الدرس في فوائد من سورة الفاتحة 10، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يوضح الشارح أن الناس ينقسمون إلى منعم عليهم بجمع العلم والعمل، ومغضوب عليهم بالعلم دون عمل، وضالين بالعمل دون علم. ويحذر من أن العبادة بلا علم توقع في البدع، مستشهداً بقول الله ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾ وباب البخاري «العلم قبل القول والعمل».
يؤكد المقطع أن الاستقامة لا تتحقق إلا بجمع العلم النافع والعمل الصالح، محذراً من التشبه باليهود الذين علموا ولم يعملوا والنصارى الذين عبدوا بغير علم. وتستدل الآيات على توعد من يقول ما لا يفعل ومن يأمر بالبر وينسى نفسه.
يبيّن أن من اتصف بالعلم النافع وعمل به هم المنعم عليهم الذين يرافقون الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين في الجنة. ومن أراد هذه المرافقة فعليه الحرص على طلب العلم النافع والعمل به.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وبعد: قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى: "فالمغضوب عليهم أهل علم ليس معهم عمل، والضالون أهل عبادة ليس معها علم. وإذا كان سبب النزول في اليهود والنصارى فهي في كل من اتصف بذلك". قال الشارح الفوزان حفظه الله تعالى: "قال: الناس إما منعم عليهم، وإما مغضوب عليهم، وإما ضالون. فالمنعم عليهم هم الذين أخذوا العلم والعمل، والمغضوب عليهم هم الذين أخذوا العلم وتركوا العمل. فأي إنسان لا يخلو أن يكون صنفًا من هذه الأصناف الثلاثة: إما مغضوب عليه، وإما ضال، وإما منعم عليه. فمن علم ولم يعمل فهو مغضوب عليه، ومن عمل بدون علم فهو ضال، ومن علم وعمل فهو منعم عليه. قال المؤلف: أنت تسأل الله أن يجعلك مع المنعم عليهم، وأن يجنبك طريق المغضوب عليهم وطريق الضالين. فأنت لما تقول: ﴿اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم﴾، تسأل الله أن يجعلك على الصراط المستقيم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين. تدعو الله أن يجنبك طريق المغضوب عليهم وطريق الضالين. قال: وهذه سورة عظيمة، ولذلك فرضها الله عليك في كل ركعة. لماذا؟ لأجل ما فيها من هذه الأسرار. قد تقدم معنا فضائل هذه السورة، وأن فيها جماع الدين: فيها توحيد الألوهية، وفيها توحيد الربوبية، وفيها توحيد الأسماء والصفات، وفيها إثبات الرسالات، وفيها إثبات البعث والنشور، وفيها كذلك هذه الأسرار التي مرت معنا في هذا الشرح. فهي سورة عظيمة، وفيها من العلم الشيء الكثير، والقرآن يرجع إلى هذه السورة في المعاني، فما من آية إلا وأصلها تجده في هذه السورة، فهي سورة عظيمة". قال الشارح عند قول المؤلف: "المغضوب عليهم أهل علم ليس معهم عمل": "قالهم اليهود، ومن سار معهم في هذا المضمار من هذه الأمة الذين تعلموا ولم يعملوا بعلمهم. ولذلك قال المؤلف: وإذا كان سبب النزول في اليهود والنصارى فهي في كل من اتصف بذلك. ليس هذه السورة أو هذه الأوصاف خاصة باليهود والنصارى، بل كل من اتصف بهذه الصفات فله نصيب من هذه الآية". قال عند قول المؤلف: "والضالون أهل عبادة ليس معها علم": "قال: منهم الصوفية المبتدعة والمخرفون، كلهم يدخلون في الضالين؛ لأنهم يشتغلون بالعبادة ويتركون العلم، يقولون: العلم يشغلك عن العمل. وهذا من تلبيس إبليس عليهم. هؤلاء المخرفون والجهال عندما تنصحهم بالاهتمام بالعلم وبالجلوس في مجالس العلم، يردون عليك بأن العلم يشغلك عن العمل. سبحان الله! كيف يتم لك عمل بدون علم؟ تعبد الله عز وجل على أي شيء؟ على أي أساس؟ أساس العبادة العلم. لذلك قال الله عز وجل في كتابه: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك﴾، فقدم العلم قبل القول والعمل، قبل الاستغفار وقبل غيره من العبادات. لا بد أن يكون العلم. لذلك بوب الإمام البخاري بابًا في صحيحه: باب العلم قبل القول والعمل. العلم قبل القول والعمل. والذي يقول لك: إن العلم يشغلك عن العبادة أو عن العمل، فهذا من تلبيس إبليس حتى يوقعه في البدع. الذي يعمل بدون علم لا محالة أنه سيقع في البدع، شاء أم أبى، أنه سيقع في البدع. وهذا هو حال كثير من أهل البدع: يعملون هذه البدع عن جهل. ويدخل في هذا أيضًا جماعة التبليغ، يدخلون في من يعمل بدون علم؛ لأنهم يزهدون في العلم، ولا تجد عالمًا بين أوساطهم، ما تجد عالمًا بين أوساطهم، ويزهدون من العلم. وهكذا إذا دعوتهم إلى العلم أنكروا عليك، وقالوا: ما فائدة العلم في مكان؟ أو ما فائدة العالم إذا لم يخرج إلى الناس؟ وإذا لم يخرج دعوة إلى الناس بزعمهم وبطريقتهم: ثلاثة أيام أو أربعون يومًا أو إلى غير ذلك. وهذا من الجهل، وهذا من الجهل. ولذلك هؤلاء وقعوا في بدع كثيرة. جماعة التبليغ عندهم بدع، تجد بين أوساطهم من يأتي بالأذكار الجماعية، وهكذا منهم من كذلك يستخدم المسبحة في التسبيح، ومنهم كذلك من يأتي بأذكار مبتدعة. كل ذلك بسبب الجهل، فلا يستقيم عبادة ولا يستقيم عمل إلا بالعلم، إلا بالعلم". قال: "وإذا كان سبب النزول في اليهود والنصارى فهي في كل من اتصف بذلك". قال الشارح: "إن كان سبب نزول المغضوب عليهم في اليهود، والضالين في النصارى، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فاللفظ عام: كل من اتصف بهذه الصفة فله نصيب من هذه الآية: المغضوب عليهم والضالون. قال: ولهذا يقول بعض السلف -من فسد من علمائنا- وهو قول سفيان: «من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى». لماذا؟ من فسد من علمائنا فيه شبه من اليهود؛ لأن اليهود علموا ولم يعملوا، علموا ولم يعملوا. فمن علم في هذه الأمة من علم ولم يعمل بعلمه فهو فيه شبه من اليهود؛ لأن اليهود عندهم علم ولم يعملوا بعملهم، ولم يعملوا بعلمهم. وهكذا من فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى. لماذا؟ لأن النصارى عندهم عبادة لكنها بدون علم. وهكذا من تعبد من هذه الأمة بلا علم فهو فيه شبه من النصارى، فيه شبه من النصارى". قال: "الثالث: قال الشيخ محمد عبد الوهاب رحمه الله: قال الثالث: من اتصف بالعلم والعمل وهم المنعم عليهم". قال الشارح: "قال تعالى: ﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا﴾. قال: هؤلاء هم المنعم عليهم. فإذا أردت أن تكون معهم فاجمع بين العلم النافع والعمل الصالح. وهذا الذي أرسل به نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أرسل بالهدى ودين الحق. والهدى هو العلم النافع، ودين الحق هو العمل الصالح. فلا بد من الجمع بينهما. ولذلك تكاثرت الأدلة من الكتاب والسنة في الأمر بالعمل بعد العلم. بل قد حذر الله سبحانه وتعالى وتوعد بالوعيد الشديد لمن علم ولم يعمل بعلمه. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾. الذي يقول القول ولم يعمل، دل ذلك على أن قوله علم، على أن قوله علم؛ فهو يعلم أن هذا حق، وأن هذا صواب، وأن هذا توحيد، وأن هذه سنة، وأن هذه طاعة، وهو يخالف ما قال. فمن كان هذا حاله قد توعده الله عز وجل بالمقت، وهو أشد الغضب، أشد الغضب هو المقت: ﴿كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم منكرًا على من يأمر الناس بالبر والهدى ويخالف ذلك: ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون﴾. وهذه الآية وإن كانت في اليهود والمنافقين، ومن كذلك اتصف بهذه الصفة فهي عامة في غيرهم. من اتصف بهذه الصفة من جمع بين الدعوة إلى الحق وبين عدم العمل. ولذلك ليس الإنكار في هذه الآية على من دعا إلى البر والهدى، وإنما الإنكار على من دعا إلى البر والهدى وخالف ما دعا إليه من بر وهدى. هذا هو وجه الإنكار في هذه الآية. وهكذا قول الله سبحانه وتعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله﴾. فالله عز وجل يحذر المؤمنين من أن يكونوا كاليهود والنصارى، كالأحبار وهم العلماء، علماء اليهود، والرهبان عباد النصارى. فلا تكونوا مثل أولئك الذين يعلمون حرمة أكل أموال الناس بالباطل، ويعلمون كذلك عظم وحرمة الصد عن سبيل الله، ومع ذلك فهم يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله. وهكذا الأدلة من السنة كثيرة، كثيرة في التحذير من عدم العمل بالعلم، في عدم العمل بالعلم. منها حديث أسامة بن زيد في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «يجاء يوم القيامة» -أو نعم- يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «يجاء بالرجل يوم القيامة فتندلق أقتاب بطنه»، يعني أمعاء بطنه، تندلق، والاندلاق هو خروج الشيء بسرعة، خروج الشيء بسرعة. قال: «فيدور فيها كما يدور الحمار برحاه»، يعني كما يدور الحمار بالطاحون، وقد اندلقت أي خرجت أقتاب بطنه. «فيراه الناس أهل النار يرونه كذلك، فيقولون له: يا فلان، ألست كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟» فأقول: «نعم، كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه». انظروا كيف صارت عاقبته! عذب بهذا العذاب، والعياذ بالله. وهكذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يستعيذ من علم لا ينفع، يستعيذ بالله من علم لا ينفع، كما في صحيح مسلم من حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يدعو بهذا الدعاء: «اللهم، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها». هكذا كان يدعو رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فالمسلم يكثر من هذا الدعاء حتى يوفقه الله سبحانه وتعالى لأن يجمع بين العلم والعمل، بين العلم النافع والعمل الصالح. وأكد: جاء عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه أنه قال: «إني مما أخشى أن ينادى بي يوم القيامة، أن ينادى بي يوم القيامة على رؤوس الأشهاد: يا عويمر، ما فعلت فيما علمت؟ يا عويمر، ما فعلت فيما علمت؟» انظر كيف كانوا يحاسبون أنفسهم! أبو الدرداء صحابي جليل كان يخشى على نفسه من أن يفعل شيئًا يخالف ما علمه من دين الله عز وجل، يخشى أن لا يعمل بعلمه، فكان يقول: مما أخشى على نفسي أن ينادى بي يوم القيامة على رؤوس الأشهاد: يا عويمر، ما فعلت فيما علمت؟ وأكد: حديث ببرزة، وجاء من حديث ابن مسعود عند البزار وغيره، وجاء عند الترمذي: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع»، ومن هذه الأربع: «عن علمه ماذا عمل به». تسأل عن هذا العلم: هل عملت به؟ هل قمت بهذا العلم أو ما قمت بهذا العلم؟ فالشاهد من هذا: أن من اتصف بالعلم والعمل فهو المنعم عليه، ومن وصف الله عز وجل من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، الذي أنت تدعو الله عز وجل أن تكون في زمرتهم وأن تكون في رفقتهم، هؤلاء جمعوا بين العلم والعمل، جمعوا بين العلم والعمل، فأكرمهم الله عز وجل، أكرمهم الله سبحانه وتعالى، وأدخلهم جنته. فأنت إن كنت تريد مرافقة لهم فما عليك إلا أن تحرص على العلم والعمل، تتزود من العلم النافع وتعمل بهذا العلم الذي تعلمته. طيب، نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر"