تفسير سورة البينة

تفسير سورة البينة

الدرس في تفسير سورة البينة، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تفسير مطلع سورة البينة: حال الكافرين قبل مجيء البينة ووصف الرسول والقرآن

يفسر الشيخ السعدي مطلع سورة البينة موضحاً أن الكفار من أهل الكتاب والمشركين استمروا في كفرهم حتى جاءتهم البينة المتمثلة في رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم يتلو صحفاً مطهرة. ويبين أن هذه البينة تميز بين طالب الحق ومن يعرض عنه، فيهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة.

وحدة دعوة الأنبياء للتوحيد وخصائص دين القيمة

يوضح المقطع أن أهل الكتاب تفرقوا بعد مجيء البينة رغم وحدة رسالة الأنبياء في الدعوة إلى توحيد الله. ويبين معنى الحنفاء وسبب تخصيص الصلاة والزكاة، مؤكداً أن دين القيمة هو الإخلاص لله وحده وهو طريق الجنة.

جزاء الكافرين والمؤمنين ووصف نعيم الجنة

يبيّن المقطع مصير الكافرين بعد قيام الحجة بأنهم خالدون في نار جهنم وهم شر البرية، بينما المؤمنون العاملون بالصالحات هم خير البرية. ويصف جزاءهم جنات عدن دائمة النعيم مع رضوان الله الأكبر، مشيراً إلى أن الإيمان قول وعمل واعتقاد.

تفسير قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾

يفسر المقطع أن الجزاء الحسن مخصص لمن يخشى ربه فيبتعد عن المعاصي ويؤدي الواجبات. ويختتم بالتأكيد على أن هذا الفهم مستند إلى علم الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، وصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: قال المفسر عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى: "تفسير سورة لم تكن، وهي مدنية. بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفِكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ * وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ * وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾. قال: يقول تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، أي: من اليهود والنصارى، ﴿وَالْمُشْرِكِينَ﴾، أي: من سائر أصناف الأمم التي أشركت بالوثنية، أو بعبادة الشمس، أو بعبادة النار، الذين هم قد أشركوا وليسوا من أهل الكتاب. ﴿مُنْفِكِّينَ﴾: أي: عن كفرهم وضلالهم الذي هم عليه، أي: لا يزالون في غيهم وضلالهم، لا يزيدهم مرور السنين إلا كفرًا. ﴿مُنْفِكِّينَ﴾: أي: لا يزالون. لم يكن سبق بالنفي فهو بمعنى لا يزالون، أي: هم مستمرون في كفرهم وضلالهم. ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾: أي: الواضحة والبرهان الساطع. ثم فسر تلك البينة فقال: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾، ويعني محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أي: أرسله الله يدعو الناس إلى الحق، وأنزل عليه كتابًا يتلوه ليعلم الناس الحكمة ويزكيهم ويخرجهم من الظلمات إلى النور. ولهذا قال: ﴿يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾، أي: محفوظة عن قَرَان الشياطين، لا يمسها إلا المطهرون. وهذا كقول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾، ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾. فهذه الآية ﴿يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ بمعناها، لأنها في أعلى ما يكون من الكلام. ولهذا قال: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾، أي: في تلك الصحف المنزلة على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، أخبار صادقة وأوامر عادلة تهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم. قال: فإذا جاءتهم هذه البينة، فحينئذ يتبين طالب الحق ممن ليس له مقصد في طلبه، فيهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن بينة. قال: وإذا لم يؤمن أهل الكتاب لهذا الرسول وينقاد له، فليس ذلك ببدع من ضلالهم وعنادهم، فإنهم ﴿مَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾، فمع وجود البينة فلا يزالون في خلاف وفي تفرق وفي عناد. ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾: أي: التي توجب لأهلها الاجتماع والاتفاق، ولكنهم لرداءتهم ونذالتهم لم يزدهم الهدى إلا ضلالة، ولا البصيرة إلا عمى. مع أن الكتب كلها جاءت بأصل واحد ودين واحد، فالأنبياء أبناء علات، ودينهم واحد، فكلهم يدعون إلى توحيد الله سبحانه وتعالى، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. فالأنبياء دينهم واحد من حيث التوحيد والدعوة إلى التوحيد، فهذا معنى قول الله عز وجل: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. فجميع الكتب جاءت بهذا الأصل العظيم: الدعوة إلى توحيد الله سبحانه وتعالى. قال: فما أمروا في سائر الشرائع إلا أن يعبدوا الله مخلصين له الدين، أي: قاصدين بجميع عباداتهم الظاهر والباطن وجه الله، وطلبوا الزلفة لديه. ﴿حُنَفَاءَ﴾: أي: معرضين مائلين عن سائر الأديان. الحنيف هو المائل قصدًا من الشرك إلى التوحيد، أي: معرضين مائلين عن سائر الأديان المخالفة لدين التوحيد. وخص الصلاة والزكاة بالذكر مع أنهما داخلان في قوله: ﴿لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، لفضلهما وشرفهما، وكونهما العبادتين التي من قام بهما قام بجميع شرائع الدين. وهذا من باب ذكر الخاص بعد العام، يفيد الاهتمام. فالصلاة والزكاة داخل في عبادة الله عز وجل، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾، فمن عبادة الله الصلاة والزكاة. لكن لماذا خصتهما بالذكر؟ لأهمية هاتين العبادتين، فالصلاة من أعظم العبادات البدنية، والزكاة من أعظم العبادات المالية، فهي عبادات جليلة عظيمة، فخصتا بالذكر بعد العموم. ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾: أي: التوحيد والإخلاص في الدين هو دين القيمة، أي: الدين المستقيم الموصل إلى جنات النعيم، وما سواه فطرق موصلة إلى الجحيم. ذلك دين القيمة، هذا هو الدين الحق: عبادة الله سبحانه وتعالى وحده، وإفراد العبادة له عز وجل وحده، وترك ما يضاد ذلك التوحيد من الشرك بالله سبحانه وتعالى. هذا هو الدين الحق، هذا هو الدين المستقيم، هذا هو الدين الموصل إلى جنات النعيم، أما غيره فهو الموصل إلى الجحيم والعياذ بالله. قال: ثم ذكر جزاء الكافرين بعدما جاءتهم البينة، لأن الحجة قد قامت عليهم. فلما جاءهم الرسول وجاءهم الحق، ودعاهم إلى توحيد الله وإلى عبادة الله عز وجل وحده، فعاندوا وكفروا وتفرقوا، وتركوا هذا الأصل العظيم، هذا كان الجزاء بعدما قامت عليهم الحجة. قال: ثم ذكر جزاء الكافرين بعدما جاءتهم البينة، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾، أي: قد أحاط بهم عذابها، واشتد عليهم عقابها. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾: أي: لا يفتر عنهم العذاب، يعني: لا ينقطع، بل هو عذاب مستمر. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾: لا يخرجون منها، ولا كذلك يجدون انقطاعًا من ذلك العذاب، وهم فيه مبلسون. ﴿أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾: ومعنى البرية: أي الخليقة، فشر الخليقة هم المشركون الكفار، هؤلاء شر الخليقة، شر الخليقة. ﴿أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾: لأنهم عرفوا الحق وتركوه، وخسروا الدنيا والآخرة. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾: لأنهم عبدوا الله وعرفوه، وفازوا بنعيم الدنيا والآخرة. وانظر إلى اقتران الإيمان بالعمل الصالح، فالعمل الصالح داخل في مسمى الإيمان، فالعمل الصالح لا بد منه مع الإيمان، لا بد منه مع الإيمان، وهذا كثير في كتاب الله سبحانه وتعالى، وهذه هي عقيدة أهل السنة والجماعة: أن الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان. قال: لأنهم عبدوا الله وعرفوه، وفازوا بنعيم الدنيا والآخرة. ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾: أي: جنات إقامة. معنى عدن: أي إقامة، لا يخرجون منها، بل هم دائمون فيها. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾: أي: جنات إقامة، لا وضع فيها ولا رحيل، ولا طلب لغاية فوقها، فهي أعلى غاية: أن يدخل المؤمن الجنة ويتنعم بنعيم الجنة، فهم في إقامة ودوام في هذه الجنة. ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾: قال: فرضي عنهم بما قاموا به من مراضيه، ورضوا عنه بما أعد لهم من أنواع الكرامات وجزيل المثوبات. فهذه هي الجنة، فيها من الأنهار، ولا تظن أن الأنهار هي من الماء فحسب، بل أنهار من غير الماء، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾. سبحان الله! أنهار من ماء، من لبن، من عسل، من خمر، ليس كخمر الدنيا. هذه هي الجنة أعدت للمتقين، للذين آمنوا وعملوا الصالحات، الذين هم خير الخليقة. فرضي الله عنهم بما قاموا بمراضيه من إقامة توحيد الله عز وجل، ومن الأعمال الصالحة، ومن طاعة الله سبحانه وتعالى. ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾: قال: ذلك أي: الجزاء الحسن، لمن خشي ربه، أي: لمن خاف الله فأحجم عن معاصيه، وقام بواجباته. إلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر"