الدرس في قصة نوح عليه السلام 4، حال البشرية بعد الطوفان . ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
بعد الطوفان، نزل نوح عليه السلام ومعه من كان في السفينة، وتفرعت الأمم من أبنائه الثلاثة: يافث وسام وحام. نوح عليه السلام يلقب بأبو البشرية الثاني.
بدأ نوح يعلم ذريته التوحيد وانتشرت الذرية يمنة ويسرة بعد الطوفان، وتفرعت من أبنائه الثلاثة الأمم والشعوب. استغرقت هذه العملية فترة زمنية طويلة.
الفترة بين نوح وإبراهيم عليهما السلام شهدت أحداثًا مهمة مثل ظهور قوم عاد وثمود ويأجوج ومأجوج مع ذي القرنين. سيتم استكمال الحديث عن هذه الأحداث في الدروس القادمة.
المقطع يشير إلى انتهاء الحديث والصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويظهر احترام وتقدير للنبي وآله وصحبه. يُنهي الكلام بالتأكيد على العلم الإلهي.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، لازلنا مع قصة نبي الله نوح عليه السلام، وخاصة ما يتعلق بأمر الطوفان. وأشرنا إلى عدة مسائل متعلقة بهذا الباب. فالشاهد، إخواني في الله، مما ختمنا به المقام، ما يتعلق برسو السفينة، كما جاء ذلك مسطرا في القرآن: ﴿واستوت على الجودي﴾. وقلنا: الجودي هو جبل، لكن هل هو أي جبل أم جبل مخصوص؟ أكثر العلماء على أنه جبل في العراق، في جهة الموصل. بعد ذلك، عندما ثبت نوح عليه السلام من أمره، وأن الأرض قد عادت إلى ما كانت عليه من اليبوسة، وأن الله عز وجل قد أوقف هذا الفيضان، حينها نزل نوح عليه السلام إلى الأرض. فكان مما جاء في قول ربنا عز وجل: ﴿قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم﴾. في هذه الآية، أخبر ربنا عز وجل بأول هبوط لآدم، لنوح -أعني عليه السلام- إلى الأرض: اهبط منها بسلام. والسلام سيكون لمن كان معه، وسيعم من كان من ذريته، إلا من كان من الكافرين، فالله عز وجل توعده بالعذاب الأليم. وقال: ﴿سنمتعهم وأمم سنمتعهم﴾، لأن القصد الدنيا ليست بشيء، في أن يتمتع بها الكافر، وإنما أعظم ما يتمتع به الإنسان في هذه الدنيا هي نعمة الدين، نعمة وأي نعمة. فأما الكافر، قد يتمتع بهذه الدنيا، لكن بعد ذلك سيعذبه الله عز وجل العذاب الأكبر. نزل نوح عليه السلام إلى الأرض، ومعه من معه من السفينة، أخذوا فترة من الزمن، تكاثروا أو عاشوا برها من الزمن. لكن هنا فائدة، وهي أن الذين خرجوا مع نوح وهبطوا إلى الأرض، وهم الفئة المؤمنة، لم يبق منهم أحد. ما معنى لم يبق منهم أحد؟ أي انقرضوا، انقرضوا جميعا، وصلوا إلى آجالهم وماتوا تباعا، هذا مات، وذاك مات، وهذا قضى نحبه، ما بقي أحد. كل من كان من البشر، أما الحيوانات تكاثروا، ثم استوطنوا الأرض، مع من كان مع نوح، قد جاءتهم الآجال وفنوا، ما بقي منهم تناسل، ولا أصبح منهم تكاثر، إلا من نوح، ومن كان من صلبه عليه السلام، فقط هذا الذي بقي على وجه الأرض. وهذا الذي جاء في قول ربنا عز وجل: ﴿وجعلنا ذريته هم الباقين﴾، فقط هم البقية. وهذا أمر متفق عليه بين المؤرخين وبين النسابين، كما قال صاحب كتاب نهاية الإرب: "قال وقع الاتفاق بين النسابين والمؤرخين أن جميع الأمم الموجودة بعد نوح عليه السلام، جميعهم من بنيه، من بنيه دون من كان معه في السفينة". أي كل من كان في السفينة ذهب، بقي الذي في الأرض نوح ومن كان من صلبه. نأتي الآن إلى صلب نوح، أشرنا في درس أمس إلى فائدة، وذكرنا أننا سنرجع إليها، وها هو الآن موعد الرجوع إلى هذه الفائدة. أبناء نوح، ذكرنا كم؟ أربعة، أربعة، أحدهم قد غرق، كما مر معنا في قضية الطوفان، وهو يام، ومشهور عند أهل الكتاب بكنعان، هذا ليس له حساب معنا. معنا الثلاثة، هؤلاء قد آمنوا بأبيهم بنوح عليه السلام، وركبوا معه في السفينة، ونزلوا وهبطوا إلى الأرض: يافث هو الأكبر، وسام هو الأوسط، وحام هو الأصغر. هؤلاء ما شأنهم؟ هؤلاء الذين منهم تفرعت الأمم، الأمم، فكلنا من صلب نوح عليه السلام، كلنا من صلب نوح عليه السلام. ولهذا كان مما يلقب به نوح عليه السلام أنه يقال: "أبو البشرية الثاني"، هذا من ألقاب نوح، "أبو البشرية الثاني"، أو يقال عنه "آدم الثاني"، وقيل عنه "آدم الصغير"، هذه ألقاب أطلقت على نوح عليه السلام بهذا الاعتبار، لأن كل من كان من الأمم الآن موجود، إنما تفرع من صلب نوح، من بنيه: يافث وسام وحام. يافث، وهو الأكبر، تفرعت منه أو جاء من صلبه كما يقال: الترك، وأعني بالترك أي هذه الشعوب أصحاب الوجوه المطرقة المستديرة والعيون القصيرة، كالشعب الصيني واليابان والتايوان وتايلاند وكوريا بشقين، هذه كلها تفرعت من يافث. وأما سام، وهو الأوسط، فهذا تفرع وخرج من صلبه العرب والفرس والروم. وأما حام، وهو الأصغر، خرج منه البربر والسودان والقوم السود بشكل عام، فهؤلاء تفرعت منهم الأمم والشعوب. وهذا أمر أيضا متفق عليه، فالاتفاق حاصل بين المؤرخين والنسابين على قضيتين اثنين: القضية الأولى أن كل من كان مع نوح لم يبق، وإنما بقي نوح ومن كان في صلبه. الاتفاق الثاني أن الأمم تفرعت من الثلاثة: يافث وسام وحام. هذا، إخواني في الله، قد ذكره العلماء، واستندوا كما قلنا للآية الكريمة: ﴿وجعلنا ذريته هم الباقين﴾، ذرية نوح هي البقية. وأما بقية المؤمنة، فهؤلاء قد ذهبوا، بقي نوح عليه السلام، مع طبعا هذه الآن حياة جديدة. حياة جديدة، أرسل ربنا عز وجل الشرائع، كما قال سبحانه: ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا﴾، أول أول رسول قد مضى. هذا معنا، وهذا فيه رد على من زعم أن هناك رسل قبل نوح، كمن يزعم بأن إدريس قبل نوح، هذا خطأ، هذا خطأ، خطأ ينص عليه دلالة القرآن والسنة، لأن نوح عليه السلام هو أول رسول. وأما إدريس، نعم هو من أنبياء الله، وإنما جاء بعد نوح: ﴿إنه كان صديقا نبيا﴾. ثم أخذ نوح عليه السلام يعلم ذريته ومن بقي من صلبه، وانتشرت الذرية يمنة ويسرة، وانتشرت توحيد مرة أخرى. وأصبح نوح محتاجا إلى فترة طويلة إلى أن يجدد الأرض، لأن الأرض رجعت كما آدم، تذكرون كيف آدم نزل من الجنة إلى الأرض، لم يكن أحد، لم يكن أحد، فاحتاج فترة، ومضت القرون، كما جاءت بالأحاديث، حتى جاء نوح، بعد الطوفان رجعت الأرض إلى ما كانت عليه، لا أحد، ما نزل إلا نوح وهؤلاء الفئة، وانقرضوا، وبقي أبناؤه هؤلاء، بدأ التناسل من جديد، فأخذ هذه فترة طويلة من ماذا؟ من الزمن. وهذه فترة، إخواني في الله، سحيقة، فترة طويلة جدا، يعني تذكر بين تاريخ الأمم والشعوب، ما بين آدم ونوح، قد علمنا ما الذي صار. بقي ما بعد نوح، ما بعد نوح، ما الذي صار من الأحداث والأمور الحاصلة؟ هذه كما يقول العلماء: "فجوة تاريخية"، فجوة تاريخية، لا نعلم ما الذي صار فيها. من إبراهيم عليه السلام إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، الدلائل واضحة، الدلائل، المعالم، حركات الأنبياء، الرسول تل والرسول، الرسول تل والرسول، سنتتبعها حقبة بعد حقبة، بعد حقبة، ما في هناك اختلال ولا اختلاف. من إبراهيم إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، مرورا بجميع الأنبياء، المعالم واضحة عندي في الكتاب والسنة، كما سيأتي معنا. لكن الإشكال، بل حتى ما بين إبراهيم إلى رسول الله، حتى السنوات واضحة. فمثلا نحن الآن بيننا وبين رسول الله كم؟ 1400 سنة. وبين رسول الله إلى عيسى بن مريم كم؟ 600 سنة، كما جاء في البخاري. وبين عيسى إلى موسى كم؟ 1700 سنة، كما جاء عن ابن عباس. فهذه المراحل محسوبة، موزونة، مدروسة، مذكورة، مسطرة في الكتاب والسنة، ومن أقوال السلف. لكن من بعد نوح إلى أن جاء إبراهيم عليه السلام، هذه المدة الله أعلم بمدتها، كما يقول بعضهم، وبأحداثها. ولهذا جاء في قول ربنا عز وجل: ﴿وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح﴾، كم؟ الله أعلم، قرون لا يعلم بهم إلا الله عز وجل. لكن جاءت بعض الأحاديث يحسنها جماعة من أهل العلم، وهو ما رواه الإمام الحاكم في مستدركه، والطبراني في معجمه، من حديث أبي أمامة، أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: كم بين آدم ونوح؟ قال: عشرة قرون. وهذا قد علمنا وذكرنا. ثم قال الرجل: وكم بين نوح وإبراهيم؟ قال عليه الصلاة والسلام: عشرة قرون. قال: عشرة قرون. وهذا الحديث حسنه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى، وفيه دلالة على أنها نفس الفترة، على أنها نفس الفترة التي ماذا؟ التي خلت. فشاهد إخواني في الله، فعندي هنا مرحلة زمنية طويلة. طيب الدخول في أحداثها، نبين مسألة قبل هذا حتى ننتهي من الكلام عن نوح عليه السلام. نوح بدأ في دعوة من جديد، وبدأ مرحلة التوحيد، وربى وعلم، وقضى نحبه عليه السلام، مات وتوفاه الله. يبقى السؤال: هل مات في مكان معين؟ كما يشاع ويذاع، منهم من قال: إنه مات ودفن في مكة، في جوف الكعبة، سمعنا بهذا. ومنهم من قال: إنه توفي في أرض العراق، في منطقة يقال لها كرك، وله ضريح ومقام. منهم من قال: إنه مات في اليمن، مات في اليمن. ومنهم من يدلل ويعلل ويذكر ويبين موضع دفن نوح، هذا كله محض افتراء وكذب، لم يثبت شيء عن موضع دفن نوح عليه السلام، ولا غيره من الأنبياء. والمصيبة ليست تكمن في تحديد الموضع، وإنما الداهية العظمى تكمن بعد التحديد، أن يقام على هذا الضريح مزارات، وأن تشد عليه الرحال. يا عبد الله، تمعا تمعا في نوح عليه السلام، ما الذي فعل؟ ضحى بعمره ألف سنة، كل ذلك في سبيل التوحيد، أن يعبد الله، ثم بعد ذلك يأتي من يأتي عنده ويمارس تضاريس الشرك والكفر، ويعبد نوح عليه السلام، سبحان الله، هذا بهتان عظيم. فالشاهد أن نوح عليه السلام توفاه الله، ولا أحد يعلم محل دفنه، ولا مكان قبره، فالله أعلم به. هنا، إخواني في الله، انتهينا من نوح، لأن ننتقل إلى هذه الفجوة التاريخية. هل ننتقل إلى إبراهيم؟ الجواب: لا، هذه الفجوة التاريخية، وهي الذي فيها وصفها ربنا بالقرون، ما بين نوح إلى إبراهيم، قرون كبيرة طويلة. سنشير إلى بعض ثلاثة حوادث، وهذا ستأتي معنا في دروس قادمة، ولكن أشير إليها إشارة. ثلاثة حوادث، نعم، قد جاءت الدلالة على أنها قد حصلت بعد زمن نوح، ولم تحصل بعد زمن إبراهيم، إذن هي بين نوح وإبراهيم، بين نوح وإبراهيم، عبارة عن ثلاثة أهم أحداث. الحدث الأول ما يتعلق بقوم عاد، عن قوم عاد، قوم عاد هنا في هذه الفترة أو الفجوة التاريخية، كان ظهورهم من بعد نوح وقبل إبراهيم عليهم السلام، بدليل ما جاء في قوله عز وجل على لسان هود: ﴿واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح﴾، جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح، إذن هذا صراحة فيه بيان على أن عاد جاءوا من بعد قوم نوح. هذا الحدث المهم والأول. الحدث الثاني ما يتعلق بأمر ثمود، بأمر ثمود، مع نبيهم صالح، هم وظهروا في هذه الحقبة الزمنية، كما جاء في قول صالح عليه السلام: ﴿واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد﴾، من بعد عاد، إذن كان عندي نوح وانتهى، ثم جاء ما يتعلق بقوم عاد، ثم جاء قوم ثمود. وقد جاء ذلك مبينا في القرآن، قال سبحانه: ﴿ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله﴾، فأشار ربنا عز وجل إلى هذين الحدثين من بعد نوح: قوم عاد، وقوم ثمود، وهناك عوالم لا أحد يعلم بهم، تواريخ سحيقة، كما قلنا: عشرة قرون، عشرة قرون مضت في هذه الحقبة، ما أحد يدري بما صار، وما هي الحوادث، ما هي الحضارات التي ظهرت. هذا الحدث الثاني: قوم عاد، قوم ثمود. الحدث الثالث الذي يمكن، وهذا محله، أنكم وقع ما يتعلق بظهور يأجوج ومأجوج مع ذي القرنين، إذ أن هذا العالم يأجوج ومأجوج، وحوادث، مع ذي القرنين، ما يمكن أن تكون قبل نوح، لا، ما يمكن، فمحلها بعد نوح، ولا يمكن أن تكون وقعت بعد إبراهيم، لا، بل هي حاصلة قبل إبراهيم، إذن هي في هذه الفترة الزمنية. إذن هذه ثلاثة حوادث، أو قول معالم من المعالم التاريخية، متعلقة بدين الله جل وعلا: ثمود، وعاد، وذي القرنين، هذا إن شاء الله سنأتي على الحديث عنها في اليوم غد، أو في أسبوع القادم، بإذن الله، في استكمالنا للقصص الأنبياء والرسل، في الحديث عن هذه المظاهر التاريخية، إلى أن نصل إلى إبراهيم عليه السلام. وبعد ذلك يكون التاريخ عندي واضح، كأنه كتاب تقرأ، من خلال نصوص القرآن والسنة. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.