قصة موسى عليه السلام في القرآن 5

قصة موسى عليه السلام في القرآن 5

الدرس في قصة موسى عليه السلام في القرآن 5، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

حادثة قتل موسى للقبطي

يتحدث عن حادثة قتل موسى للقبطي من غير قصد وتفاصيل موقفه من الإسرائيليين. يواصل الحديث عن استنجاد الإسرائيلي بموسى مرة أخرى.

خروج موسى من مصر إلى مدين

يتناول قرار فرعون وملئه قتل موسى بعد كشف أمره، وخروجه خائفًا يترقب إلى مدين. يصف أهل مصر بالظالمين لظلمهم له.

وصول موسى إلى مدين ومساعدته للمرأتين

يروي وصول موسى إلى ماء مدين ومساعدته لامرأتين في سقي أغنامهما، ويصف أخلاق أهل مدين. يبرز عمل موسى الإنساني تجاه المرأتين.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، مواصلة إخواني في الله في قصة موسى عليه السلام من خلال نصوص السنة والقرآن، ذكرنا في المجلس الأخير وعاكم الله على ما آلت إليه الأمور مع موسى، حين أن تدخل في فض النزاع القائم بين الإسرائيلي والمصري، إلا أن الأمور لم تسر على ما أراد موسى عليه السلام، فكان قصده أن يردع هذا المصري، لكن وصل الأمر إلى قتله من غير قصد، من غير قصد. ثم بقي موسى عليه السلام خائفا يترقب من كشف أمره، لكن لم يعلم أحد بفعلته التي فعلها في يوم من الأيام، وافق موسى عليه السلام نفس هذا الموقف، إذ أن ذاك الإسرائيلي كذلكم تورط في مشاجرة أخرى مع مصري آخر، فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه يناديه. وقد ذكرنا إخواني في الله لماذا الإسرائيليون يلجأون إلى موسى عليه السلام مع أنه معدود من آل فرعون؟ قلنا: يرون أنه أقرب إليهم من غيره، وهم يرون أنهم أخواله من الرضاعة، لأن أمه كما في الظاهر أمه إسرائيلية هي التي أرضعته، فهم يرون أنهم أخواله من الرضاعة. وذكرت أهل التفسير والتاريخ على أن موسى نعم كانت لهم مواقف، مواقف كان يقف مع بني إسرائيل ويحوزهم ويدفع عنهم، فهذا الذي استطاع الإسرائيلي أن يستنجد لموسى في المرة الأولى، وفي المرة الثانية فاستنجده على هذا المصري. وينبغي أن لا ننسى كما ذكرنا على أن المصريين هم كانوا أهل الاعتداء، فهم أهل النفوذ وأهل السلطة وأهل القوة، بالمقابل كان بني إسرائيل في مصر أهل ذلة، أهل ذلة ومهانة، ولم عندهم يلقوا ما يردعون، فكان كما علمنا بنص القرآن أن النساء تستحي أي تبقى خدم، وأن الأولاد يقتلون عاما بعام. فالحاصل أن هذا الإسرائيلي استنجد للمرة الثانية بموسى عليه السلام، موسى رأى الأمر، رأى أن هذا الإسرائيلي للمرة الأخرى يتورط في مشاجرة مع قبطي ويستنجده ويستصرخ به ويستغيث به: أدركني، أدركني، أدركني. هنا كان لابد لموسى عليه السلام من التدخل، وخاصة في نصرة مظلوم، في نصرة مظلوم، لكن بالمقابل مع نصرتي لهذا المظلوم أراد أن يوبخه، يوبخه، يعني: أنت مظلوم لكن لا تورط نفسك مع من هو أقوى منك وأشد منك، فقال: إنك لغوي مبين، عندك غواية، أنت فيك شر، شر أنك ترتقي إلى مستوى من هو أقوى منك وأشد منك وأعلى منك رتبة. فما كان ينبغي أنت مستضعف ابتعد، إذا ضربت امشي، لا تقف أمام هؤلاء ويحصل منك دائما المشاجر الأولى والثانية، إنك لغوي مبين. قال ربنا عز وجل: ﴿فَلَمَّا أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾، من المقصود؟ المصري، المصري القبطي هو عدو لموسى وعدو للإسرائيلي، فموسى عليه السلام هنا كذلكم أراد أن يردع هذا القبطي كما أسلفنا، لأن الأصل الاعتداء والعدوان منهم، منهم. فأراد موسى أن يردع هذا المصري بأن يبطش به، يضربه، يبعده، يزجره بأي طريقة، فلما أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما، قال: يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس؟ هذا نداء خرج، خرج من أين؟ هل خرج من الإسرائيلي أم خرج من المصري؟ أتريد أن تقتلني تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس؟ هذه المسألة وقع فيها خلاف بين المفسرين، من القائل لهذا الكلام؟ هل هو المصري أم الإسرائيلي؟ على قولين، والصحيح والله تعالى أعلم والظاهر أن الذي قال هذا هو الإسرائيلي الذي جاء موسى لإنقاذه هو التفوه بهذه الكلمات: أتريد أن تقتلني؟ ولماذا قلنا ذلك؟ نقول ذلك إخواني في الله، لأن ما مضى في الحادثة الأولى ما كان من قتل موسى للقبط الأول ما كان أحد يعلم بهذه القصة أصلا، ما أحد يعلم بها إلا موسى هو صاحب الحادثة، والإسرائيلي الذي استنجد به، والله ثالثهما. ولهذا من كشف الأمر وما علمت الحقيقة بل اختفت على الناس، فما كان أحد يعلم، أما المصري هذا الثاني في الحادثة الثانية ما يدري بشيء أصلا، فكيف يقر بأن موسى قتلت نفسه بالأمس؟ ما يمكن هذا، ما يتلاءم المعنى. فالصحيح والله تعالى أعلم أن الذي قال هذه الكلمات هو الإسرائيلي، يبقى السؤال: لماذا يعترف على موسى؟ أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس؟ لماذا يعترف الإسرائيلي؟ انتبهوا للمشهد ها هنا كما قال المفسرون. موسى عليه السلام لما قدم على هذه المشاجرة قدم عليها وهي على سوقها يتشاجرون، المصري مع الإسرائيلي يتشاجر، والإسرائيلي استنجد بموسى، تعال ويتصايحون، موسى قدم وأراد أن يبطش بالمصري، فالفعل وهو البطش لمن أراده موسى؟ أراده موسى للقبطي، أراد أن يبطش به. لكن الكلام: إنك لغوي مبين لمن وجهه موسى؟ وجهه لإسرائيلي، إذا موسى صدر منه إرادة فعل، وصدر منه قول، القول وهي الملامة: اللامة الإسرائيلي على تورطه: إنك لغوي مبين. وأما أما مقدمه فأراد أن يبطش بالمصري، هذا الذي واضح من الآية، الإشكال عند الإسرائيلي أن الإسرائيلي ما استوعب هذا الموقف، بل ظن ظن على أن موسى بقوله سيبطش به هو سيبطش به هو. فلما رأى الإسرائيلي أن موسى قادم إليهما وهو يوجه الكلام لهذا الإسرائيلي: إنك لغوي مبين، وأراد أن يشمر، الإسرائيلي خاف، ظن منه أن موسى سيأتي إليه لأنه قد ورط في المرة الأولى، فحينها قال هذا الإسرائيلي مع ضعفه وعزه وخوفه وظنه السيء: أتريد أن تقتلني؟ الآن جاء الدور عندي، أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس؟ ونعترف. ففر معنى ما كان هذا المراد من موسى، موسى ما أراد أن يقتل، أراد أن يقتل أو أراد أن يبطش؟ ما نقول يقتل، أراد أن يبطش بالمصر الآخر، لكن الإسرائيلي ما فهم هذا، وجد أن لما كان الكلام موجه إليه ظن أن الفعل سيوجه إليه فهرب. هرب هنا الإسرائيلي، من الذي بقي في الموقف؟ بقي القبط المصري، لكنه سمع سبع ماذا سمع؟ اعتراف الإسرائيلي الذي قال: كما قتلت نفسا بالأمس، فعلم القبط ما جرى في الحادث الذي سلفت، فهرب، لكنه هرب وهو ينشر الخبر ينشر الخبر في الأنحاء وفي المدينة: موسى القاتل، موسى القاتل. حتى وصل إلى باب فرعون، وحتى وصل الخبر إلى فرعون على أننا قد عرفنا القاتل للقبط الذي وجدنا جثته مرمية من غير معرفة الفاعل، الفاعل هو موسى باعتراف الإسرائيلي الذي فر. طبعا هنا اجتمع الملأ والأشراف والأعيان من أهل مصر الكبرى، وقيل أنه تم هذا في محضر فرعون، أنهم اجتمعوا الكبرى وحققوا في هذه المسألة، واستمعوا للأمر، وأن موسى متورط في القضية الأولى وهي قتل من؟ المصري. وأيضا القضية الثانية هي لا زالت تحت التحقيق، فموسى أراد أن يبطش كذلكم، فحينها وجدوا أن موسى سيكون عامل إفساد وسيزيد من حالات الشغب في بلدهم، فأصدروا قرارا بقتله بأن يقتل النفس بالنفس، لا هوادة. لما تم هذا القرار كان هناك رجل في المجلس، وإن كان محسوب من أهل مصر ومن أشرافهم أعيانهم، لكن كان فيه خير كما قال العلم، وصلاح، فيه خير وصلاح، وكان يعرف موسى حق المعرفة. فلما سمع بهذا القرار المرسوم بقتل موسى عليه السلام استطاع أن ينسل ويخرج، وصفه ربنا جل وعلا: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾. خرج يسعى، قال علماء: يمشي سريعا حتى يسبق القرار قبل أن يصل أو يأتي الحراس والشرط فيلقون القبض على موسى، لأن موسى لا يدري بما سيصدر من الحكم، لا يدري بالذي يصير. فجاء هذا الرجل يسعى، ما ذكر ابن كثير رحمه الله تعالى فائدة، قال: أن هذا الرجل بل سلك مسلكا مختصرا حتى يسبق القوم، يسبق القوم، فوافى موسى، قال: ﴿اخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ بعدما أخبره أن الملأ يأتمرون بك على قتلك، أصدر القرار بقتلك. فهنا ما كان من موسى عليه السلام إلا أن يأخذ بهذه النصيحة على محمل الجدية، فخرج منها خائفا يترقب، خرج موسى عليه السلام من مصر. وهنا إخواني في الله خروج موسى من مصر تأتي معنا الآن مرحلة أخرى من حياة موسى، وهي التي ذكرها ربنا عز وجل بقوله: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾، المرحلة الثانية ما عاشه موسى عليه السلام في بلاد مدين. هنا مسائل في نقلة موسى من مصر إلى مدين، أول هذه المسائل: هل كان موسى قاصدا لهذه الجهة؟ قاصد إليها؟ أراد تلك البقعة بعينها؟ قيل هذا نعم، أراد الذهاب إلى هذه المنطقة، ومنه من قال: لا، وإنما أراد موسى أن يفر من هذه البلاد من مصر، وأن يذهب لأي مكان. ولهذا فوض أمره إلى الله: عسى ربي أن يهدي أني سواء السبيل، وكل أمره إلى الله، عندك يا رب نجني من هذه البلدة، وصفها بقوله: ﴿مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، لماذا رماهم بالظلم؟ لماذا رماهم بالظلم؟ قال علماء: موسى رما أهل مصر بالظلم حين خرج، فخرج منها خائفا يترقب، قال: رب نجن من القوم الظالمين، رماهم بالظلم لعدة أمور: أنهم حكموا عليه بأمر قد تاب منه، تاب منه فاغفر لي، فاغفر له. والأمر الثاني: أن ما وقع منه من قتل ما كان عن قصد، ما كان عن قصد، وإنما أراد فوكزه فقضى عليه، أراد يبعده أو يلطمه أو يلكمه لكمة فكان عليها مقتله القبطي، فهما أراد عمدا ولا قصدا. وأضف إلى ذلك أنه ما أقام مجلس تحقيق حتى معه حتى يتثبت من الأمر، إنما في غيبته أصدر القرار، فهذا ظلم وجور في حقه، فقال: رب نجن من القوم الظالمين. فالحاصل أن موسى عليه السلام قيل توجه إلى مدينة إما أنه كان قاصد تلك البقعة أو أنه فوض أمره إلى الله، فالله هداه إلى هذه البقعة. المسألة الثانية، أن موسى كما يقول العلماء فيما يظهر أن هذا أول خروج له من مصر، لأنه عاش فترة في مصر في قصر فرعون، ترعرع فيها كما قال، في فترة الله أعلم كيف كانت، لكنه عاش فيها. فما جاءت أخبار أنه سافر هنا ولا هنا، ولهذا خرج وكان هذا أول خروج، لو قد ترك النعيم وترك الرفاهية الذي كان عليها. ثالثا، موسى عليه السلام توجه إلى مدين، مدين هي من بلاد الشام، من بلاد الشام، تحقيقا في الأردن حاليا، في الموقع الجغرافي في الأردن، إذن هو خرج من مصر متوجه إلى جهة سيناء، ومن سيناء دخل على مدين. مدين ذكر بعض العلماء المعاصرين أن هذه المسافة الذي قطعها موسى عليه السلام تقدر الآن بألف ومئتين كيلو، هذه قطعها موسى بنفسه مشيا، خرج منها خائف، أراد أن يفر من مصر، خرج منها كما قال العلماء بلا زاد ولا دليل، وهو لأول مرة يخرج من مصر. لكن أفوض أمره إلى الله عز وجل، وقطع هذه المسافات، وهذه المسافة ألف ومئتين كيلو يعرفها أصحاب السيارات ومن يجوب البلدان يعرف طول هذه المسافة، فكيف بشخص يقطعها بنفسه؟ فكان الله عز وجل معه يهديه الطريق تلو الطريق حتى أوصله إلى مدين إلى هذه البقعة. من أوائل ما وقع لمدين أو في بلاد مدين ما ذكره ربنا عز وجل: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾، من طبيعة الناس كما يقال: إذا أرادوا أن ينزلوا إلى محل فإنهم يبحثوا عن التجمعات، فكان من تجمعات الناس أماكن المياه، أماكن المياه. ففيها الغريب في هذه الأماكن المعدل السقية يستسقي ماء لنفسه، وأيضا كذلك يستطلع الأخبار يستطلع الأخبار فيعرف حال هذه المنطقة، كيف العيش فيها؟ كيف الوضع فيها؟ إلى آخره، يستطلع الأخبار، فكان هذا من عادتهم. فقال ربنا عز وجل: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾، بقي ماء مدين، المياه تختلف، أحيانا تكون المياه عبارة عن آبار، أحيانا تكون عيون، أحيانا تكون بيرك. الذي يرى من كتب التفاسير وقد جاء في بعض الآثار على أن ماء مدين كان عبارة عن بئر، عبارة عن بئر، طيب لما وصل موسى عليه السلام إلى مدين تحديدا إلى مائها، ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون، أمة من الناس رجال، أمة هنا بمعنى رجال، جماعة من الرجال يسقون أي يسقون أغنامهم. يأتون إلى هذه البئر وكل يأتي بدلوه وذا أكد بدلوه ويعطون الأغنام ويسقون الأغنام، وكانت كما يقال الأغنام عندهم كثيرة، الأغنام عندهم كثيرة جدا. طيب هذا الأمر الذي وجده موسى رأى منظرا شد انتباهه، ماذا وجده؟ وجد امرأتين، وجد امرأتين، لكنهم في بعد عن هذا التجمع، وليس هذا فحسب، بل يرى وراء منهم من المناظر الغريبة: أنهم يذودان، معنى الذود: المنع، ماذا الذي يذودان؟ يذودان الأغنام. موسى شاهد أن الرجال كل واحد يأتي بأغنامه ويأتي بها ويتسابقون على البرك على بئر الماء يسقي حتى ينتهي وينصرف في أغنامه، إلا هذا الموقف شد انتباه امرأة عندها أغنام، ومع ذلك لا يزاحمون، وإنما تذودان، يعني: إذا رأت غنمه من أغنامهم أراد أن تذهب تمنع: تاني ارجع، ارجع، فترجع الأغنام إليهما. فأصبحت الأغنام عندهما ما تحركت، فموسى ساوره السؤال: لما هذا الفعل؟ كان ينبغي يزاحموا حتى يخرجوا ويرجعوا، وأنه خاصة من يأتي بعدهم، كم يقال: يأتي ويصري وينصرف. فلما جاء سألهم قال: ما خطبكما؟ ما شأنكما؟ لماذا هذا البعد؟ قالت: لا نسقي حتى يصدر الرعاء، يعني: طبيعتنا أننا ما نزاحم الرجال، ما نزاحم الرجال أبدا، بل نبتعد حتى ينتهون، إذا انتهوا تماما حينها نسقي نحن نسقي. وفي ذلك إشارة إلى حال هؤلاء الرجال: أن عندهم نوع من البخل والشح، إذ أنهم كل واحد يحاول أن يحرص على حقه دون الآخر، ما عندهم مسامحة ولا عندهم عفو. وفيه كذلكم كما قال العلماء: فيه قلة مروءة، قلة مروءة من الرجال، إذ كان ينبغي عليهم أن يراعوا عز النساء فيسمح لهم بالسقية، ثم هم يزدحمون كما شاءوا، لكن يراعوا هذا الظرف. أما أنهم يزدحمون ويزدحمون ويزدحمون على حساب النساء، تكون في آخر من في الصف، ولا يبالون بهن، كان هذا قلة مروءة كما قال العلماء. حينها لما رأى موسى عليه السلام واستمع لأمرهما رقى لهما ورحمهما، قال ربنا: ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾، مباشرة أخذ أغنامهما، قال: أنا سأسقي لكما، فعل هذا كما قال علماء من غير أجرة، ومن غير طالب، ومن غير يعني أراد منهم شيئا سوى ما عند الله عز وجل. أراد التقرب إلى الله بعمل صالح أن يعين النسوة في سقيا الأغنام، هنا جاء أثر رواه بن أبي شيبة عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وهذا الأثر حسنه وصحاه جماعة من أهل العلم كالإمام الحاكم والذهبي وهكذا ابن كثير، وقالوا: سنده صحيح. فيه أن عمر يخبر عن هذا الموقف الذي جرى لموسى: أن هؤلاء أصحاب الرعاة أصحاب مدين كان من طبيعتهم إذا انتهوا إذا انتهوا من سقيا الأغنام من لؤمهم من لؤمهم أنهم كانوا يأتون بصخرة عظيمة ويطبقون على البئر انتهى السقيا، ما نريد أحد يسقي، خلاص. طبعا المرأة تلك من المرأتان كان من أسباب عجزهما وضعفهما: وأبونا شيخ كبير، ما عندنا أحد، ولي من أولي أمورنا يأتي معنا فيترك لنا المجال، ما عندنا عندنا أب، لكنه شيخ كبير في السن في البيت ما يستطيع. فهؤلاء أهل اللؤم استغلوا ضعف النساء، الله تعالى أغلقوا البئر بصخرة عظيمة، جاء في الأثر أنها صخرة كبيرة لا يطيقها إلا عشر من الرجال يتناوشون عليها من كل جهة حتى يرفعون ثم يغلقون البئر تماما إلى أن يأتوا في اليوم الثاني فيرفعون. فلما جاء موسى عليه السلام وعلم من شأن المرأة ما علم، وعن لؤم هؤلاء، فلما انصرف القوم وأغلقوا البئر، جاء موسى عليه السلام بنفسه، وكان قويا قويا كما مضى في الدرس السابق في قوله تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾، وكزه فقط، وكزه قضى، لقوته عليه السلام. فاستطاع لوحده أنه ينتشل هذه الصخرة الذي يقوم على حملها عشر من الرجال بنفسه رفعها وأزاحها وفتح البئر، ثم أتى بالأغنام وسقاهم جميعا وسقاهم جميعا، هذا الأثر كما قلنا سنده صحيح، صحيح جماعة من أهل العلم. نقف إلى هذا الحد، وهناك أحداث حول هذه المسألة وما يتعلق بالمرأتين والتعاون معهما نكملها إن شاء الله في درس غد. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.