الوفاق في حل مشاكل الأزواج قبل الفراق 11

الوفاق في حل مشاكل الأزواج قبل الفراق 11

الدرس في الوفاق في حل مشاكل الأزواج قبل الفراق 11، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

خطر الشيطان على الحياة الزوجية ووساوسه

يبرز المقطع خطورة الشيطان في زرع العداوة والبغضاء بين الأزواج، مستدلاً بالنصوص الشرعية التي تؤكد أن أعظم فتنته التفريق بين الزوجين. ويحذر من مكائده الدقيقة كإلقاء الأذى في الفراش لإثارة الغضب وسوء الظن، داعياً إلى الوعي بحيله لحماية الأسرة نواة المجتمع.

الطرق العملية لإبعاد الشيطان عن البيوت

يستعرض المقطع ثلاث خطوات رئيسية لطرد الشيطان: الأولى ترك اتباع وساوسه وظنونه السيئة وحمل الكلام على أسوأ المحامل. الثانية تحصين البيوت بالأذكار النبوية عند الدخول والأكل والنوم، مستدلاً بحديث صحيح مسلم أن الشيطان يهرب من البيت الذي يذكر فيه الله. الثالثة الإكثار من ذكر الله عموماً ليملأ أرجاء البيت فيضيق على الشيطان.

ذكر الله حصناً للبيت وخطر الغناء والموسيقى

يؤكد المقطع أن ذكر الله المستمر في كل حال هو الحصن الحصين الذي يتقي به العبد شر الشيطان، مستدلاً بحديث النبي ﷺ الذي شبه الذاكر بمن لجأ إلى حصن منيع. كما يحذر من إدخال أسباب جلب الشيطان إلى البيوت كالغناء والموسيقى، مبيناً أن خلو البيت من الذكر وامتلائه بالمعاصي يجلب السوء والمس لأهله.

إبعاد الشيطان مفتاح السعادة الزوجية

يقرر المقطع أن من أهم أسباب سعادة الزوجين وسلامة حياتهما هو إبعاد الشيطان، لأن من أعظم مهامه إفساد العلاقة بين الأزواج وهدم البيوت. ويشير إلى أن الالتزام بالوسائل المذكورة سابقاً يحقق هذا الإبعاد، فينال العبد السعادة في الدنيا والآخرة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلا نزال إخواني في الله في هذه السلسلة من الدروس التوعوية في تتبع أهم المسائل التي ينبغي أن يحرص عليها الزوجان لكي ينعموا بحياة بعيدة من المشاكل والأزمات، وما قد يوصل إلى أبواب الطلاق والفراق. ومما أذكره في هذا المقام مسألة مهمة، ألا وهي الحرص على إبعاد الشيطان، الحرص على إبعاد الشيطان من البيوت ومن الحياة بشكل عام، ذلكم لأن الشيطان إنما يعيش في هذه الدنيا لأهداف، ومن أعظم أهدافه بعد إغواء الناس بالشرك بالله جل وعلا ما يكون من زرع الفتن والمحن والأزمات والمشاكل والخصومات والشحناء بين الأنام، كما قال عليه الصلاة والسلام: «إن الشيطان يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن بالتحريش بينهم»، محرش من الدرجة الأولى، فهو يحرش. وقد جاء ذلك في كتاب الله جل وعلا، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة: 91]، هذه نيته وهذه همته، أنه يحرص كل الحرص على زرع العداوة والبغضاء بين أهل الإسلام. ومن أعظم من سعى الشيطان بينهم لزرع مادة الشر والقطيعة هم الأزواج، هم الأزواج. يدلل على ذلك ما رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إن الشيطان يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه، فأدناهم منزلة أعظمهم فتنة، يرسل بجنده في شرق الدنيا وفي غربها خرابًا فسادًا، فأدناهم منزلة هم أعظمهم فتنة، فيأتي أحدهم فيقول للشيطان، لإبليس: ما زلت بفلان حتى قال قولا عظيمًا، فيقول الشيطان: ما صنعت شيئًا، فيأتي آخر فيقول: ما زلت بفلان حتى فرقت بينه وبين أهله، فيقول الشيطان: نعم أنت، نعم أنت»، فيضمه ويلتزمه، هكذا في صحيح مسلم، يضمه، يدنيه، يعظمه، لماذا؟ لعظيم الخدمة، ما خدمته؟ فرق بين الرجل وامرأته. وكم استطاع الشيطان بطرق عديدة أن يفسد ذات البين بين الناس، ذات البين بين الأزواج، وها نحن كما ذكرنا في أوائل الدروس حالات الطلاق والفراق والخلع الذي كثرت وانتشرت وطمت وعمت، لم تكن معروفة من ذي قبل، لأن الشيطان تغلغل في بيوتنا، ووجد من ينصت ومن يستمع إليه. والشيطان له عدة طرق، ومن ذلك ما جاء في حديث أبي أمامة الباهلي، وفيه أن الشيطان يأتي إلى فراش أحدكم بعدما يهيئه الأهل ويفرشونه، فيأتي ويلقي فيه العود والحصى، قال: «لكي يغضبه على أهله»، أي الشيطان يجعل هذه الأدوات من الأذى من الحصى والعود في فراشك، لماذا؟ قال: «لكي يغضبه على أهله، حتى يوهمك الشيطان أن هذا التلف إنما هو تقصير من الزوجة»، قال: «لكي يغضبه على أهله»، قال: «فلا يغضب على أهله، إنما هو من فعل الشيطان». فالحاصل أن هذا الخبيث يسعى، يسعى في أنه يفسد الحياة الزوجية، لأنه كما قلنا في أوائل الدروس العلمية على أن الأسرة هي النواة، هي نواة المجتمع، إذا تزعزعت الأسرة وتلك الأسرة وتلك الأسرة انهار المجتمع. إذن هنا إخواني في الله كان ينبغي كما في رأس المسألة أن نبعد الشيطان عن حياتنا، عن بيوتنا، وها هنا أحب أن أشير إلى بعض المسائل على إيجاز في بيان أعظم الطرق التي تخلصنا من الشيطان ونبعده عن بيوتنا وعن حياتنا. الأمر الأول: عدم متابعة إملاءات الشيطان، الشيطان يملي علينا، يملي علينا إملاءات تسوسة خبيثة مميتة، فأنت يا عبد الله وأنت يا أمة الله لا تصغِ لها سمعًا من إملاءات الشيطان: إساءة الظنون، لعله ولعلها، لعله ولعلها، هذا يظن في هذا وهي تظن فيه، وكل ذلك من ظنون الشيطان، أو كثرة الشكوك، كثرة الشكوك التي ليس لها أصل، أو حمل المواقف والألفاظ على أسوأ المحامل، كما تجد إذا سمع الزوج إذا سمع من امرأته تصرفًا قال: آه، أنت أردت كذا وأردت كذا، من أين جاء؟ فإنما هو حمله على أسوأ المحامل، أو المرأة بالعكس تقول للزوج إذا قال كلمة عابرة: آه، أنت أردت كذا، أنا عرفت الآن أنت تنوي، من أين جئتم بهذا؟ فلماذا تحمل العبارات والمواقف على أسوأ الاحتمالات؟ هذا من حمل الشيطان، من إملاءات الشيطان. كذلك الاسترسال في الغضب، وقد تكلمنا في الدرس السابق على أن الغضب من الشيطان، ولا زال الشيطان ينفخ، ينفخ، ينفخ فينا حتى ننفجر، وانفجارنا بالطلاق والفراق والخلع، هذا انفجارنا فيما بيننا البين، فلا تسترسل. إذن أول خطوة، أعظم خطوة يا عبد الله ويا أمة الله لكي تبعد الشيطان: عدم المتابعة لخطوات الشيطان، كما قال ربنا: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة: 168]، يقطع هذا كله. الأمر الثاني: تحصين البيوت، تحصين البيوت بما جاء به الشريعة بالكتاب والسنة، يكون بالإتيان بالأذكار، الأذكار، الأذكار المبثوثة التي جاءت الشريعة بتعليمنا إياها: أذكار الصباح، أذكار المساء، أذكار الدخول، أذكار الخروج، أذكار النوم، أذكار الاستيقاظ، أذكار الدخول في الحمام، هذه تعتبر يا عبد الله تنجيك عن الشيطان، تبعدك عن الشيطان، هذه تضيق على الشيطان. من يستطيع أن يأخذ راحته؟ من يستطيع تأمل ما جاء في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الرجل إذا دخل إلى بيته فذكر الله عند دخوله وعند طعامه، قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء»، يقول لأعوانه ومن معه من جنده: أرادوا أن يدخلوا البيت يشتغلوا طيلة اليوم بالوساوس والظنون، لكن وجد مضايق بماذا؟ بالأذكار، في كل شيء تذكر الله، والحمد لله الشريعة جاءت بأذكار الصباح، بأذكار المساء، بأذكار الخروج، بأذكار الدخول، ودائمًا تبقى على هذا الحال، فيقول الشيطان إذا رأى أنه ضيق عليه، يقول لأصحابه: لا مبيت لكم ولا عشاء، يلا برع، خرجنا، ما نبقى في هذا البيت. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «وإذا لم يذكر الله في دخوله ولا عند طعامه، قال الشيطان: أدركنا العشاء والمبيت»، هنا المحل، هنا المحط، إذا كان رجل لا يذكر الله في طعامه ولا يذكر الله عند دخوله، إذن هذا هو الذي يريده الشيطان، يعشعش في هذا البيت. هذا الأمر الثاني. الأمر الثالث: كذلك مما نحترز به من الشيطان الإقبال على ذكر الله بشكل عام، الإقبال على ذكر الله بشكل عام، وأعني بذكر الله التسبيح والتهليل والاستغفار والتحميد وكل ذكر لله عز وجل، تبقى أرجاء البيت تعج بذكر الله عز وجل، وهذا الذي ينبغي. للأسف أن بعض الناس يدخر ذكر الله في المساجد، لا يا عبد الله، ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: 103]، سيذكر الله في كل آن وفي كل حين وفي كل محل، أينما في أي منزل كنت، أذكر الله عز وجل. لماذا ذكر الله له فضائل كثيرة، والذي أريده في هذا المقام أن أشير إلى أن من أعظم ما يتحصن به العبد من الشيطان: الذكر. الذكر جاء من حديث أبي حارث الأشعري رضي الله تعالى عنه، وفيه قال: «وأنا آمركم بذكر الله، فإن مثل ذلك كمثل رجل، كمثل رجل خرج العدو على إثره سراعًا»، مثل النبي صلى الله عليه وسلم حال ذاكر ربه عز وجل بهذا المثل، بمثل رجل خرج العدو على إثره سراعًا، العدو خلفه مباشرة، قال: «فوجد حصنًا حصينًا فاحترز نفسه منه»، قال: «وكذلك العبد لا يحترز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله». إذا الإنسان كان دائمًا في ذكر مع الله عز وجل، يذكر الله ليلة نهار، صباح مساء، في قيامه في قعوده، فهو لا يزال في حصن. ومن أوجه ذلك أنك بذكر الله عز وجل ما الذي يكون مؤداه؟ نزول الملائكة، فإن الملائكة تتبع مواضع الذكر، تتنزل في أماكن الذكر، فإذا كان هذا البيت يعج بذكر الله جل وعلا، الزوجة تذكر ربها، والرجل يذكر ربه، والأولاد يراجعون القرآن مثلًا، فلا زال الذكر يعج في البيت، الشيطان يخنس، والملائكة تزداد. ومن أعظم ذكر الله عز وجل قراءة القرآن، قراءة القرآن، الإنسان يكون له ورد، المرأة يكون لها ورد، الزوج يكون له ورد، الكل يقرأ القرآن، فمن أعظم ذكر الله عز وجل. وليست أعني، وليست أعني بذكر الله أننا نكتفي كما يفعل بعض العامة، يشغل المذياع ويترك المذياع لوحدها، هذا ليس من ذكر الله، لا، اشتغل أنت إما بالاستماع إليه والإنصات، أو أنك أنت بلسانك تقرأ القرآن، أما أن تجعل القرآن بوحده يرتل ولا أحد يدري به ولا يتابعه ولا ينصت إليه، هذا ليس الغرض يا عبد الله من ذكر الله. ثم تأتي المسألة الرابعة: وهو أنك يا عبد الله إذا أردت أن تبعد الشيطان عن البيت فلا تأتي بأسباب جلبه، بأسباب جلبه، هناك أشياء تأتي بالشيطان، الشيطان يأتي إليها يبحث عنها، مثل الغناء والموسيقى والطرب، هذه الأشياء التي للأسف نجد أن الكثير من البيوت قد ركن إليها، مع وجود هذه الشاشات والقنوات الغنائية، ليست أي قنوات، قنوات غنائية من الصباح إلى المساء، وأصحابه لربما شغلوا المذياع سواء كان الإعلام المرئي أو المسموع على الأغنية، حتى القاصي والداني يسمع بهذه، بالموسيقى والأغاني الفاحشة، ومع آلات الطرب، هذه آلات ماذا؟ سمها السموم في شرعنا، مزمار الشيطان، الشيطان يفرح بهذه، فما ظنك بمثل هذه البيوت وقد عشعش فيها الشيطان، خلت عن ذكر الله عز وجل، وجئت بهذه الآلات من الصباح إلى العصر إلى المغرب إلى الليل إلى جنح الظلام، وهي لا زالت في كل جوانبها عزف وغناء وطرب وكلام فاحش، ولا يذكر الله عز وجل إلا قليلاً؟ إذن المعادلة: أنت الذي جلبت على نفسك الشيطان، وتجد في هذه البيوت بعد ذلك يخرج من يخرج بأنه ممسوس، أنه مصروع، أنه فيه مس، أنه فيه صرع، أنه فيه حسد، من هذه البيوت لأنها غير محصنة بذكر الله عز وجل. فالشاهد إخواني في الله، فمما أذكر في هذا المقام أن من الأمور التي بها يسعد الزوجان بحياة يملؤها الوئام والبعد عن المشاكل: أننا نبعد الشيطان، لأن الشيطان من أعظم مهامه أن يفسد بين الأزواج، وأن يهدم البيوت ويفسد الأسرة، وأشرنا إلى المسألة الأولى والثانية والثالثة والرابعة، وهذا باختصار في كيفية إبعاد الشيطان عن بيوتنا وعن دورنا وعن حياتنا، وبهذا يسعد من أراد السعادة في هذه الدنيا. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.