شرح السنة للإمام البربهاري 128

شرح السنة للإمام البربهاري 128

الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 128، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في شرح رسالة البربهاري

يبدأ الشرح بتوضيح عبارة المؤلف حول الإيمان بالكتاب وتقرير عقيدة أهل السنة والجماعة، مشيراً إلى منزلة المؤلف الرفيعة كإمام أهل السنة. يُظهر المقطع أهمية الإيمان بالكتاب وتأثير جحد حرف منه.

موقف البربهاري من البدع وانتشارها

يتناول المقطع موقف الإمام البربهاري من انتشار البدع في زمنه، حيث عمل على تثبيت السنة وإلزام الناس بها، واستغل هيبته لمنع انتشار البدع، مما أثار انتقادات من بعض الشراح حول دعوى العصمة.

انتقاد إلزام الناس برسالته والخلاف حولها

يناقش المقطع انتقاد إلزام الناس بما في رسالة البربهاري، مشيراً إلى أن العلماء حذروا من تقليدهم، وأن الرسالة تحتوي على مسائل فقهية خلافية، مما يجعل إلزام الناس بها غير ممكن.

ختام الشرح والدعاء للتوفيق

يلخص المقطع آراء العلماء حول العبارة السابقة، حيث انقسموا إلى مؤيد ومعارض، ثم يختم بالدعاء للتوفيق وبالصلاة على النبي محمد، معرباً عن أهمية التوفيق في فهم العقيدة.

  • 10 جمادى الأولى 1446هـ - 11/11/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: فمن أقر بما في هذا الكتاب وآمن به واتخذه إماما ولم يشك في حرف منه ولم يجحد حرفا واحدا فهو صاحب سنة وجماعة كامل، قد كملت فيه السنة. ومن جحد حرفا مما في هذا الكتاب أو شك ووقف فهو صاحب هوى. في هذه الفقرة، إخواني في الله، ومن كان معنا في دروس ماضية يستذكر أن مثل هذه الفقرات قد مضت، فها هنا المؤلف رحمه الله تعالى يصف كتابه، وهو الذي بين أيدينا، بهذه الأوصاف. فقال رحمه الله تعالى: إن من أقر بما في هذا الكتاب وآمن به واتخذه إماما ولم يشك في حرف منه ولم يجحد حرفا واحدا فهو صاحب سنة، وأن من خالف ما في هذا الكتاب وجحده، ولو حرفا واحدا، أو شك أو توقف فهو صاحب هوى. وقلنا في دروس ماضية، ولا بأس بذكر ما يتعلق بهذه الفقرة، أن شراح الكتاب وشراح هذه الرسالة أنهم على قسمين اثنين إزاء هذه العبارات. أنهم على قسمين اثنين: قسم من أهل العلم من أيد ووافق المؤلف رحمه الله تعالى على هذه العبارة، وأنها صحيحة، وأنها لا لبس فيها ولا إشكال. ومن قال بهذا القول من تأييد المؤلف رحمه الله تعالى لهذا الكلام حمله على محملين اثنين. المحمل الأول أن المؤلف رحمه الله تعالى إنما في هذه الرسالة، وفي هذه الفقرات، إنما سطر وذكر ما هو من عقيدة أهل السنة والجماعة، ما ذكر ما يتعلق باجتهاداته الخاصة أو بآرائه التي يراها هو، وإنما ذكر وصطر ما يتعلق بعقيدة أهل السنة والجماعة. فمن قرأ الكتاب من أوله إلى آخره يرى أن المؤلف رحمه الله تعالى إنما سطر وقرر القواعد والمسائل التي يقول بها أهل السنة والجماعة، ما كان في باب العقيدة، ما كان في باب التوحيد، ما كان في باب المنهاج والسلوك، ما كان في باب الطاعات والعبادات، ما كان من باب الآداب والأخلاق، ما كان في باب المعاملات، وقس على ذلك ما يتعلق في باب الصحبة، في باب القضاء والقدر، في باب الإيمان، وغير ذلك من مسائل، تجد أن المؤلف رحمه الله تعالى إنما سطر وقرر ما يتعلق بعقيدة أهل السنة والجماعة. فهو حينما يلزم الناس إنما يلزم بمنهج أهل السنة، يلزم الناس بمنهج أهل السنة. فقال علماء: إذن هذا لا إشكال فيه. فقول المؤلف رحمه الله تعالى: إن من أقر بما في هذا الكتاب فهو صاحب سنة، وأن من جحد ما في الكتاب فهو صاحب هوى، هذا لا إشكال فيه. لماذا؟ لأنه إنما يقرر في رسالته ما يتعلق بعقيدة أهل السنة والجماعة. فهذا المحمل الأول، ومن هنا يقول بعض العلماء: إن قال لا، ما في داعي إلى إنكار على المؤلف، بل هذا كلام مستقيم سليم. والمحمل الثاني الذي به اعتذر للمؤلف رحمه الله تعالى بسياقه لهذه العبارات، وأنه ألزم الناس بما في هذه الرسالة، يحمل المحمل الثاني أن الإمام البربهاري رحمه الله تعالى هو من أئمة أهل زمنه، بل من قرأ في كتب التاريخ وفي كتب التراجم، ومن مر على هذا الإمام رحمه الله تعالى، أن من ترجم له ومن كتب عنه يعطيه الأوصاف الدالة على عظم منزلته في زمنه. كان يقول الإمام القدوة، وأنه شيخ الحنابلة وشيخ السنة في زمنه، فهو له منزلة عالية، منزلة رفيعة. بل كانت له هيبة في قلوب العامة. ولو تذكرون القصة الطريفة التي حكيت عن هذا الإمام رحمه الله تعالى، وهي إن دلت دلت على عظم صيته عند الناس، كيف أنه في مسجده عطس، فشمته من في المسجد ومن خارج المسجد، حتى إلى ما وراء النهر في بغداد، كلها ترجت بغداد في تشميت هذا الإمام. بغداد كلها ليست فقط في مجلس، بل بغداد انتشر الصوت حتى سمع ذاك وسمع وسمع، وكل من يحمده يحمده ويحمده، حتى ارتجت بغداد بتشميت البربهاري رحمه الله تعالى. فهذا دل على عظم وهيبة هذا الإمام في قلوب العامة، مع هذا البدع الذي انتشرت في زمنه، كثرت البدع وكثرت الرؤوس الضالة، وكانت هناك الكثير من الفرق والآراء التي تعصف بقلوب الناس وبعقول الناس. كفى عبرها حتى تعتبر بقوة مبتدعة، أن أهل البدع لما رأوا قوة البربهاري في زمنه أنهم تآلموا وتآمروا عليه، حتى أنهم دسوا حوله المؤامرات، بل ووشوا إلى ولاة الأمور عنه، ورموه ماذا بالتكفير تارة، ورموه كذلك بالتجسيم والتشبيه والتمثيل، حتى أغاروا وأغروا صدر الإمام على البربهاري، حتى طلبه، وأراد أن يقبض عليه، وأراد أن يقتله، فاختبأ البربهاري رحمه الله تعالى في بعض المنازل حتى وافته المنية. الشاهد قوة البدعة وانتشار البدعة، فالبربهاري رحمه الله تعالى هذا التيار الذي في زمنه رأى أنه لا بد أن يفض النزاع أمام الناس، بأنه لا يترك للناس الخيار. يعني يعب أن البربهاري في زمنه وفي وقته وفي بلده، أن هؤلاء الأشاعرة لهم آراء، الجهمية لهم آراء، القدرية لهم آراء، وأهل البدع من المجسمة لهم آراء، وهو سيأتي برأيه، وإن كان ليس رأيه، ونمى رأيه للسنة والسنة جماعة. لكن البربهاري يقول: لو تركت رأيي هكذا يأتي من يأتي من عامة الناس الذي ما يفقه شيء من دين الله، أنه سيتخير إما آخذ بهذا أو آخذ بهذا أو آخذ بهذا. فرأى البربهاري رحمه الله أنه من الحكمة أنه يلزم الناس بما في هذه الرسالة، حتى لا تبقى لهم خيرة. لأنه لو ترك الناس على هذا سيأتي هذا المضلل وذاك المبتدع وذاك الضال فيغرف هؤلاء ويرتجف هؤلاء ويعبث بقلوب هؤلاء. فناسب ورأى البربهاري رحمه الله تعالى أنه لما سطر هذه العقيدة أراد أن يلزم بها الناس، ماذا؟ استغلال لهيبته وقوته وسلطانه أمام قلوب الخلق، وحتى يمنع من انتشار البدعة، وأن لا يجعل للعوام سبيل في أنه يتخير من هنا ومن هنا. فسطر مثل هذه العبارات القوية التي قال فيها: فمن أقر بما في هذا الكتاب وآمن به واتخذه إماما ولم يشك في حرف منه ولم يجحد حرفا واحدا فهو صاحب سنة وجماعة كاملة. تخيل بعامي يسمع بهذا الكلام، فما يستطيع أن يحير جوابا أو يحير هروبا. ثم يقرب البربهاري رحمه الله تعالى: ومن جحد حرفا مما في هذا الكتاب أو شك ووقف فهو صاحب هواه. فما ظنك بعامي يسمع بهذا الكلام؟ ستأتيه ماذا؟ المهابة في قلبه، ويعلم أن هذا الكلام مما يلزم به، وأنه لا يذهب يمنة ولا يسرة. فهذا من اجتهاد البربهاري رحمه الله، وعلى هذا اعتذر له بهذا الاعتذار، أن المؤلف رحمه الله تعالى إنما سطر هذه الكلمات والتي فيها الإلزام برسالته من هذه الناحية، أنه ماذا؟ يستغل ما في قلوب الناس من هيبته، وكذلك لكي يمنع من يمنع من العامة من الذهاب يمنة ويسرى والولوغ مع المبتدعة، وهذا التلبس بأهل البدع. فهذا قول قائم في الله، من أراد أن يؤيد عبارة البربهاري وأنها لا غبار عليها، وأنها مستقيمة. القول الثاني هو قول كثير من الشراح، أنهم عابوا على المؤلف هذا الكلام، وأن هذه الفقرة ما ينبغي أن يذكرها المؤلف رحمه الله تعالى، وكان حقها أن لا تذكر وأن تحذف. ولهم في ذلك أمور. قال الأمر الأول: أن من قرأ هذه الرسالة سيظن أن رسالة المؤلف قد بلغت مبلغا عظيم العصمة، يعني من جحد حرفا واحدا يعني صاحب هوى، قال هذا ما يقع إلا في كتاب الله جل وعلا، كأنه جعل رسالته قد بلغت العصمة المبلغ العظيم. قالوا هذا ما يتأتى، إنما العصمة جعلت في كتاب الله جل وعلا، ما ينبغي لأحد من البشر أن يجعل كتابه ككتاب الله، وأن من شك حرفا واحدا فهو ضال أو كذا، فهذا لا يمكن. فقال العلماء: هذا لا يناسب، وكان الأولى والأجد بالمؤلف أن لا يذكر هذه العبارة، لما فيها من الدعوى العصمة لرسالته. والأمر الثاني أن المؤلف رحمه الله تعالى ألزم الناس برسالته، وقد تواترت نقولات العلماء على أن أحدا من الناس لا يجوز له أن يلزم أحدا من البشر، لا إمام الأئمة ولا مشهد من المجتهدين. وهذا قد مما تواتر ومن نقل ومن نظر في كتب الأئمة وفي عبارات الأئمة قديما من سلفنا الصالح، كيف أنهم حذروا من تقليدهم وأمرهم بترك ما هم عليه، فليس لأحد أن يدعي ويأمر الناس بأن يلتزموا بأقواله، هذا لا يتأتى لأحد. وكذلك من هو أن تعرف حتى في كتب العقيدة التي من كان قبل البربهاري ومن بعد البربهاري، والذي ألف على غرار هذه الرسالة في ذكر أصول أهل السنة وجماعة، ما أحد منهم ألزم الناس، ما أحد منهم ألزم الناس بأخذ بما في رسالته، ومن شك في حرف واحد أو في فقرة واحدة فإنه صاحبه. ما أحد تجرأ لهذا، مع أن كتب فيها نفس ما في بربهاري من ذكر الأصول والقواعد العامة في العقيدة وفي الصحبة وفي الإيمان وفي القدر وفي الإرجاء إلى غير ذلك من مسائل العقيدة. من كان قبل البربهاري ومن بعده ما أحد استطاع أن يأتي بهذا الإلزام، وأن يلزم الناس بما في كتابه، وأنه صاحب سنة كاملة، ومن شك في حرف فيه أو توقف فإنه صاحبه. ما أحد قال بهذا. فقال الأفضل أن يجرى المؤلف على ما جرى عليه السلف الصالح، أنك تذكر أنك تؤصل أنك تقرر ما عليه منهج أهل السنة والجماعة دون إضافة مثل هذه العبارات. أيضا قال علماء: أن إلزام المؤلف رحمه الله تعالى برسالته هذا لا يتأتى، لأن الرسالة التي يسطرها البربهاري ويشرح السنة ليست فيها كلها هي عقيدة أهل السنة والجماعة. لأن المؤلف رحمه الله تعالى، ومن كان معنا يرى أن المؤلف مال ورجح بعض المسائل، هي ليست عليها ماذا؟ أولا هي ليست من صميم العقيدة، وليست من صميم المنهاج، بل هي بعضها من المسائل الفقهية، من المسائل الفقهية ما يتعلق بأن القصر في الصلاة سنة، وهناك من قال بالوجوب. ما يتعلق كذلك في باب النكاح، وقد مر ذلك معنا، أنه لا بد من صداق ومن شاهدي عدل ومن مهر، وهذا مسألة الخلافي معروف بين العلماء وبين الفقهاء. فهي مسائل فيها خلاف بين العلماء، فكيف يلزم الناس بما في رسالته؟ وأنتم ترون أن الإمام رحمه الله ألزم الناس بكل ما في الرسالة، دون التفريق بين العقائد والفقهيات، أن كل ما في الرسالة ينبغي أن تأخذ، وأن لا ينكر، وأنك تتوقف، وأن لا تشك فيها، وأنك تأخذها بكمالها. معنى هذا مسائل فيها خلاف بين العلماء، لا كثير منها العلم قد خالف البربهاري فيها، كالمسائل الفقهية، بل حتى بعض المسائل العامة، مثل مسائل في كل قطرة من السماء هناك ملك منزل معها، هذا ليس لها دليل. في بعض الأشياء ذكر الأثر في السيرة، وذكر المؤلف رحمه الله تعالى في رسالته، لا يمكن أن الناس يلتزمون بها، لا يلتزمون بها لأنها على خلاف الصحيح أو على خلاف الراجح. فمن هذا ومن ذاك، إخواني في الله، أرأيتم العلماء أن من المناسب عدم إلزام الناس بما في هذه الرسالة، أو عدم ذكر مثل هذه العبارات، عدم ذكر هذه العبارات. وحتى قال علماء: ومن هنا نعلم يعني فضل كتب شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى، فشيخ الإسلام رحمه الله تعالى وكتبه قد اهتم بها العلماء من المتأخرين وعظموها. لماذا؟ قال: لأنه لما كان يكتب يكتب في الأشياء المجملة المتفق عليها، شيخ الإسلام إذا قرر المسائل يقرر المتفق عليه عند أهل السنة والجماعة، والكل متفق عليها. المسائل اللي فيه خلاف قد يذكرها ولا يأتيها في كتبه أو يؤصل فيها، وإنما يؤصل المسائل المتفق عليها بين العلماء، فكان بذلك ماذا؟ محل إعجاب العلماء واهتمام المتأخرين بها. فأشأ الحاصل، إخواني، في هذه الخلاصة نعلم رأي كل فريق. فهذه العبارة أن المؤلف رحمه الله تعالى ذكر وقرر أن من أخذ بما في رسالته من أولها إلى آخرها أنه صاحب سنة، وأنه من أنكر حرفا ولو واحدا أو وقف على حكم أو تشك في حكم واحد فإنه صاحب هوى. قلنا العلماء على قول اثنين، منهم من أيد العبارة، ولو في ذلك محامل، ومنهم من عارض هذه الفقرة، ولو على ذلك كذلك مآخذ. فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.