الخوارج النشأة والفكرة 4

الخوارج النشأة والفكرة 4

الدرس في الخوارج النشأة والفكرة 4، مراحل الخوارج في تنظيم أنفسهم . مراحل علي رضي الله عنه في كيفية التعامل معهم . ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مناظرة ابن عباس للخوارج وتوضيح شبهاتهم

أرسل علي بن أبي طالب ابن عباس ليناظر الخوارج بعد انفصالهم عنه، حيث ناقشهم في انتقاداتهم الثلاث. استمع الخوارج إلى رده ووافقوا على الاستماع إلى توضيحاته.

ردود ابن عباس على شبهات الخوارج والرجوع عن الفتنة

ابن عباس رد على شبهات الخوارج مستدلاً بالقرآن والسنة، وبفضل هذا النقاش رجع الكثير منهم إلى حضيرة السنة. كانت ردوده مقنعة لدرجة أن الكثيرين عادوا إلى الطريق الصحيح.

تنظيم الخوارج وتخطيطهم للخروج ضد الصحابة

تطرق المقطع إلى خطب زيد بن حصن الطائي التحريضية واستخدام الآيات القرآنية بشكل خاطئ. كما تم تنظيم الخوارج لأنفسهم وتجمعوا في النهروان استعدادًا للقتال ضد الصحابة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، ها نحن في الدرس الرابع من هذه السلسلة العلمية في ذكر مسائل الفرق الإسلامية من حيث النشأة والفكرة. وكنا في درس أمس، إخواني في الله، في ذكر ما يتعلق بظهور فرقة الخوارج. وكان لابد من الإشارة إلى المقدمات التي سبقت ظهور هذه الفرقة المارقة والخارجة عن الجادة. ذكرنا ما يتعلق بالحوادث التي وقعت في أواخر زمن عثمان حتى أدت إلى مقتله شهيدا مظلوما رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وما يتعلق ببعض المسائل. ثم عرجنا إلى خلافة علي رضي الله تعالى عنه، تحديدا في مسألة معركة الصفين، وما كان من أسباب وقوعها، مع التماسنا للعذر لجميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن وقعوا في الذي وقعوا فيه، كل باجتهاده. ثم وصلنا إلى حيث ما سنبتدئ به في معركة صفين، والتي انتهت بمسألة التحكيم. وقد مضى ما يتعلق بهذه القضية حين أن رجع علي رضي الله تعالى عنه إلى إمارته وهي في الكوفة، قبل أن يصل، إن حازت عنه فرقة من جيشه. ما شأنهم؟ ما بالهم؟ وكانوا بالآلاف، قيل ستة آلاف، سبع آلاف، عشرة آلاف، على خلاف بين المؤرخين. هم بالآلاف خرجوا، وكان خروجهم تسخطا لعلي، تسخطا من علي رضي الله تعالى عنه تحديدا في مسألة التحكيم، وكيف أنه حكم الرجال في أمر الله. اعتزلوا عنه وانفصلوا عنه. والغريب الأمر، من باب الفائدة، ذكرنا في درس أمس ما كاد علي أن يكسر معسكر الشام، تم رفع المصاحف. من كان في معسكر علي هم الذين أرغموا علي على أن يكف عن القتال. وكان غالب هؤلاء الذين ضغطوا على علي ممن يسمون بالقراء، ممن يسمون بالقراء، ويرون أن الدعوة إلى المصاحف وإلى التحاكم إليها هذا ينبغي، متأولين في ذلك قول الله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾. قالوا: ما يكون هذا أن نعرض عن كتاب الله؟ هؤلاء القراء الذين ضغطوا على علي هم الخوارج. هذا العجيب، ثم هم انتقدوا على علي في قضية التحكيم، ويكأنهم يقولون: نحن وافقناك على أن تعظم كتاب الله، لكن لم نوافق على هذه البنود التي انتهى إليها الصلح في تحكيم الرجال في أمر الله. وإن الحكم إلا لله جل في علا. سيأتي معنى الشبه التي بها استدلوا على مفاصلتهم لعلي رضي الله عنه. الشاهد، انفصل هؤلاء عن علي واتخذوا نمطا خاصا. طبعا، انفصالهم كان في منطقة تسمى حارورة. ولهذا من ألقاب هذه الفرقة الحرورية، نسبة إلى هذه المنطقة التي جلسوا وانفصلوا فيها عن معسكري وجيش علي رضي الله تعالى عنهم. نبدأ الآن في مراحل كيف علي واجه هذه الفتنة وهذه الفرقة. أول ما بدأ بهم رضي الله تعالى عنه أن أقام عليهم الحجة، فأرسل من يناظرهم ومن يوضح لهم الشبه التي في رؤوسهم. فذهب إليهم حبر الأمة وترجمان القرآن، عبد الله ابن عباس رضي الله تعالى عنه، ذهب بنفسه ودخل إلى الخوارج. طبعا، جاءت بعض الدعايات أن لا يجلسوا إليه، وأنه رجل خصيم. يعلمون ذكاء ابن عباس، بل وعلم ابن عباس. فجاءت الأخبار تنثر عن ابن عباس، إلا أن بعض العقلاء منهم قالوا: لا نسمع الذي عنده، ويسمع الذي عندنا. ما عنده؟ ما هناك شيء يخوف في رجل بيننا وبينه نقاش علمي. فدخل ابن عباس، فقد مضى معنا في درس أمس لما سألوه: من ما الذي جاء بك يا ابن عباس؟ قال: جئتكم من عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى آخر مقدمته الجميلة اللطيفة. وليس فيكم منهم أحد. أي ما هناك أحد صحابي وصل إلى هذه المنزلة. فقالوا: يا ابن عباس، ماذا نقمتم على أصحاب رسول الله وعلى ابن عمه؟ ماذا معكم؟ لماذا هذه الانعزال والعزلة عن الصحابة وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ابن عم رسول الله؟ فقالوا: ثلاثة أشياء ننتقدها على علي. قال ابن عباس: ما هن؟ أي شيء؟ قالوا: حكم الرجال في أمر الله، فكفر. إن الحكم إلا لله. حكم الرجال في أمر الله فكفر. إن الحكم إلا لله. وأنه قاتل ولم يسبي ولم يغنم. فإن كانوا كفارا مسلمين، فإن كانوا كفارا سلبهم، وإن كانوا مؤمنين ما أحل قتالهم. يعني هذه الشبهة الثانية، قال: أنه قاتل في المعركة الثانية، وهي معركة وقعة الجمل، وأيضا في بداية صفين. يعني قاتل علي، يعني هو ما سبى أي أخذ النساء، ولم يغنم يأخذ الغنائم. كيف هذا؟ يعني وبين أمرين، علي إما أنه قاتل قوما كفارا، إذن يأخذ السبي ويأخذ الغنائم، وإما إن قال لا هم ليسوا بكفار بل مسلمين، إذا ما كان ينبغي أن يقاتلهم. لماذا فعل هذا؟ لم يسبي ولم يغنم، وبين أمرين، يعني أحلاه ما مر. قالوا: أما الثالثة، أنه محى اسمه من أمير المؤمنين، فهو أمير الكافرين. ما الذي يعنونه بهذه المسألة؟ هذه المسألة طبعا من آثار التحكيم الذي وقع بين معسكر علي ومعسكر الشام في معركة صفين، في قضية الحكومة، كما تسمى أو التحكيم. لما تم الاتفاقية، أمر علي من كاتبه أن يكتب: هذا ما صالح عليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب معاوية. هنا أهل الشام رفضوا هذه الصيغة، قالوا: لا، لو نحن اعتبرناك أمير المؤمنين، وجبت علينا السمع والطاعة. ما سلمنا لك بالإمارة. وقد ذكرنا أن من شروط أهل الشام: سنذعن لك بالسمع والطاعة بشرط ماذا؟ سلم القتلة. فهم توقفوا بهذا القيد، فقالوا: كيف نثبت على أنفسنا ضلالة؟ فمعسكر الشام تنبه لهذا القيد، قالوا: لا تكتبون أن علي أمير المؤمنين. لو أنه أمير ما قاتلنا، وما يجدون أنه نقاتله. قالوا: اكتبوا اسمه واسم أبي. هكذا طلب أهل الشام للكتاب. اكتبوا اسمه واسم أبي، أي هذا ما قاض عليه علي بن أبي طالب معاوية بن أبي سفيان. هكذا فعلي وافق. هذه الموافقة من علي انتقدها الخوارج، قالوا: لما محى اسمه من أنه أمير للمؤمنين، إذن هو أمير الكافرين. فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنه بعدما سمع هذه الشبه الثلاث: هل عندكم شيء غير هذا؟ قالوا: لا، هذا الذي سمع، هذا الذي ننتقده على علي رضي الله تعالى عنه. فقال ابن عباس: أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب الله ومن سنة نبيه عليه الصلاة والسلام ما يرد قولكم، أترضون؟ مستعدين بالقبول لما سآتي به من الأدلة؟ قالوا: نعم. رد هذه الشبه. فبدأ ابن عباس رضي الله تعالى عنه بالرد على كل شبه على حدى. فبدأ بالأمر الأول، قال: أما قولكم أنه حكم الرجال في أمر الله، فأنا أقرأ عليكم من كتاب الله أن الله قد سير حكمه للرجال. أنتم أيش يعني لما رأيتم أن علي فوض أبا موسى ومعاوية فوض عمر بن العاص أنهم يبحثوا عن الصلح، أن هذا تحكيم الرجال في شرع الله؟ أن أنتظروا، أنا سآتيكم بأدلة من كتاب الله أن الله أجاز لنا هذا. فقال رضي الله تعالى عنه: قال فأنا أقرأ عليكم من كتاب الله أن الله قد سير حكمه إلى الرجال في المرأة وزوجها: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾. هذا من شرع الله أن إذا وقع التنازع بين الرجل والمرأة، لا بأس أن يأتي رجل من دوب عن المرأة، ورجل من دوب عن الزوج، يصطلح. فما يقع من الصلح هو شرع الله، وهو الذي يمشي، هذا هو الله عز وجل رضي بهذا. أن جعل حكمه يقع بين الرجال، ينظرون إلى الأصلح والأرفق والأوفق، فهو يمضي. فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهم: قال فحكم الرجال في صلاح ذاتي بينهم، وحقن دمائهم أفضل من حكمهم في بضع امرأة. يعني بالله عليكم، إذا الشرع أجاز أننا نستعين بالرجال في إصلاح ذاتي بين زوج وعزوجته، ألا نستعين بالرجال في إصلاح ما هو أعظم من هذا في حقن الدماء، وفي الإصلاح بين المسلمين؟ فقال: علي، فقال ابن عباس: أخرجت من هذا؟ قالوا: نعم، صحيح كلامك صحيح. أي أن شرع الله عز وجل ما ينافي أن نستعين بالرجال في تحكيمهم في بعض القضايا، فما يرونه الأصلح فهو الذي يمشي، فاقنعهم بهذا. قال: أخرجت من هذا؟ قالوا: خرجت، يعني هذا رد ما في رؤوسنا. قال: أما قولكم قاتل ولم يسبي ولم يغنم، طيب هذه شبهة ثانية كيف ردها؟ قال: أفتسبون أمكم عائشة، ثم تستحلون منها ما لا يستحل من غيرها، منها ما يستحل من غيرها، وهي أمكم؟ لماذا؟ قال عائشة؟ لأن في معركة وقعة الجمل كان القتال مع علي في صف، والصف الثاني طلحة والزبير وعائشة كانت معهم. طبعا، هذه مسألة ما أخوض فيها لأن تحتها مسائل يطول ذكرها، وهذا ليس الكلام متعلق بهذه الواقعة، لكن حتى نفهم هذه الشبهة، علي رضي الله تعالى عنه في قسمه من أهل العراق، طلحة والزبير وعائشة رضي الله تعالى عنهم جميعا كانوا في كفة ثانية. وقعت واقعة الجمل، وقعت الجمل لأن عائشة كانت على هودج في جمل. فما انتهت المعركة حتى سقط الجمل، سقط الجمل وانتهت المعركة بفوز علي، حينها قام علي وأخذ عائشة وأرجعها إلى المدينة معززة مكرمة. فتنة حصلت هنا، هم ينتقدون أولا على علي كفع لتقاتل، أنت هؤلاء طلحة أو الزبير، وأنت لم تسبي ولم تغنم. هم يكفار، فذكان ينبغي أن تغنم، وإما أنه مسلمين، ما كان عليك قتالهم. هنا ذكرهم عباس بهذه مسألة عائشة، عائشة رضي الله تعالى عنها، قال: أفتسبون أمكم؟ طب عائشة الآن ما رأيكم فيها؟ ما رأيكم فيها؟ نجعلها في السبي، يعني مثل أمة؟ فقال رضي الله تعالى عنها: قال أفتسبون أمكم، ثم تستحلون منها ما يستحل من غيرها، وهي أمكم؟ فإن قلتم: إن قلتم نستحل منها ما نستحل من غيرها، فقد كفرتم. وإن قلتم هي ليست أمنا، فقد كفرتم، لأن الله يقول: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾. عائشة هي أم الصحابة، أم المسلمين قاطبة، أم المسلمين قاطبة. فكان ينبغي الآن حددوا، أنا حددوا لي موقفكم من عائشة، تسبى أو ما تسبى؟ أمكم أمكم، أو ليست بأمكم؟ فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنها عنه: قال فأنتم بين ضلالتين، فأخرجوا منها بمخرج. أنتم الآن لا تسألوني، أنا سأسألكم الآن، ما موقفكم من عائشة؟ هي أمكم أم لا؟ إن قالوا لا، كفروا، لا تكذيب للقرآن. وإن قالوا هي أمنا وسنسبيها، كفرتم. من الذي يسبي أمة؟ من الذي يقع على أمة؟ كافر. فقال: أنتم بين ضلالتين، ما لكم منها مخرج. فسكتوا، قال: خرجت من هذا؟ قالوا: خرجت يا ابن عباس، خرجت صحيح. ولهذا كانت علي له وجهة نظر، أنه قاتل ومأسب وما غنم، لأنهم يرونه أنهم من المسلمين، لكن جعلهم من صنف آخر، ليسوا أهلا للغنيمة، لحصول الفتنة الحاصلة. ثم قال رضي الله تعالى عنه: وأما محى اسمه من أمير المؤمنين، فذكرهم ابن عباس بصلح الحديبية، بصلح الحديبية، حينما أبرم نبينا بنود الصلح مع كفار قريش. والعجب أن الكاتب للصلح علي بن أبي طالب، هو الذي كتب. فماذا كتب علي بأمر من رسول الله؟ كتب علي: هذا ما قاض عليه محمد رسول الله. فقال الكفار: لا يا محمد، لا تكتب رسول الله. لو كنا نعتقد أنك رسول الله، لا أطعناك. لا تكتب رسول الله، وإنما أكتب محمد بن عبد الله. فقال نبينا لعلي: أكتب هذا ما وصى أو ما قاض به محمد بن عبد الله. فعلي هو كاتب هذه المتفاقية، كان يعلم بمصرحة هذه المقالة التي أمره نبينا بكتابته. ولهذا قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: قال فوالله لرسول الله خير من علي، خير من علي. ومحوه لنفسه ليس محو للنبوة. أي أن النبي حين أن تنازل عن لقب رسول الله، هل هذا خاص إسقاط لنبوته؟ لا، مرسح وجد رسول الله، لم يوجد رسول الله في الملف، فهو رسول حقا وصدقا. فكون أن النبي يتنازل عن هذا اللفظ رسول الله، ما ضره هذا. فقال ابن عباس: فإن تنازل رسول الله عن هذا اللقب، فعلي إن تنازل عنه ما ضره هذا. ثم قال ابن عباس: أخرجت من هذا؟ قالوا: خرجت. فنسف الشبه الثلاث التي كانوا يتعلقون بها. ومن بعد هذه المناظرة، رجع الكثير من الخوارج إلى حضيرة السنة، بفضل ماذا؟ بفضل الله، ثم بفضل مناقشة علي، النقاش العلمي. وفي ذلك إشارة إلى أن من أعظم ما تدفع به الفتن، وخاصة وتحار به هذه الأفكار الخارجية التكفيرية، والله ما تحار بمثل العلم. لأن أكثر من يبتل بهذا الفكر من الجهلة. أضرب مثال واقعي ما وقع في الجزائر في إبان حكم جبهة الإنقاذ الإسلامية التي اكتسحت الجزائر وملأت الدولة، ثم وقع ما وقع من الرمي بالتزوير وتفككت الجماعة. خرج من رحم هذه الجماعة الجماعات التكفيرية، وخرجت منها جماعات متشددة دموية، قتلوا وذبحوا وسفكوا الدماء. حتى أنهم انحازوا إلى الجبال، وقامت الدولة بصواريخها بمدفعياتها بجيشها وتعبت. هنا استعانت الدولة بأهل العلم بأنهم يواجه الفكر بالفكر. فتكالب العلماء بكتابة كتب ورسائل، منهم إلى هؤلاء، وهم في الجبال. وممن أذكرهم على سبيل المثال، رسالة رسالة مكتوبة باسم من عبد المحسن بن حمد العباد البدر إلى الإخوة حامل السلاح في جبال الجزائر، أصلح الله حالهم. وكتب رسالة كبيرة، رسالة كبيرة من هذا الإمام الجهبد. ثم رسالة أخرى وهي من محمد بن صالح العثيمين إلى الأخ المكرم حسن الحطاب، أمير الجماعة المسلحة في منطقة الجزائر. رسالة يذكره بالله: اتق الله. وذكر وذكر وذكر. هذه رسالة من شيخ بن عثيمين إلى رئيس الجبهة المسلحة. ورسالة أخرى فيها من محمد الصالح للعثيمين إلى إخواني في الجزائر الذين ما زالوا يحملون السلاح في الجبال والرمال. رسالة مصطرة مكتوبة في مؤلفات. ثم بعد ذلك ردت فعل كثيرة من بعض هؤلاء، لأن بعضهم لا زال فيه شيء من التعظيم للسنة. فاتصلوا على الشيخ، والصوتية مسجلة. اتصلوا على الشيخ وهم في الجبال: يا شيخ، عندنا السؤال. يا شيخ، هذا في رمضان، في تلكم الفترة. يا شيخ، عندنا مسائل لا بد أن نتكلم بها، لناقش. يعني الصوت بصوت. قالوا: تفضلوا. وأخذوا يأتون بالشبه، ويرد ويرد ويرد عليهم رحمة الله تعالى عليه. وهكذا من الرسائل، قال من الشيخ ربيع بن هادي المدخلي: أما بعد، فهذه نصيحة أقدمها لإخواننا في الجزائر، أرجو أن تحظى من الكل الحكومة والشعب بالحفاوة والقبول. وكتب الرسالة. ناهيك عن فتاوى الشيخ بن باز إلى أهل الجزائر عامة. ناهيك عن كلام الشيخ الألباني في صوتياته وفي فتاويه، بل في مقابلات مع أصحابي هذا التيار. تكالب العلماء على هذه الفتنة، ويا سبحان الله، لكم أعادت إلى الجزائر الأمن والأمان. الكثير من شباب الجزائر ممن تورط في هذا الكفاح المسلح على حد زعمه، فخرجوا من على الجبال، ووجدوا من الدولة أن أعطوهم الأمن والأمان. وبهذا تعلم يا عبد الله فضيلة العلم على المجتمعات، وخاصة علم السنة. الشاهد إخواني في الله أن ابن عباس أثار بمجادلة ونقاشه العلم على كثير من الخوارج، فرجعوا. بقي بقية على الضلال، أصحاب الهوى. فقام علي رضي الله تعالى عنه بالذهاب إليهم وبنقاشهم، واقتنعوا ورجعوا ورجعوا مما هم فيه، ودخلوا إلى بلاد الكوفة. لكن هذا الرجوع منهم لم يستمر. لماذا؟ حصل سوء فهم. حصل سوء فهم. دخل الأشعث بن قيس الكندي إلى علي رضي الله تعالى عنه، قال: إن الناس يتحدثون أنك رجعت لهم عن كفرك. يعني ماذا يعني؟ أصبح سوء فهم. النقاش الثاني، علي لما دخل الخوارج، من خلال كلامه، كأن الخوارج فهموا إلى أن علي قد تراجع، وأن علي خلاص قد نسى ما قد مضى، وتعالوا نكون إخوة. فهم بعض الخوارج أن علي قد تاب، فأخذوا يشيعون بين الناس أنه قد رجعنا لأن علي قد رجع إلى ما كان عليه وتاب وأناب إلى الله. هنا علي صدم بهذه الإشاعة أو بهذا الفهم السيء من هؤلاء. فوافق يوم الجمعة، فصعد على منبره فخطب الله، فخطب، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله. ثم بدأ بتبين خطأ هؤلاء، وما عليه من ممارسات، وما عليه من جور ومن ظلم، وعابهم ووبخهم، حتى يبر ساحته: أنا بست معهم، ولا تراجعت عما كنت عليه، وما كنت عليه. فما إن خرج من منبره إلا ضج المسجد من أتباع هؤلاء الفكر المنحرف، نادوا في أرجاء المسجد: إن الحكم إلا لله، إن الحكم إلا لله. مثل الشوشرة، مثل الضجة لما سمع لي هذه المقالة، قال: كلمة حق أريد بها باطل. يعني أنتم تدعون حكم الله، وأنتم من أبعد الناس عن حكم الله. ثم في لفظة ثانية قال: أحكم الله حكم الله أن تظره فيكم. حكم الله أن تظره فيكم. ثم أخذ يسكت هؤلاء الهوجاء الذين أثاروا الضجة في مسجده. هذا الذي صار مع وجود لما دخلوا الكوفة واستقر به أمر، لا زالوا على ما كانوا عليه من أمور. تأتي الآن مسألة اتفاقية علي مع الخوارج. علي حاول رضي الله تعالى عنه أنه يرجع هؤلاء، يثني هؤلاء عن أفكارهم وعن القضية، وهي كله تدعو على قضية التحكيم، تحكيم حكمت الرجال يا علي، والحكم لله. حتى أنهم وخاصة علموا أن علي عازم لأنه كما قلنا رجع الجيش من صفين، والموعد رمضان، سيرسل أبا موسى الأشعري للمقابلة لعمر بن العاص. فكان علي عازم، هم حاولوا أن يثنوه: علي غير لا تفعل هذا. علي قال: ما أستطيع هذا، إخلاف للعهد، وهذا غدر، وأوفو العهد إذا عهدت. لما سأتنازل وأتراجع وأفعله صواب؟ فوجدوا أن علي لا زال على أمره مستمر، فهم استمروا على حالته واستمروا على غيهم وعلى مفاصلة علي. حينها علي رضي الله تعالى عنه بينا الاتفاقية: إن كنتم ولا زلتم على ما أنتم عليه، ما تريدون أن تكون معنا؟ تكون على نكون على قلب واحد؟ لا زالت هذه الأفكار في رؤوسكم. قال: إذن أبرم اتفاقية بيني وبينكم. ما هي الاتفاقية؟ إن لكم عندنا ثلاثة. إن لكم عندنا ثلاثة: لا نمنعكم الصلاة في مساجدنا، حياكم الله، صلوا. ما أحد يمنع المصلي، صلوا في أي مساجد. لن نمنعكم، لن نغلق الأبواب، لن نطردكم، لن نمنعكم من المساجد. ولن نمنعكم نصيبكم من هذا الفي، أي ما يأتي من الأموال من الشرق ومن الغرب ومن أوروبا، الغنائم والفي. قال: لم نمنعكم من نصيبكم من هذا الفي، ما كان أيديكم مع أيدينا، ما زلتم معنا في جماعة المسلمين، يصلكم ما يصل كل مسلم، الفي يقسم على أفراد المسلمين. والثالثة: ولا نقاتلكم حتى تقاتلوننا. وفي رواية: ولا نقاتلكم ما لم تحدثوا فسادا. ما سنرفع عليكم سلاح أبدا، إلا إذا بدأ الشر من عندكم. هنا في هذه الحقبة، الفترة الزمنية، بدأ الخوارج يتشكلون، بدأوا ينظمون أمورهم. أولا بتعيين أمير عليهم، لأنهم أرادوا أنه لا يتبر علي، يرون أن علي ظالم جائر، ولابد أن نختار أميرا نثق به. طبعا والأمير سيكون منهم وفيهم. فهنا اجتمعوا في بيت عبد الله ابن وهب الراسبي من كبرائهم، وبدأوا اجتماع كما يقال اجتماع للخوارج. فبدأوا بكلمات تحميسية تحريضية فيما بينهم، وخاصة زعماء. فمن كلمتهم ما ذكره سنان بن حمزة الأسدي: قال يا قوم، إن الرأي ما رأيتم، وإن الحق ما ذكرتم. فولوا أمركم رجلا منكم. لا بد. فولوا أمركم رجلا منكم، فإنه لا بد لكم من عماد، وسنان ومن راية تحفون بها وترجعون إليها. لا بد لكم من إمام كما نراه الآن من بعض الجماعات الحزبية، أمير إمام إمام مسلمين، براء إمام داخلي، نحتف به، نبايعه، نسمع ونطيع له. فقال: فولوا أمركم رجلا منكم، فإنه لا بد لكم من عماد، وسنان ومن راية تحفون بها وترجعون إليها. ثم قاموا بعرض هذا المنصب إلى كبرائهم: من من الفلان عندك؟ أنت الأمير علينا؟ قالوا: لا، أمير فلان، لا. كثير منهم تركوها، وما أرادوها، حتى عرضوها على هذا الرجل، وهو عبد الله بن وهب الراسبي، صاحب البيت، فقبيلها وأصبحوا الرئيس عليهم. ومن الكلمات الذي ألقيت وتلقت عند الخوارج، كلمات تحريضية، ما قاله زيد بن حصن الطائي، قال: وقد خطبهم وحثهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ثم تلا قول الله: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾. وقرأ قول الله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. وقال الله: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون. سبحان الله، نفس الأدلة نسمعها هذه الأزمان من بعض التيارات التي هي في الحقيقة تكفيرية. ثم قال من كلماته بعد مثل هذه الآيات: قال ثم قال: فأشهدوا على أهل دعوتنا أنهم قد اتبعوا الهوى. على من يقصد؟ على الصحابة، على علي، على من هم من خيرة هذا الجيل العظيم. قال: أشهدوا على أهل دعوتنا أنهم قد اتبعوا الهوى، ونبذوا حكم الكتاب وراء ظهورهم، ونبذوا الأقوال والأعمال. وأن جهادهم حق. جهاد من؟ جهاد الصحابة. قال: وأن جهادهم حق على المؤمنين. خطبة رنانة من آثارها أن من في المجلس بكى. بكى فبكى القوم. وكان ممن بكى متأثرا بهذه الخطبة عبد الله بن سخبرة السلمي. فقال: أضربوا أضربوا وجوههم وجباههم بالسيف حتى يطاع الرحمن الرحيم. فإن أنتم ظفرتم وأطيع الله كما أردتم، أثابكم الله ثواب المطيعين له العاملين بأمره. وإن قتلتم وإن قتلتم، فأي شيء أفضل من المصير إلى رضوان الله وجنته؟ سبحان الله، بكى وحماس. وأضربوا من؟ وجوه الصحابة، جباه الصحابة، جعلوهم كفرة. ثم قالوا: أنتم بين أمرين يا قوم. إن ظفرتم عليهم على الصحابة، فهذا الذي نريد أن يطاع الرحمن. ويكأن الله قد عصي من قبل الصحابة. وإن قتلتم، فأي شيء تريدون؟ الجنة. وهذا الذي به تدغدغ عواطف هذه الأفكار والجماعات التكفيرية: تقتل جنة، تلغم جنة، سيارة مفخخة جنة، يقتل من؟ علماء، دعاء، أئمة مساجد. أنتم تعلمون هذا. هذه الأعاجيب، علق عليها ابن كثير رحمه الله تعالى بكلام قصير وجميل وطريف. بعدما نقل مثل هذه النقود والأولاد وهذه الخطبة المعوجة، قال ابن كثير رحمه الله تعالى في البداية والنهاية: قال وهذا الضرب معنى النوع، وهذا الضرب بين الناس من أغرب أشكال بني آدم. فسبحان من نوع خلقه كما أراد. يقول: هذا مخلوقات عجيبة غريبة، يعني منتكسة لهذه الدرجة. يأتون إلى خيار أهل الأرض بعد الأنبياء، ويؤاملون بهذه المعامل، يتقربون إلى الله بكفرهم، يتقربون إلى الله بقتلهم. فقال ابن كثير: قال وهذا الضرب من الناس من أغرب أشكال بني آدم. فسبحان سبحان الله. قال سبحان من نوع خلقه كما أراد. إذن الخوارج رتبوا أنفسهم أولا من حيث الإمارة، رسوا على الرأس بيكونوا أميرا. بقي الترتيب الثاني: الجيش. لماذا الجيش؟ لأن هذه الدعوة الآن ماذا يرون؟ يرون كل كفار، علي كافر، ومن معه كفار، ومعاوي ومن معه كفار، وكل المسلم كافرة جاهلية. إذن لابد أن نقيم بلاد الإسلام بكيف؟ لابد من جيوش. أرادوا تجيش، هنا جاءت الفكرة في تنظيم أنفسهم بالسلاح والتجنيد. فكان من أمرهم ما ذكره زيد بن حصن الطائي، قال: إن المدائن وهي المدينة العظيمة، إن المدائن لا تقدرون عليها. إذا تستولون عليها كنقطة ركيزة ارتكاز، لابد لكم من مكان تنطلقون به على حق، وحي الشيطان عندكم. أرض كما فعل رسول الله في العهد المكي، وجد المدينة، انطلق. وأنتم لابد لكم من أرض صلبة. قال: أما المدائن، فإنكم لا تقدرون عليها، فإن بها جيشا لا تطيقون، وسيمنعونها منكم. ولكن واعدوا إخوانكم إلى جسر نهر خوجة، ولا تخرجوا من الكوفة جماعات، ولكن اخرجوا وحدانا لألا يطفطن بكم. هذه الخطة، إذن لا أود من التشكيل ماذا؟ التشكيل نهر خوجة. وهذا سيأتي نهروان في النهروان هناك نجتمع. يخرجون الناس، نواعد أصحابنا هنا وهنا ممن على هذا الفكر، نسحبهم ونجمعهم هناك. ونحن في الكوفة نخرج، لكن ما نخرج جماعات حتى ما أحد يعلم بنا. نخرج وحدان، وحد يخرج هنا، والثاني والثالث قليل قليل، حتى نتجمع حتى نتجمع في ذلك المكان. وحقا بدأوا أرسلوا الرسل إلى المناطق إلى القرى، من يعرفونه أنهم منهم وإليهم. رسلوا موعدنا هناك. ومن كان من أهل الكوفة، بدأ يتسلل ويخرج، ما أحد يشعر به. لا الآباء ولا الأمهات ولا الأقارب ولا الأرحام. من باب الفائدة، الحلقات السرية موجودة في أزماننا. أذكر فيما أذكر أن أخا لي أعرفه كان معهم، ثم خرج عنهم. سألته عن حلقاتهم السرية كيف كانت؟ قال: والله أننا نخرج من بلداننا، وخارج هذه البلاد من بلداننا. نخرج ولا أحد يعلم بنا، لا الآباء ولا الأمهات، لأننا أمرنا أن لا نخبر أحد بهذه الحلقات. فإن سئلنا نكذب عليهم: ماذا عندكم في تلك البلاد؟ نتبضع، نلتقي، زيارة. نوري سبحان الله، هي هي الأفكار. فهؤلاء خرجوا من بيوتهم، بعضهم كما جاء في عند المؤرخين، كشف أمره الأب والأم. عرفت أن ولدها سيخرج، قبضوا عليه: اجلس، ممنوع تذهب. فالذي أجلس منه من جلس، وحسن حاله لما سأل وعلم وزيحة الشبهة. ومنهم من جلس برهة ثم هرب لتشعبه بالبدعة، هرب. وحتى التحق إلى أصحابه في أرض نهروان. الحاصل اجتمعوا في النهروان، هناك تكتلوا تحشدوا، أصبحت لهم شوكة في تلك البلاد النهروان. هي منطقة من مناطق العراق، تحديدا بين بغداد وواسط. واسط أرض العراق، تقدر بين الكوفة إلى أن تصل إلى النهروان، حسبت المسافة العصرية ميتين وعشرين كيلو مسافة. اجتمعوا هناك تحشد الخوارج في تلك البقاء. علي ما علي بهم، بدأ بمراسلاتهم. قال من مراسلة علي لهؤلاء عندما ذهبوا إلى النهروان: قال فقد جاءكم ما كنتم تريدون. فقد تفرق الحكمان على غير حكومة واتفاق، فارجعوا إلى ما كنتم عليه، فإني أريد المسير إلى الشام. ما معنى هذا؟ معنى هذا قضية التحكيم التي كانت بين أبي موسى وبين عمر بن العاص على أن ينظروا إلى الأصلح، وبيكون الحكم في قضية معسكر علي ومعسكر معاوية، بأت بالفشل، ما استقروا. صحيح أنهم أخاء، أرجعوا إلى كبار الصحابة. ويكأن الأنظار حينها لم تتفق على رؤية ما الذي صار؟ ما صار شيء ما اتفقوا على شيء. فماذا فعل