الدرس في قصة موسى عليه السلام في القرآن 6، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يُستكمل الحديث عن قصة موسى عليه السلام حين ذهب إلى بلاد مدين والتقى بأبي المرأتين اللتين سقى لهما. يُحدّثنا عن تفاصيل اللقاء وكيف طمأن الرجل موسى بأنه في أمان في بلاد مدين.
يتناول المقطع شبهات حول هوية الرجل الصالح الذي التقى بموسى عليه السلام، ويخلص إلى أن هذا الرجل رجل صالح من أهل مدين وليس بالضرورة شعيب عليه السلام.
يتناول المقطع تفاصيل فترة موسى عليه السلام في مدين، حيث عمل عند رجل صالح لمدة ثمان أو عشر سنوات وتزوج إحدى ابنتيه.
يذكر المقطع عودة موسى عليه السلام بأهله من مدين إلى مصر، ويشير إلى أن هذه المرحلة لها تفاصيل ستأتي في الدروس القادمة.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، ذكرنا ما حصل لموسى عليه السلام من ذهابه إلى بلاد مدين، وذلك بعد انكشاف أمره باعتراف ذلك الإسرائيلي على القول الصحيح من أقوال العلماء في ضبط هذه المسألة، وتوجه إلى مدينة وهي تقع في جهة الأردن، وهناك وجد أمة من الناس قد اجتمعوا على مائهم، وهي بئر يسقون الأغنام، فلفت انتباهه ما وجده من ابتعاد مرأتين، فسأل عن حالهما، فعلم أنهما ابتعدتا خشية المخالطة والمزاحمة للرجال. فحين بادر عليه السلام إلى إعانتهما، فسق الأغنام من غير طلب ولا أجرة، ورد الأغنام بكل ما فيها، وما أخذ ولا استولى ولا اغتصب شيئا من هذه الشيئة، فدل ذلك على أمانته. فقال ربنا عز وجل بعد ذلك: ﴿فسقى لهما ثم تولى إلى الظل﴾، الظل قد يكون إلى ظل شجرة أو إلى ظل صخرة، فالله أعلم، لكن في ذلك إشارة إلى أن هذه القصة حصلت في النهار، وخصوصا في وقت حار، فآوى إلى الظل. حينها تتمتم موسى عليه السلام بهذه الكلمات يناجي ربه، قال: «ربي إني لما أنزلت إلي من خير فقير»، لما أنزلت إلي من خير بمعنى أن ما من خير يأتي منك يا الله فأنا بحاجة إليه، بحاجة إليه. وما نطق موسى عليه السلام بهذه الكلمات إلا لعظيم الحاجة التي نزلت به، فهو جاء خرج من بلاده وليس عنده هدف وليس له مأوى وليس عنده مال يستزيد به، فتجأ إلى ربه بهذه الكلمات. قال العلماء: وفي كلمات موسى عليه السلام أنه جمع بين الدعاء والثناء والشكر لله، فكان الأمر أن الله عز وجل عوضه بماذا؟ لزوجه وسكن وعمل. وبهذا تعلم يا عبد الله أن الله عز وجل قريب من عباده، وأن الأمور مهما اشتدت عليك وتأزمت وأغلقت عليك الأبواب، فكن على ظن حسن بربك، فهو موسى ما يرى أمامه شيء لا هدف ولا مأوى ولا سكن، ومع ذلك التجأ إلى ربه فيسر الله له الزوجة والسكن والعمل. كما سيأتي معنا ما يتعلق بأمر الفتاتين، لما انتهى من سقيا الأغنام، رجعتا إلى البيت وكان هذا على غير العادة، فسألهم أبوهم عن سر عودتهم بهذه السرعة، فأخبروه بخبر الرجل الذي أعانهم وساعدهم، وكان من أمره كذا وكذا، فأحب أن يلتقي به وأن يكافئه على جميل ما صنع. فجاءته إحداهما على استحياء، قالت: «إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا»، أبي يطلبك أن تحضر لكي يكافئك. فلما جاءه موسى عليه السلام، فلما جاءه وقص عليه القصص، أصبح التعارف بين هذا الرجل الأب وبين موسى عليه السلام، وأخذ موسى يسترسل بما وقع له من حوادث وقصة القبطي والمصري الذي قتله من غير قصد، وكيف أن الملأ قد أجمل على قتله، فهاهم يبحثون عنه، وأنه وصل إلى هذه البلاد فرارا من كيدهم. فحينها قام هذا الرجل وطمأن موسى عليه السلام بقوله: «لا تخف نجوت من القوم الظالمين». طيب على أي أساس هذا الرجل طمأن موسى؟ قال العلماء: طمأنه لما يعلمه هذا الرجل أن بلاد مدين ليس على الفراعنة من سلطان، لا تدخل إلى سلطان وحد بلاد الفراعنة، وهذا مثل نظام الدول، كل دولة لها حدود لا أحد يتعدى نظام الدولة الأخرى. فقال: «لا تخف أنت الآن في مدين انتهى عهد فرعون انتهى في بلاد مصر ليس له سلطان عليك، فأنت هنا حر أنت هنا حر لا تخف كن آمن مطمئن». هنا وقفة إخواني في الله مع هذا الرجل، من هذا الرجل؟ اختلف المفسرون وهكذا المؤرخون في تشخيص هذا الرجل من هو؟ نعم، الأكثر والأشهر بأنه شعيب عليه السلام. وجاءت بعض الآثار عن بعض العلماء من صرح بهذا، فهذا هو القول كما قلنا الأكثر وهو الأشهر في كتب التفاسير. وبالمقابل هناك ما يقابل هذا القول من بعض المحققين من أهل العلم والأثر من أن هذا الرجل ليس بشعيب، وإنما هو رجل نعم صالح من أهل مدين. قال العلماء: أولا، ليس عندنا دليل صحيح صريح نص واضح لا من القرآن ولا من السنة، بل هذه الآيات التي سمعتموها والذي فيها التفاصيل عن قصة موسى حتى وصل إلى أهل مدين ليس فيها إشارة إلى أنه شعيب. فلو كان هذا الرجل هو شعيب هجأت الإشارة به والإشادة بذكره وأن يلتقي الأنبياء فيما بينهما، لكن لم يأتي. بل حتى على لسان الفتاتين قال: «إن أبي» ما قال: «إن رسول الله يدعوك أو يطلبك»، إن أبي. فالدليل الأول وهو عدم موجود نص صحيح صريح بإسمية شعيب. الثاني، قال العلماء: بل حتى عند أهل الكتاب، قصص الأنبياء إخواني في الله ليست فقط موجودة عندنا في شريعتنا، بل حتى في التورا في الإنجيل هناك قصص كقصصنا. فهذه أشياء يتوارثونها الأديان، قصة إبراهيم قصة نوح موجودة، دخلها التحريف. الشاهد أن قصة موسى ودخوله إلى مدين موجودة في التورا، وهم كذلك وهم أهل اليهود ليس عندهم تصريح باسم شعيب. فقال العلماء: حتى عند أهل الكتاب ليس عندهم تصريح بهذا. ثالثا، قالوا: حتى عند الصحابة ما هناك أحد من الصحابة صرح بأن هذا الرجل هو شعيب، بل بالعكس جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه سمى هذا الرجل بيثري، وفي لفظة يثرون، أن هذا الرجل من أهل مدين اسمه يثري أو يثرون. كذلك الأمر الرابع مما يدلل به على أن هذا الرجل ليس بشعيب عليه السلام، قال العلماء: هل يمكن ويعقل أن شعيب يستأجر موسى؟ لأنه سيأتي معنا تم الاتفاق على أن هذا الرجل يجعل موسى أجير خادم. هل شعيب سيعامل موسى كليما الله من أولي العزم من الرسل يعامله على أنه خادم يخدمه؟ هذا يستبعد. ما سيعامله بهذه المعاملة. كذلكم الأمر الخامس، قالوا: أن شعيب عليه السلام عربي، وأن موسى عبري، فكل بلغته، وسياق القصة تدل على أن ما هناك مترجم بينهما، فكيف العبري يتكلم مع العربي؟ وهذا يفهم هذا؟ فقالوا: يستبعد إذن هذا ليس بشعيب العربي الذي نعرفه. وكذلكم سادسا وأخيرا، قال العلماء: على أن لو قلنا أنه شعيب، مثلا هذا هو شعيب، شعيب قومه المكذبين به أهلكهم الله بيوم الظلة، من بقي مع شعيب أهل الإيمان أهل الاتباع أهل التقى، هؤلاء هم الذين بقوا مع شعيب. هل يظن بهؤلاء أهل التقى والإيمان أن يعاملوا بنات شعيب بهذه المعاملة؟ سمعتموها كيف كانوا في تعاملهم بالأمس تركوهم وما التفتوا إليهم وزاحموهم وأغلقوا البئر عليهم وانصرفوا هكذا يعاملون بنات نبيهم؟ يستبعد. فالشاهد المعطيات كثيرة بها استدل من استدل من المحققين على أن هذا الرجل وليس بشعيب، وهذا الأظهر والله تعالى أعلم. وهذا الأصح لما سمعتموه من دلائل وغيرها كثير، وليس المقام مقام تفصيل في هذه القضية. فالشاهد أنا نقول أن هذا الرجل الذي التقى بموسى عليه السلام هو رجل صالح من أهل مدين. فلما تم الأمر على هذا، قال: «لا تخف نجوت من القوم الظالمين». قامت إحدى الفتاتين وعرضت على أبيها مسألة، قالت: «يا أبي استأجره»، إذا كان الرجل بهذه الصورة خرج من بلده ما عنده هدف ولا عنده شيء يجعله عندنا يشتغل وتتعف وضعنا نحن نساء نذهب ونزاحم الرجال وأنت كبير ما تستطيع، فنحتاج إلى عامل استأجره يجعله أجير يخدمنا. «إن خير من استأجرت القوي الأمين»، وكيف عرفوا وكيف تعرفت الفتاة هذه الصفات من موسى؟ لما رأوه من فعل موسى عند البركة أو عند البئر، القوة عندما استطاع أن ينهض بنفسه بسقي الأغنام وبرفع الصخرة عن البئر قوي، وكذلك أمين بأنه رد الأغنام إليهما وما أخذ شيء، وكان بمقدوره أن ينتزع جزء أو بعضه بحاجة إلى طعام وإلى زاد، أخذ الأغنام أرجع الأغنام فما أخذ منها شيئا دل على أمانته. بهذا يذكر العلماء فائدة على أن من صفات القيادة والريادة ومن أراد أن يتولى المناصب والمهام والمسؤوليات عليه أن يتصف بهاتين الصفتين القوة والأمانة. القوة يدخل في ذلك الحزم يدخل في ذلك الانضباط، الانضباط يدخل في ذلك المتابعة، والأمانة يدخل في ذلك الدين يدخل في ذلك تقوى الله عز وجل يدخل في ذلك العلم لما يمارسه هذا وذا. أما أن يولى المناصب أو المسؤوليات والأعمال إلى شخص قوي حزم ومع ذلك عنده ضعف أمانة هذا لا يستحق أن يوظف أو يمكن. أو رجل عنده أمانة وعنده خير وعنده تقوى لكنه ضعيف ما يستطيع أن يولي المسؤوليات، تجد الرعية تفلت على يديه ويقع في زمنه الهرج والمرج والفوضى هذا ما ينفع. ولهذا «إن خير من استأجرت القوي الأمين»، القوة والأمانة. ثم قام هذا الرجل الصالح وعرض على موسى مسألة أعظم من هذه المسألة، ليس فقط استئجار، قال: «إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج»، عرض عليه الزواج من أحد الفتاتين من بناتك إما هذه وإما هذه، لكن بشرط أن تعمل مهري مهري البنات تعمل عندي كم تعمل ثمان سنوات تعمل طبعاً والمهمة هي رعي الأغنام، رعي الأغنام ترعى الأغنام عندي لمدة ثمان سنين. فإن أتممتها عشراً فمن عندك تحب أن تواصل أحببت البقاء عندنا وتواصل فتكمل عشر سنوات هذا لك هذا لك ولست ملزماً بالتكملة لك الذي يكون بيني وبينك ثمان سنين هذا المهر. فطرع عليه هذا الأمر ثمانية حجة فإن أتممتها عشراً فمن عندك. وما أريد أن أشق عليك وهناك مشقة أولاً المهمة سهلة رعي الأغنام، قامت بها النساء فأولاد قد قمنا بهذه المهمة، فأنت أقدر أنت أقدر. ولا زال الناس لربما يحيلون أمر الأغنام إلى الصغار والنساء لا زال فهي مهمة سهلة. وما أريد أن أشق عليه وما أريد أن أشق عليه فهي مهمة سهلة. وأضف إلى ذلك لن أكلفك ما أكلفك أبداً إذ وجدت أي شيء فيه نوع مشقة معفو عنها ستجدني إن شاء الله من الصالحين. وهذه الآية الذي ختمت بهذا الوصف الصلاح أتى فائدة أتى بها الإمام السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره عند هذه الآية، قال: وفي هذا دليل على أن الرجل الصالح ينبغي أن يحسن من خلقه قدر الإمكان. عند هذه الآية لما وجدنا من كيفية تعامل الرجل الصالح مع موسى عليه السلام هي اتفاقية، ومع ذلك «وما أريد أن أشق عليك»، ومع ذلك الأمر إليك وجدت ما شقة معفو عنك. فقال السعدي رحمه الله تعالى فيها أن الرجل الصالح ينبغي أن يحسن من خلقه قدر الإمكان، ثم قال: فإنه يطالب ما لا يطالب غيره، لأن الرجل الصالح خائف الله منزلة عند الله بل وموقفه عند الناس يلزمه أنه يتحرى التقى والأخلاق والمعاملة قدر الإمكان. وكما نذكر في العبارة الشهيرة «على قدر التشريف يكون التكليف»، على قدر التشريف إذا رأيت أن الله شرفك بشيء اعلم أن التكليف عليك أبلغ من غيرك. ولهذا قال إمام السعدي «فإنه يطالب ما لا يطالب غيره»، الصالح يطالب ما لا يطالب غيره، فأنت لست كرعاع الناس، أنت لست كرعاع الناس. فإذا وجدت أن الله أنزلك منزلة من السؤدد والخيرية والاستقامة والصلاح والعبادة والزهد اعلم أن الأنظار ترنوا إليك، فحرصه عبد الله في هذا حسن التعامل مع الغير. فقال موسى عليه السلام: «فلما سمع بهذه الاتفاقية قال هذا بيني وبينك موافق موافق»، انظر كيف أن الله فرج على موسى أن عرض عليه الزواج من قبل هذا الرجل الصالح، وأيضا عمل وسكن سيسكن عندهم، وكذلك سيعمل، وكذلك وعد بالزواج. قال: «هذا بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي»، أيما الأجلين أنا مخير بين هذه الآجال إما الثمان أقوم بها وهي الواجب في ذمتي، وإما العشر هذا التفضل من عندي إذا أنا وجدت نفسي همني أواصس أواصل فلا عدوان علي. وبعد ذلك لا تكلف ولا تغير، لا تكلف ولا تغير. ثم قال ربنا عز وجل: «فلما قضى الأجل موسى عليه السلام قضى الأجل»، أي انتهت المدة. بقي السؤال ما هي المدة التي قضاها موسى عليه السلام؟ الثمان أم العشر؟ جاء في البخاري أن ابن عباس رضي الله تعالى عنه سئل عن ذلك، قال: «قضى موسى أطيبهما وأكثرهما»، أي العشر، قضى عشر سنوات، أخذ بالتبرع وأخذ بالفضلة والإحسان لما أحسن الرجل معه وأحسن إليه فأخذ عشر سنوات قضاها. فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله، هذه مرحلة أخرى. لكن نقول كما قال علماء: بعد المضي عشر سنوات تم الاتفاق، قام موسى بالذي طلب منه، حينها زوجة زوجة من أحدى من إحدى الفتاتين وتزوجها، ذكر ابن كثير رحمه الله تعالى على أن موسى بزواجه من هذه المرأة كذلك أنجب منها وكون منها ذريتين يذكر. والله تعالى علم أنه أنجب من هذه الزوجة بصبيين بولدين. بولدين، وهذا الذي قال ربنا: «وسار بأهله»، أي بزوجته وأولاده معه. وهذه المرحلة وهي التي قضاها موسى عليه السلام في مدين تفاصيلها الله أعلم، كما قلنا في مسألة تربية موسى في قصر فرعون إلى أن بلغ أشده تلك الله أعلم. وهذه الفترة الذي مكثها موسى الله أعلم كيف سارت هذه السنون مع موسى عليه السلام، فلم يذكر لنا ربنا شيئا عنها، ما ذكر عنها ربنا شيئا. لكن يكفينا قول ربنا عز وجل: ﴿فلبثت السنين في أهل مدين﴾، نعم سنين السنين العشر هذا بلا شك ولا ريب قضاها في مدين عشر سنين متواصلة. لكن ما بعد ذلك قضية الإنجاب إن صحت كما ذكر جماعة من المفسرين، حتى أن من المؤرخين من قال: أنه مكث في مدين عشرين سنة، الله أعلم بهذا. المدة الطويلة الله أعلم، نجزم بالعشر ما زاد عن عشر الله أعلم كم بقيت هذه. ثم بعد ذلك قال ربنا: «وسار بأهله إلى أين؟» بعد ذلك أراد موسى أن يذهب إلى مصر، وهنا تأتي معنا مرحلة جديدة وهي عودة موسى عليه السلام بأهله من مدين إلى مصر، وهذا كذلك مراحلها طويلة تأتي معنا إن شاء الله في هذه الدروس القادمة. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله نبينا محمد وعلى آله وصحبي وسلم، والله تعالى أعلم.