الدرس في الوفاق في حل مشاكل الأزواج قبل الفراق 9، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبيّن الدرس أن الكلمة الطيبة بشكرها وثنائها وتجنب الأذى اللفظي، وسترة العيب وكتمان السر بين الزوجين، هما خلقان أساسيان لسعادة الأسرة، مستدلاً بآيات وأحاديث تحذر من إفشاء الأسرار وتعده من أشر الأعمال.
يستعرض المقطع ثلاثة أخلاق عظيمة للعلاقة الزوجية: العفو والصفح عن الهفوات، الاهتمام المتبادل بالنظافة والتجمل اقتداءً بالنبي ﷺ، والتحلي بالرفق الذي يزين المعاشرة ويصلح الأحوال، مع الاستدلال بالقرآن والسنة وآثار الصحابة.
يُعرّف الرفق بأنه لين الجانب في القول والفعل، وهو عمود فقري لأخلاق الزوجين إلى جانب حفظ السر والعفو والتجمل؛ فمن دلائل أهميته قول النبي ﷺ: «إن الله إذا أراد بأهل بيت خيراً دلهم على الرفق»، فالبيوت التي يسودها الرفق تدوم وتستقر، بينما الخالية منه تمتلئ بالصراع وتنتهي بالطلاق.
يختتم المتحدث بالدعاء إلى الله أن ينفع الحاضرين بما قيل، مؤكداً قدرة الله على ذلك، ويصلي على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، ففي الدرس السابق، إخواني في الله، ونحن نتحدث عن أهم الأمور والعوامل التي تعين على إقامة أسرة سعيدة وحياة تملؤها السعادة بين الأزواج، ما يكون من ضرورة التحلي بمكارم الأخلاق، وأن على كل طرف من الأطراف أن يبذل قصارى جهده في أن يعامل الطرف الثاني بأقصى ما يستطيع من أدب رفيع، ومن خلق يحبه الله ورسوله. وفي هذا المقام، إخواني في الله، أود أن أشير إلى بعض الأخلاق، لا شك أن باب الأخلاق باب واسع لا يسع هذا المقام، بل هو في الحقيقة بحر، الأخلاق والآداب كثيرة وعديدة، لكن حسبي أن أشير إلى أهم الأخلاق التي ينبغي أن يتشارك فيها الزوجان، ليست مختصة بأحدهما، بل الجميع ينبغي أن يلتزم بها. وهي بعض الأخلاق، منها على سبيل المثال: الكلمة الطيبة. الكلمة الطيبة، إخواني في الله، من الأخلاق العظيمة، ومن الآداب السديدة التي أمر الله بها وندب إليها وحث عليها ورغب فيها. قال الله جل في علاه: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، ﴿قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾. القول الحسن من أعظم الأخلاق، بل هو الأس والأساس في هذا الباب. ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره، في هذه الآية، لما أراد أن يفسر القول الحسن، قال: «وهو كل خلق حسن رضيه الله»، جعل القول هو خلق بحد ذاته، «كل خلق حسن، خلق حسن رضيه الله». فالقول الحسن، وهي الكلمة الطيبة، هي التي ينبغي أن تعم البيت، تعم الأسرة. يدخل في ذلك الشكر، أن إذا أزدى أحد الزوجين معروفة يُكافأ بالشكر، المرأة تقول لزوجها: «جزاك الله خيرًا» على هذا، إذا أتى لهم بثياب، بكساء، بطعام، بمال: «جزاك الله خيرًا، ما قصرت، أطال الله في عمرك»، وهكذا. ويدخل في الكلمة الطيبة الثناء، الزوج يثني على زوجته إذا قامت بواجبها، يثني على طعامها، على تنظيف البيت، على هذه الروائح الزكية، فلا زال الشكر والثناء يملأ البيت. هذا من القول الطيب، من الكلمة الطيبة. الاعتراف بالفضل، الفضل محبة، والوفاء هي الكلمة الطيبة. البعد، البعد عن السب والشتم واللعن، هذه من لوازم الكلمة الطيبة: لا هَمْز، لا قَدْح، لا طَعْن، لا تَشْهير، لا تَعْيير، هذا ليست بكلمة طيبة. فالشاهد، إخواني في الله، أن الزوجين، الكل يحرص على الآخر بأن يتلقى منه كلمة طيبة، هذا خلق مشترك. كذلك من الأخلاق المشتركة بين الأزواج: ما يكون من ستر العيب وعدم كشف السر، كما يقال: «للبيوت أسرار». ما بين الجدران في حياة الزوجين عبارة عن أسرار، ما ينبغي بحال، بأي حال من الأحوال، أن تخرج الأخبار إلى الخارج، لا إلى صديق، ولا إلى قريب، ولا إلى جار، ولا إلى أحد، تبقى الأمور، المشكلات، المعضلات، مهما حصل من أزمات، تبقى محصورة بينهما. ويدخل في ذلك في عموم قوله عليه الصلاة والسلام: «ومن ستر مسلمًا ستره الله». لا يسارع أحد الزوجين إلى تسريب الخبر، فإن هذا مما تستفحل به الأمور، وخاصة الأمور الخاصة، وهي من أعظم الناس شرًا، كما جاء في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «إن من شر الناس، إن من أشر الناس منزلة عند الله يوم القيامة، الرجل يفضي إلى امرأته وهي تفضي إليه، ثم ينشر سرها». هذا من أشر الناس منزلة وسخطًا عند الله، كشف الأسرار. وكذلك المرأة عندما تسترسل في قيلها وقالها مع صويحباتها وقريباتها، فتأتي بأخبار الزوج، ما يجوز. فإن من الأخلاق العظيمة: ستر العيب وعدم كشف السر. كذلك من الأخلاق العظيمة الذي ينبغي أن تكون بين الأزواج: ما يكون من مسألة العفو والصفح، وعدم التصيد للأخطاء، وكذلك ما يكون من عدم التدقيق في الهفوات والزلات، وما يكون من ضرورة التغافل. هذا باب واسع: العفو والصفح. الواحد منا لربما إذا وجد هَنًا من صاحبه، زل عليه بكلمة، سرعان ما تحلى بخلق العفو، قال: «خلاص، عفيت عنك، ما في قلبي شيء عليك، الحمد لله، حصل خير». هذا حالنا مع بعضنا، من أصحابنا. لكن مع الطرف الثاني، إذا صدرت هفوة أو زلة من الزوجة: حساب وتدقيق، أو العكس، إذا كان الزوج في حالة غضب فخرجت منه كلمة، حسبتها المرح حسابًا شديدًا. هذا ما ينبغي، فلا بد أن يكون في البيت من العفو والصفح، ورحابة الصدر في كيفية التعامل مع الأخطاء والتغافل. وكما قيل: «لا زال التغافل من شيم الكرام». لا زال التغافل من شيم الكرام. أنت يا عبد الله، صبر، خطأ من زوجتك، غض الطرف عنها، تغافل عنه، وخاصة أنك تعلم أنه حصل على حين ساعة غضب، أو على حين غفلة منها. والزوجة بالمثل، إذا رأت من زوجها هنة أو زلة تغافلت. لكن لا بأس، لا بأس بالنصيحة والتوجيه، ويدخل ذلك في عموم قول ربنا عز وجل: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. فمن عفى، وأعظم الناس بالعفو ما يكون بين الأزواج، الزوجة تعفو عن زوجها، والزوج يعفو عن زوجته. كذلك رابعًا، من الأخلاق التي ينبغي أن تكون بين الأزواج: ما يكون من مسألة التنظف والتطيب والتجمل والتزين. هذا أمر عظيم جاءت به الشريعة الإسلامية، ويدخل ذلك في عموم قوله عليه الصلاة والسلام: «إن الله جميل يحب الجمال». وهذا الجمال المحبوب عند الله عز وجل يصدر من الرجل ويصدر من المرأة. لا تظن أن مسألة التنظف ومسألة التزين هي خاصة بعالم النساء، حتى في عالم الرجال. قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: «وكان رسول الله من أنظف الناس، من أنظف الناس». هذا حاله. بل انظر فيما هو أخص من ذلكم، كان من هديه، ويذكر هذا في باب السواك، أن من المواطن التي يستحب فيها السواك: دخول الرجل إلى بيته. انتبه، ليس الخروج إلى الناس، لا، الدخول. الآن عندنا المعكوس، وعن الأفض: الخروج والدخول كذلك. لكن النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل إلى بيته شرع في السواك. السؤال: يستاك لمن؟ يتنظف لمن؟ هنا الجواب عندك يا عبد الله، يا أيها الزوج: يتنظف لمرأته، يتجمل لها، عليه الصلاة والسلام. وقد جاء عند البيهقي بإسناد صحيح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه كان يقول: «إني لأتزين لامرأتي كما أحب أن تتزين لي»، ثم ذكر قول الله عز وجل: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، يستدل بهذه الآية: «ولهن مثل الذي عليهن»، الحقوق مشتركة، كما أني أحب أن المرأة تتزين لي، أنا كذلك أحب أن أتزين. فكان يتجمل ويتعطر رضي الله تعالى عنه. إذن هذه من الأشياء التي ينبغي أن يراعيها الزوجان: النظافة والتجمل والتزين. لا العكس، المرأة لربما تأخذ أبهتها في الجمال إذا خرجت، وأول ما تدخل تغير هذا، وتلبس لباس المهنة، إي، كأن الزوج محروم من رؤية ما يتعلق بجمالها وأزيائها وثيابها، إنما هذا للمعدل الخارج، وأما الداخل فليس له نصيب. سبحان الله! فالشاهد، إخواني في الله، ضرورة العناية بهذا الباب. خامسًا وأخيرًا، من الأخلاق العظيمة التي ينبغي أن يعتني بها الزوجان فيما بينهما: مسألة التحلي بخلق الرفق. الرفق من الأخلاق العظيمة، قال عنه نبينا صلى الله عليه وسلم: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه». قاعدة حديث، قاعدة في بابه. وجد الرفق في أي شيء من الأشياء، في أي أمر من الأمور، يزين ويحسن هذا الأمر بوجود الرفق. عدم الرفق، فإن هذا الأمر يشان ويعاب، وما يقام، أي الإقامة الصحيحة الذي ينبغي أن يكون عليه. والرفق كما عرفه العلماء: هو لين الجانب، لين الجانب بالقول والفعل، والأخذ بالأيسر والأسهل، وهو ضد العنف والشدة. هذا التعريف الواسع للرفق: لين الجانب بالأقوال والأفعال، والأخذ بالأيسر والأسهل، يخالفه، يقابله: العنف والشدة. فمن لم يكن رفيقًا كان شديدًا عنيفًا. والرفق، إخواني في الله، جاءت به الشريعة إلى التعامل به مع كل الكائنات، لا أقول مع الآدميين بل حتى الحيوانات، جاءت به الأحاديث على أن الإنسان حتى في تعامله مع الحيوان يكون رفيقًا، فما ظنك بالآدمي فهو أشد، فكيف بالأزواج فهو آكد وأولى وأحرى، أن كل زوج يعتني بهذا الباب. الزوج يعامل زوجته بالرفق، والزوجة تعامل زوجها بالرفق. قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله إذا أراد بأهل بيت خيرًا دلهم على الرفق». إن الله عز وجل إذا أراد بأهل بيت خيرًا، بيت، بيت الزوجية، ويدخل في ذلك حياة الآباء والأمهات، حياة الوالدين مع الأبناء، حياة الأقارب والأرحام، حياة الزوج، حياة الأزواج. أرادوا الخيرية تعم وتدوم، فليعملوا نظام الرفق فيما بينهم: الرفق، الأخذ بالأيسر والأسهل، ولين الجانب، لا فضاضة، لا غضاضة، لا شدة، لا عنف. وتأمل يا عبد الله في البيوت، تأمل يا عبد الله في البيوت، بعض البيوت ما تسمع لهم حسًا ولا صوتًا، هدوء، هدوء، من طبيعتهم ما يعرفون هذا الباب، باب الصراخ والعويل والصياح ورفع الأصوات، ما اعتادوا على هذا، ربوا أنفسهم على أنهم يترفقوا في أمورهم، الأخذ بالأيسر، التفاهم، الحوار، أخذوا عطف الكلام، تحل المشاكل، وانظر إلى حياتهم كيف أنها تستديم، لأن الرفق حاضر. بالمقابل، بعض البيوت يعرفها الناس، يعرفها الجيران، بل يعرفها كل من مر على هذا البيت، بماذا يعرفونهم؟ بالصراخ والصياح والرمي والتكسير، ما يكاد يهدأ هذا البيت، لأنهم حرموا من الرفق. ما المآل؟ المآل معروف: القطيعة بين الأولاد، القطيعة بين الآباء، العقوق بين الأولاد والآباء، كذلك ما يكون من مسائل الطلاق والفراق بين الأزواج، ما يستبين. «إن الله إذا أراد بأهل بيت خيرًا دلهم على الرفق». وهكذا ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه». وهكذا في حديث آخر، أخبر عليه الصلاة والسلام أن الله عز وجل، أن أهل، أن ما من أهل بيت، ما من أهل بيت تعاملوا، أتوا، أو كما قال نبينا: «أتوا بالرفق إلا...» يعني قال عليه الصلاة والسلام: «ما من أهل بيت أتوا بالرفق إلا نفعهم، وما منعوه إلا ضرهم». الرفق، الرفق، هذا هو يا عبد الله الأساس. ومن تأمل إلى الكثير من المشاكل الزوجية، يجد أن الرفق عدم أو قل. لكن من كان بيته مليئًا بالرفق، ولين الجانب، والأخذ بالأيسر والأسهل، فإن الحياة فيه تستديم. الشاهد، إخواني في الله، خلاصة هذا الدرس، وهو في الحقيقة تتمة لما مضى للدرس السابق، في أن الأزواج يحرصون على أن يعامل كل طرف الآخر بما يستطيع عليه من أدب حميد، ومن خلق سديد، الزوج مع زوجته، والزوجة مع زوجها. وذكرنا أن الأخلاق كثيرة وكثيرة جدًا، لكن على رأسها هذه الأخلاق التي سمعتموها: ما يكون من مسألة الحفاظ على الأسرار وعدم كشفها، وما يكون من ستر العيوب، وما يكون من القول الحسن الذي يكون بينهما، وهكذا ما يكون من العفو والصفح والمسامحة والتغافل عن الزلات، وما يكون من مسألة التجمل والتزين لكل للآخر، وما يكون من الرفق بينهما. وهناك كذلك مسائل تلحق بهذه السلسلة التوعوية، تترك إن شاء الله إلى درس قادم. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.