهذا نعم. بل حتى أن بعض من طائفة الخوارج بل رأى عكس هذا القول، لم يقل به أحد إلى هذا الشاذ، ماذا قال؟ قال: بل إن الخلافة في غير قريش أولى، في غير قريش أولى. وله في ذلك حجة عقلية، قال: لأن القرشي إذا نصبناه صعب إزاحته، لكن غير قرشي من أي بطن بطن العرب، إذا أدخلناه وما عجبناه سنخرج عليه ونرميه، فغير قرشي أولى. فهذا مروق عن ظهر السنة الذي أمرنا بالتمسك بها. قال لهم: عندنا طائفة تقول بالشرطية على ظاهر أنها شرط صحة، وقول طائفة بعدم اشتراط ذلك. والإشكال واضح، لأن الأحاديث تدل ماذا؟ على وجوب شرطية الخلافة من قريش، ودلة أخرى تدل على السمع والطاعة وكأن الخلافة ليست في قريش، «أسمع وأطع إن كان عبدًا حبشيًا». فكيف الجمع؟ هناك قول وسط، وبه تجتمع الأمور، وهذا الذي عليه أهل السنة والجماعة، وهو نعمل بهذا ونعمل بذاك. كيف الجمع؟ قال علماء: الشرط القرشي إنما يكون في حالة الاختيار، يكون في حالة الاختيار. وانعدام هذا الشرط إنما يكون في باب القهر والغلبة، في باب القهر والغلبة. ما الذي نعنيه في حالة الاختيار؟ مثاله من لو اجتمع أهل الحل والعقد مثلًا لتنصيب رجل على المسلمين، فطبعًا من راجع إلى كتب المطولات في باب الإحكام السلطانية، ليس كل من هب ودب يكون وليًا على المسلمين، وأنه له شروط في إمامته، في رجولته، في شجاعته. بل بعض المشترطين ماذا؟ يكون كامل الأوصاف، لا يكون أعمى، لا يكون أعرج، لا يكون جبان. رجولة، ذكورة، وكذلك علم، شجاعة، خبرة، حرية، يكون حر لا يكون عبدًا. ويجعل كذلك من الشروط أن يكون قرشيًا، فتأتي شروط عند أهل الحل والعقد، هذه الشروط لا بد أن تنطبق في كل من تقدم لهذا الكرسي. فلان تتقدم، الشروط الأول، الثاني، الثالث، الرابع، الخامس، أهل الحل والعقد اجتمعتم عليه، على بركة الله يبايع الولاية. لكن في ضمن شروط القرشية لا بد أن تكون من قريش، ما يفرط بهذا الشرط. فهذا في حد الاختيار لا بد، لماذا؟ لأموم عموم الأدلة: «الأئمة من قريش»، «إن هذا الأمر في قريش»، «قدموا قريشًا» إلى آخر النصوص. لكن إن وجد أن بعض من الناس من هؤلاء ممن وصل إلى هذا الباب عن طريق القهر والغلبة، وقد مر موضوع القهر والغلبة في دروس ماضية، يستولي بقوة السيف، بقوة السلاح، دخل علينا بجيشه، بدباباته، بانقلاب وصل إلى الحكم، ننظر إليه، ننظر في الشروط، هو في شق، وشروط في شق، ليس بشروط. هل هو حر؟ لا، أخوة الله وجدناه عبدًا حبشيًا. هل هو من قريش؟ لا، أخوة حبشي، من أين لها قرشية؟ إذا ما العمل؟ هنا تستتب له الأمور، يستتب له الأمر، وتلغى هذه الشروط، تلغى هذه الشروط. وهذا حمل علماء حديث «وإن كان عبدًا حبشيًا»، كما صرح بذلك للشراح، أن ذلك إنما كان في حالة الغلب والقهر، في حالة الغلب والقهر. فإن من دخل علينا واستولى على بلاد المسلمين بقوة السلاح، وهو لم يكن مستوف للشروط، فلا نقول: ننازعه، سابقه وصلت، وصلت. فماذا تمسك بهذه الشروط؟ بل افترض العلماء مسألة أبعد من ذلك، وهي ما لو أن هذا الذي وصل إلينا على هذا الحال عبد حبشي ليس بعربي، ليس بحر، ليس بقرشي، فاستولى على هذا المقام، ثم جاء آخر قد استجمع الشروط، قال: «يا عباد الله أنا لها، عربي قرشي حر شجاع، عندي قدرة وأنا وأنا وإيمان وتقوى ودين». فقال العلماء: لو عثر أن جاء من استجمع الشروط، فما العمل؟ هل نخرج هذا ونقع نجعل هذا؟ قال العلماء: إن رأينا أن في إخراج ذاك جر الناس إلى الفتن والدماء، لا نقول: توكل على الله ونقع هذا، والأمر قد استتم له، فالأمر له. إن وجدنا أن إخراج هذا وإرجاع من هو له الأحقية والأولوية، لكن بإخراجه إشعال الفتن والدهماء وإسفاك الدماء وقتل الأبرياء والضحايا، لا كما قال علماء: «لا نبني قصرا على أن نهدم مصرا»، لا نهدم قصرا يعني جعل هذا في محل هذا كبناء قصر، لكن نزع هذا بذهاب بلاد كاملة. ولا يعقل أنك تبني قرية، تبني قلعة أو تبني عمارة على حساب مئات الآلاف من الأرواح، لا يعقل هذا. فقال علماء: إذا ماذا؟ يلغى، وهذا الذي استجمع شروط يذهب إلى حال سبيله، وماذا يبقى؟ هذا الذي استتم له الأمر، ولو لم تتوفر فيه الشروط، ولو لم تتوفر فيه الشروط. وبهذا إخواني في الله جمع العلماء بين الأدلة، جمع العلماء بين الأدلة. عندنا أدلة تدل على شرطية القرشية، وعندنا أدلة تدل على خلاف ذلك، على ظاهر النصوص. فالحمل والجمع بينهما في حال الاختيار وفي حال الغلب والقهر. في حال الاختيار هذا شرط أصيل لا يتنازل عنه، لا يتنازل عنه. فمن تقدم لا أبقى ماذا؟ أن تكون له هذه الشروط. بل صرح العلماء أنه إن كان لم يكن يعني من توصل إلى هذا الحكم وليس من قريش، فإنه يؤثم، فإنه يؤثم، لأن الله أنشر قد أمر بذلك: «لا يعاديهم أحد إلا كبه الله في النار». لكن إن بلغ فالسمع والطاعة، فالسمع والطاعة، لا ينازع، ولا كذلك يدافع، ولا تقول: «يا عبد الله ليست لي بيعة، وليست لي ماذا؟ عهد وميثاق»، ولا تطيع. لا يعبد الله، فمن كان هذا حاله فمات، فميتة جاهلية كما قال المؤلف رحمه الله تعالى. فالخوارج المسلمة ونبه عليها لوجود الغبش، بل وجود كذلك الخفافية. وبهذا يزال إن شاء الله ما قد يكون فيه القدح في بعض النفوس. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.