الدرس في شرح حائية ابن أبي داوود 18، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبيّن المقطع قول أهل السنة في مرتكب الكبيرة بأنه مؤمن ناقص الإيمان لا كافر، ويرد على مذهب الخوارج الذين يكفرون بالمعاصي ويخلدون في النار. يستعرض نشأتهم بخروجهم على علي بن أبي طالب ومناظرة ابن عباس لهم، ومفصلاً صفاتهم من تكفير الحكام والخروج عليهم، وتهييج الرعاع، وبغض العلماء، وانعدام العالم الراسخ فيهم.
يشرح المقطع خطورة فكر الخوارج الذين يكفرون المسلمين ويستحلون دماءهم، مستدلاً بأحاديث النبوية في ذمهم. ثم ينتقل لبيان ضلال المرجئة الذين يخرجون العمل من الإيمان ويجعلونه مجرد قول ونية، محذراً من كلا الفريقين ومبيناً أن مذهب أهل السنة وسط بينهما.
يبيّن المقطع أن الإيمان عند أهل السنة والجماعة يتكون من قول اللسان، واعتقاد القلب، وعمل الجوارح، مستدلاً بحديث شعب الإيمان. ويؤكد أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأن الأعمال الصالحة ترجح الموازين يوم القيامة، داعياً المؤمن للحرص على أسباب زيادة الإيمان.
يشرح المقطع انقسام المرجئة إلى فرق متعددة خالف كل منها أحد أركان الإيمان الأربعة (قول، اعتقاد، عمل، زيادة ونقصان)، وينسب لكل فرقة قولاً محدداً كالأشاعرة والجهمية والحنفية. ثم يرد عليهم بأدلة القرآن والسنة التي تقرن الإيمان بالعمل الصالح وتجعله جزءاً منه.
الحمد لله محمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فبعدما ذكر المؤلف قول أهل السنة والجماعة في حكم مرتكب الكبيرة، وأن اعتقاد أهل السنة والجماعة وهو القول الحق: من كان على التوحيد وعصى وارتكب كبيرة من كبائر الذنوب، فإنه لا يكفر ولا يسلب عنه الإيمان مطلقا. وهكذا لا يحكم عليه بأنه مؤمن كامل الإيمان، وإنما يقولون: إنه مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه عاص بمعصيته. فهذا معنى قوله في البيت الأول: «ولا تكفرن أهل الصلاة وإن عصوا *** وكلهم يعصي وذو العرش يصفح» كل ابن آدم خطاء، فعلى مذهب الخوارج لا يبقى أحد، لا يبقى أحد مؤمن على مذهب الخوارج؛ لأن كل الخلق يعصون. فلذلك معتقد أهل السنة في الإيمان: أن مرتكب الكبيرة ليس بكافر، وليس بمخلد في النار، خلافا للخوارج والمرجئة، وهما طائفتان متناقضتان ومتضادتان. ففي البيت الذي بعده بين الناظم تلك الفرق ومذاهبها وضلالها ومخالفتها لمنهج أهل السنة والجماعة، فقال: «ولا تعتقد رأي الخوارج إنه *** مقال لمن يهواه يردي ويفضح» فقوله: «ولا تعتقد رأي الخوارج» يعني: لا تؤمن ولا تدن بمذهب الخوارج. وسماه رأيا هنا، وسماه رأيا وعبر عنه بهذا التعبير؛ لأنه ليس من عند الله، بل هو رأي من عقولهم، من نتائج عقولهم، ومن نسيج أفكارهم، فليس هو من الله، فهو رأي من الآراء ليس عليه دليل، لا من الكتاب ولا من السنة، بل هو مخالف للكتاب والسنة. لأن مذهب الخوارج في مرتكب الكبيرة: أنه كافر في الدنيا، وأنه كافر في الدنيا، وخالد مخلد في النار يوم القيامة. فهم يكفرون بالمعاصي: من يتعامل بالربا عندهم كافر، من يحكم بغير ما أنزل الله بدون تفصيل فهو عندهم كافر، فهو عندهم كافر. هذا هو منهج ورأي الخوارج. وسموا خوارج لأمرين اثنين: الأمر الأول: لأن أول من شئهم وأول ظهورهم كان في زمن الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، فخرجوا عليه وكفروه. ومناظرة ابن عباس للخوارج معلومة، وكانوا يحتجون أنه حكم الرجال، فحكم بغير ما أنزل الله، مع أنه حكم الرجال في أمر ليس فيه نص قطعي، وإنما هم باب الصلح، وهذا جائز في القرآن، أو هذا وارد في القرآن. كما احتج عليهم ابن عباس بأدلة من القرآن، وقال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: 128]، وقال الله عز وجل: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: 35]. فحكم الله عز وجل الرجال عند مخاصمة بين الزوجين، فهؤلاء الذين يحكمون الآن هم رجال، هل نكفرهم لأنهم حكموا الرجال؟ وكذلك في الصيد: لمن قتل صيدا وهو محرم، فيشهد ذوا عدل بقيمة هذا الصيد الذي قتله ذلك المحرم، كما في قوله تعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [المائدة: 95]. فاحتج عليهم ابن عباس في هاتين الآيتين، وكفروه أيضا لأنه محى نفسه من أمير المؤمنين، فقالوا: إذن هو أمير الكافرين. انظر إلى وقاحة الخوارج، الخوارج عندهم وقاحة، وعندهم سفاهة، وعندهم فحش في القول والعمل. فاحتج عليهم ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بما وقع في صلح الحديبية، لما كتب علي الكتاب وبدأه بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم، فقالوا: ما نعلم من الرحمن، لو كنا نعلم ذلك لما قاتلناك، قالوا: اكتب باسمك اللهم، ثم قال: هذا ما صالح عليه رسول الله، قالوا: لو كنا نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك، فمحا علي «رسول الله» بأمر من النبي عليه الصلاة والسلام. فهل معنى محو «رسول الله» ليس برسول الله؟ لا، إنما هذا من باب الصلح، وهذا كذلك من باب الصلح. فالمهم: الخوارج شعارهم تكفير من في ظنهم أنه عاص أو مرتكب لكبيرة أو نحو ذلك. فسموا بالخوارج لأنهم خرجوا على علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، ورفعوا السيف عليه وعلى المؤمنين، ولأنهم كذلك خرجوا على السنة ففارقوها وجانبوها، فسموا كذلك بالخوارج. وهذا الوصف لا يزال ملصقا بهم إلى زماننا هذا، فهم الذين يخرجون على الأئمة والولاة، فلا يقرون لأمير أو حاكم أو ملك من ملوك البلاد بالولاية الشرعية. هذا من أبرز صفاتهم، من أبرز صفات الخوارج أنهم لا يعترفون بإمارة الأمراء، ويرونهم كفارا، ويرون جواز الخروج عليهم، سواء كان بالسيف والسنان أو بالتهييج والكلام. فالخوارج ينقسمون إلى قسمين: خوارج قعدية، يعني عندهم رأي الخوارج وتكفير الحكام ومرتكبي الكبيرة، لكنهم ما يخرجون بالسيف والسنان والقتل والقتال، بل يكونون في مساجدهم أو في مكاتبهم أو في بيوتهم، لكن يحرضون ويهيجون الرعاع. فقال العلماء: هؤلاء أعظم، لأنهم هم السبب في خروج من خرج بالسيف، الذي خرج بالسيف ما خرج إلا بعد هذا التهييج، وهذا كذلك الفكر الذي تلقاه أولا علميا ثم طبقه واقعيا. فقال العلماء: القعدية هم أخطر من الخوارج البغاة المقاتلين. ذكر ذلك غير واحد من أهل العلم. فهذا من أعظم صفاتهم: الخروج على ولاة الأمر، تكفير بالمعصية، وأيضا تهييج المجتمع على حكامهم، وبغض ولاة الأمر، وعدم النصح لهم. وهكذا تجد من صفاتهم بغض العلماء الربانيين، لأنهم ينكرون عليهم، فيصفونهم بالعمالة، ويصفونهم بالجاسوسية، ويصفونهم بالدنيويين والمصلحيين، ونحو ذلك من الأوصاف التي هم أحق بها. وقد اتضح في زماننا هذا أن العملاء فيهم، فهم الذين لهم صلة بمنظمات دولية صهيونية، كمنظمة، كجماعة الدواعش، فإنهم في الحقيقة صناعة يهودية، فهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، كما وصفهم النبي عليه الصلاة والسلام بذلك. فهذه من أوصافهم. ومن أوصافهم كذلك أن ما فيهم عالم، ما تجد فيهم عالما من العلماء الراسخين، من العلماء الناصحين، من العلماء الموحدين الذين يدعون إلى التوحيد وإلى السنة، ما تجد فيهم أحد. وهذا ما ذكرهم به ابن عباس عند مناظرته لهم، لما ناظرهم وجاء إليهم قال: جئتكم من عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وليس منكم فيهم أحد، وليس منكم فيهم أحد، أحد من الصحابة، لا أحد من الصحابة كان مع الخوارج، مع أن الصحابة في عهد علي متوافرون ومتكاثرون، ومع هذا ما كان معهم أحد من الصحابة، لأن الصحابة كلهم علماء، فليس معهم أحد من الصحابة. وهكذا في زماننا هذا، من أراد أن يناظرهم يقول لهم: وليس فيكم من العلماء الراسخين الربانيين أحد. أما هؤلاء الذين يرفعونهم فهم في الحقيقة مفلسون من العلم، من عنده منهم علم؟ منهم علم أحد؟ عنده علم؟ أسامة بن لادن، ذا ليس بعالم، أل سمعتم له كتابا شرحا أو رسالة أو تحقيقا أو دعوة إلى السنة أبدا؟ ليس بعالم. من آخر معهم ممن يعظمونه ويرفعون من شأنه؟ كلهم إما روافض وإما شيعة وإما كذلك ضعفاء في العلم والتوحيد والسنة، ما فيهم علماء، ما فيهم علماء. فهذه من صفاتهم أيضا. فقول الناظم رحمه الله: «ولا تعتقد رأي الخوارج» يعني: لا تدن ولا كذلك تؤمن بهذا الفكر وهذا الرأي، فهذا التحذير من المؤلف من رأي الخوارج، وهو مأخوذ من السنة، فإن النبي عليه الصلاة والسلام قد حذر من الخوارج، وبين صفاتهم، وقال: إنهم سفهاء الأحلام، أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، وذكر أنهم يقتلون أهل الإيمان ويدعون أهل الأوثان، وذكر من أوصافهم أنه ما من فرقة منهم تخرج إلا قطع الله دابرها، فلم يمكنوا في الأرض، وكذلك بين فضل من قتلهم أو قتلوا على يده، وقال: «طوبى لمن قتلهم أو قتلوه»، فأمر بقتالهم وقطع دابرهم. وقول الناظم هنا: «مقال لمن يهواه» يعني: لمن يحبه ويتبعه، من أحب هذا الفكر واتبعه، فما هي النتيجة؟ النتيجة كما ذكر: يردي ويفضح. «يردي» يعني: يهلك، الردى الهلاك، يهلك من قال به؛ لأنه مقال خطير قد يؤدي بمن يدين به إلى الكفر، لأنه سيكفر من لا يستحق التكفير. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من قال لأخيه يا كافر، فإن كانت فيه وإلا باءت عليه». إذا قلت: فلان كافر، وليس بكافر، رجعت هذه الكلمة إليك. إذن هذا مقال خطير، كونك تكفر المسلمين، فترجع عليك هذه الألفاظ، ألفاظ الكفر ترجع إليك. فمن هنا يتبين لنا خطورة هذا الفكر، وأنه يهلك صاحبه، فيستحل دماء المسلمين، ودماء المسلمين ليست بالأمر الهين، يقول عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة، ومنها قوله عليه الصلاة والسلام: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا»، تعلمون حرمة البلد الحرام وحرمة الشهر الحرام، فقتل المسلم حرام، بل هي هذه الحرمة أشد. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول - يعني في عظمة الكعبة - وهذا ورد عن ابن عمر قال: «ما أعظمك وأعظم شأنك، ولدم المسلم أعظم حرمة منك، من هذا البيت»، البيت الحرام الذي عظمه الله سبحانه وتعالى. فإذا هذا الفكر والرأي، رأي يهلك صاحبه، رأي خطير يؤدي بصاحبه إلى أن يستحل دماء المسلمين وأموال المسلمين بل وأعراض المسلمين. انظر الآن إلى فعل الخوارج، كم قتلوا من أبرياء؟ إنسان يخرج من المسجد صلى، فيأتي ويقتله، يقول: لو اتقي الله، أنا خرجت من المسجد، ويقول المقتول: لا إله إلا الله، وذاك لا يرتدع؛ لأنه يعتقد أن أمامه كافر، ليس مسلما. بل وصل بهم الأمر إلى قتل العلماء، إلى قتل العلماء، هذا أمر خطير، يهلك، ليس إلى قتل أي مسلم، بل إلى قتل العلماء، والعياذ بالله، كما وقع لشيخنا عبد الرحمن العدني رحمه الله تعالى، فالمعلوم أنه قتل من قبل الخوارج، وهكذا كم قتلوا من الأبرياء. إذن صدق الناظم رحمه الله: «مقال لمن يهواه يردي»، يهلك صاحبه. وهنا عبر تعبيرا دقيقا في قوله: «مقال لمن يهواه»، يعني: أن هذه الفرق والمذاهب أمرها إلى الأهواء، لا إلى الرجوع إلى الحق، فهذه من فرق الضلال والأهواء، يتبعون أهواءهم، لا يتبعون الحق، الكتاب والسنة. وقوله: «ويفضح»، مقال لمن يهواه يردي ويفضح، وكونه يفضح؛ لأن هؤلاء الخوارج يكفرون المسلمين ويقتلون المسلمين، ويدعون المشركين، فيسلم منهم عبدة الأوثان واليهود والنصارى والمشركون، ولا يسلم منهم المسلمون. هذه فضيحة، هذه فضيحة ظاهرة واضحة. لماذا هؤلاء ليس لهم ظهور وليس لهم عمليات ونشاط إلا في بلاد المسلمين؟ لماذا لا يذهبون بلاد الكفار؟ لماذا لا يقتلون الكفار من اليهود والنصارى والمشركين في بلادهم؟ لماذا تسلطوا على بلاد المسلمين؟ هذا واضح أن المسألة مسألة هوى، ومسألة فكر ضال منحرف. فلذلك فضحهم الله، فرأي الخوارج يردي ويفضح، كما ذكر الناظم رحمه الله تعالى. ثم قال الناظم: «ولا تكُ مرجِئا لعوبا بدينه *** ألا إنما المرجي بالدين يمزح وقل إنما الإيمان قول ونية *** وفعل على قول النبي مصرح وينقص طورا بالمعاصي وتارة *** بطاعته ينمي وفي الوزن يرجح» بعدما ذكر فرقة من الفرق الضالة التي خالفت منهج أهل السنة والجماعة في مسألة مرتكب الكبيرة، ذكر طائفة أخرى في هذه الأبيات أيضا خالفت منهج أهل السنة والجماعة في هذه القضية وفي هذه المسألة، وهم المرجئة، الذين على طرف نقيض للخوارج. فالخوارج يكفرون بالمعصية، والمرجئة يحكمون على مرتكب الكبيرة بالإيمان التام الكامل، فلا يدخلون الأعمال في مسمى الإيمان، فيجعلون الإيمان جزءا واحدا، فإيمان أبي بكر وعمر كإيمان أفراد الأمة لا فرق، وهذا قول باطل، وخالف للكتاب والسنة، كما سيأتي بيانه. وسموا مرجئة لأنهم أرجعوا العمل عن الإيمان، لأن الإرجاء معناه التأخير، يعني أخروا العمل عن الإيمان. فالإرجاء معناه التأخير في اللغة، كما قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ [الأعراف: 111]، أرجه يعني: أخر إلى يوم آخر حتى يجتمع الناس. فسموا مرجئة لأنهم أخروا الأعمال ولم يدخلوها في الإيمان، فسموا مرجئة. فهم يقولون: من اعتقد في قلبه وآمن، فيكفيه هذا، وإن لم يصل، وإن لم يزك، وإن لم يعمل الأعمال الصالحة، وإن ارتكب ما ارتكب من المعاصي والمنكرات، طالما أن الإيمان في قلبه فهو مؤمن. هذا هو اعتقادهم. فقوله: «ولا تكُ مرجِئا» يعني: يا أيها السني، احذر أن تكون من هذه الفرقة الضالة، «لعوبا بدينه». قوله: «لعوبا بدينه» يعني: منهج المرجئة قائم على اللعب واللهو. لماذا؟ لأن ألف الساق، وأصحاب المعاصي يفرحون بهذا المذهب، يفرحون بهذا المذهب، بل ويؤيدونه. لماذا يؤيدونه؟ لأنه لا ينكر عليهم، هذا المنهج، منهج المرجئة لا ينكر عليهم، فهم عند المرجئة مؤمنون، الفساق والعصاة عند المرجئة مؤمنون، والمرجئي لا ينكر على مرتكب الكبيرة؛ لأن عنده: لا تنفع مع الإيمان طاعة، ولا تضر مع الإيمان معصية. هذا مذهبهم. فإذن هو مذهب قائم على اللعب واللهو، افعل ما شئت، افعل ما شئت، فالمرجئ في الحقيقة يلعب بدين الله سبحانه وتعالى، ويفعل ما يشاء من المعاصي والفسق والفجور. ولذلك قال: «ألا إنما المرجي بالدين يمزح». وأي مزاح أعظم من أن يترك العاصي يفعل ما يشاء، يفعل ما يشاء، طالما أن الإيمان في قلبه؟ هذا أمر لا شك أنه لعب ومزاح، وكذلك أمر فيه من الدعوة إلى الفجور والفسق واللهو واللعب ونحو ذلك. فهذا معنى قوله: «ولا تكُ مرجِئا لعوبا بدينه، ألا إنما المرجي بالدين يمزح». وأما قوله: «وقل إنما الإيمان قول ونية وفعل على قول النبي مصرح»، يعني: قل أيها السني، يا من وفق الله للسنة والعمل بها: قل أن الإيمان قول ونية وعمل، أو فعل، فعل بمعنى عمل. فقوله: «قول» يعني: باللسان، فمن لم ينطق بالشهادتين فليس بمؤمن، لابد من النطق بها، فهو قول باللسان. وهذا فيه أن قول اللسان منه ما هو أصل، لابد من التلفظ به، ومن لم يتلفظ به فلم يؤمن، كالتكلم بالشهادتين: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله»، في لفظ، هكذا جاء. فإذا لابد من القول في الإيمان. فالقول قد يكون أصل يجب التلفظ به، وقد يكون فرع، وهما يبنى على هذا الأصل، من عبادة الله عز وجل باللسان، كقراءة القرآن والتسبيح والتهليل والتكبير، وغيرها من العبادات القولية. فإذا لابد في الإيمان من القول. «قول ونية» أي: اعتقاد صحيح في القلب، فالمراد بالنية هنا: اعتقاد القلب، بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات». فإذا قال: لا إله إلا الله، بل وعمل الأعمال الصالحة، لكن ما اعتقد في قلبه الاعتقاد الصحيح، فهذا ليس بمؤمن، وهذا حال من حال المنافقين، المنافقون يقولون: لا إله إلا الله، بل ويصلون مع النبي عليه الصلاة والسلام، بل وربما بعضهم خرج إلى الجهاد، ولكنهم في الدرك الأسفل من النار، لا إيمان لهم، لماذا؟ لأن الاعتقاد هنا فاسد، يحملون في قلوبهم الكفر والحقد والعداوة على الإسلام والمسلمين، فلذلك ما نفعهم عمل اللسان ولا عمل الجوارح، ما نفعهم ذلك. فإذن هذا معنى قوله: «ونية» يعني: اعتقاد القلب. وقوله: «وفعل» أي: عمل بالجوارح، عمل بالجوارح باليدين والرجلين، وكذلك الصلاة، سجود، ركوع، بالأخذ والعطاء، والمشي، الذهاب والإياب في العبادة، كل ذلك من عمل الجوارح، فهذا أيضا من الإيمان. ولذلك يقول أهل السنة: أن الإيمان قول واعتقاد وعمل، قول باللسان، واعتقاد بالجنان يعني بالقلب، وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. فهنا أيضا يقرر عقيدة أهل السنة والجماعة المؤلف، بعدما رد على المرجئة يبين بطلان قولهم، ويقرر اعتقاد أهل السنة والجماعة: «وقل إنما الإيمان قول ونية وفعل على قول النبي مصرح». ومعنى: «على قول النبي مصرح» يعني: مصرح على قول النبي، «مصرح» هنا خبر، «مصرح» هنا مبتدأ مؤخر، خبره الجار والمجرور المقدم، والمعنى: أن هذه الثلاث، قول اللسان، واعتقاد الجنان، وعمل الجوارح والأركان، جاءت في السنة صريحة، أي أن النبي عليه الصلاة والسلام قرر أن الإيمان قول واعتقاد وعمل. أين نجد هذا؟ في حديث أبي هريرة في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، في رواية: سبعون شعبة، فأعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». انظر إلى هذا الحديث، قال: «الإيمان بضع وسبعون شعبة»، إذن ما سيذكر كله من ماذا؟ من الإيمان. ما سيذكر كله من الإيمان. فقال: «أعلاها قول: لا إله إلا الله»، هذا يشمل قول ماذا؟ قول اللسان. «وأدناها إماطة الأذى من الطريق»، وهذا يشمل عمل ماذا؟ الجوارح، لما تأخذ شيء من الطريق وترمي به، هذا عمل ماذا؟ عمل الجوارح، باليد، بالرجل، بالسيارة، بالجهد، صح، هذا عمل ماذا؟ عمل الجوارح. «والحياء شعبة من الإيمان»، الحياء عمل ماذا؟ القلب، شيء بعث من القلب، صح. فإذا هذا الحديث اشتمل على هذه الثلاث، لتبين من ذلك أن الإيمان لا بد فيه من قول واعتقاد وعمل، فقد جاء ذلك مصرحا به عن النبي عليه الصلاة والسلام، عليه الصلاة والسلام. هذا معنى قوله رحمه الله تعالى: «على قول النبي مصرح». وأهل السنة لا يعتقدون شيئا ولا يفعلون شيئا إلا بما جاء في الكتاب والسنة. وأما قوله: «وينقص طورا بالمعاصي وتارة بطاعته ينمي وفي الوزن يرجح»، يعني: أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد وينقص. فقوله هنا: «وينقص طورا» يعني: الإيمان أحيانا ينقص، على حسب طاعة ومعصية هذا المؤمن، فإن زاد في الطاعة والقربة زاد إيمانه، وإن زاد في المعصية نقص إيمانه. فقوله: «وينقص طورا بالمعاصي» أي: أن الإيمان ينقص بالمعصية، «وتارة بطاعته ينمي» من النماء، نمى، ينمو، يعني النماء بمعنى الزيادة، يعني كثر وزاد، فالإيمان يزداد بالطاعة، يزداد بالطاعة. وهذا عليه أدلة كثيرة من القرآن والسنة، أدلة زيادة الإيمان ونقصانه، أدلة كثيرة من القرآن والسنة. من ذلك قول الله عز وجل: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: 76]، وقول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: 17]، وقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾ [التوبة: 124]، ﴿وَأَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: 4]. والآيات في هذا كثيرة تدل على زيادة الإيمان. وأما نقصان الإيمان فكذلك وردت الأدلة الكثيرة، منها قول النبي عليه الصلاة والسلام: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف»، فدل ذلك على أن هناك إيمان، على أن هناك مؤمن قوي الإيمان ومؤمن ضعيف الإيمان، إذن الإيمان يزيد وينقص. القوي في الإيمان: من ازداد طاعة وقربة إلى الله، والضعيف في الإيمان: من قل طاعته، وكذلك ارتكب المعصية. وهكذا من الأدلة قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي سعيد: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». إذن معناه: هناك إيمان ضعيف، صح، فهذا يدل على أن الإيمان يزيد وينقص، الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، كما ذكر المؤلف رحمه الله. ومن ذلك أيضا قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن»، فقال: «من ناقصات عقل ودين»، إذن هناك من يكون ناقص الدين، يعني الإيمان. والأدلة على ذلك كثيرة. فهذا معنى قوله: «وينقص طورا بالمعاصي وتارة بطاعته ينمي، وفي الوزن يرجح». ومعنى قوله: «وفي الوزن يرجح» يعني: في الميزان يوم القيامة، هذا العمل مع كونه في الدنيا سببا لزيادة الإيمان، ألا أنه في الآخرة سببا لتثقيل الموازين، سببا لتثقيل الموازين. فلذلك يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المؤمنون: 102]، وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة: 6-11]. فإذا هذه الأعمال التي تزيد الإيمان أيضا ترجح الموازين يوم القيامة. هذا معنى المؤلف رحمه الله. وفي هذا دعوة للمؤمن أن يحرص على أسباب زيادة الإيمان، فمن أسباب زيادة الإيمان: أولا الحرص على الواجبات، من المحافظة على الصلوات، وصدق الحديث، وبر الوالدين، والأمانة في القول والعمل، وهكذا صلة الأرحام، وحسن الجوار، وغير ذلك من الأمور التي أوجبها ربنا عز وجل على عباده. وهكذا غيرها من الأعمال التي تكون سبب زيادة الإيمان، كقراءة القرآن، وطلب العلم النافع، والحرص على ذكر الله سبحانه وتعالى. المهم: كلما ازداد المؤمن من الأعمال الصالحة كلما ارتقى إيمانه وارتفع وزنه، فاحرصوا بارك الله فيكم على أسباب زيادة الإيمان. والمرجئة خالفوا أهل السنة في هذه المسائل الأربع، في قولنا: أن الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. أهل البدع من المرجئة، وكذلك الخوارج، خالفوا أهل السنة في هذا. أولا: المرجئة افترقت هذه الفرقة إلى فرق شتى في هذه المسألة، فكل من خالف في واحد من هذه الأربع، يقال له: مرجئ، يقال له: مرجئ، أصول الإيمان هذه الأربع: قول باللسان، اعتقاد بالجنان، عمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة وينقص في المعصية. فلذلك كل من خالف فيه ولو واحد من هذه، فيقال له: مرجئ. فلذلك افترق أهل الإرجاء إلى أقوال شتى، إلى أقوال شتى. فمنهم من قال: أن الإيمان بالقلب فحسب، الإيمان فقط في القلب، لا هناك عمل، ولا قول، ولا شيء، وهذا ينسب إلى الأشاعرة، فإنهم يقولون ذلك. ومنهم من يقول: أن الإيمان هو الاعتقاد بالقلب مع النطق باللسان، زادوا النطق باللسان، وهذا قول الحنفية، وهم من يسمون بمرجئة الفقهاء، مرجئة الفقهاء، قصروا العمل، الإيمان على الإيمان، على اعتقاد القلب ونطق اللسان، ونطق اللسان. ومنهم من يقول: إن الإيمان مجرد المعرفة بالقلب، أن تعرف فقط إلهك بالقلب، وهذا يختلف عن القول الأول، القول الأول: أن الإيمان بالقلب، فيشمل المعرفة والاعتقاد، وفرق بين المعرفة والاعتقاد، فالجهمية، وهذا ينسب إلى الجهمية، القول: الإيمان مجرد المعرفة بالقلب، على قولهم هذا، فرعون مؤمن، لأن هو القائل: ﴿لَقَدْ عَلِمْتُ مَا أَنزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: 102]، فيعلم أن الذي أنزل هذه الآيات هو الله، فعنده معرفة. هذا معنى المعرفة، دل على قول الجهمية أن مشرك العرب مؤمنين، لأنهم يعرفون أن الخالق هو الله، وأن الرازق هو الله، وهذه من المعرفة، وهم يدخلون، أو على قول ماذا؟ يلزم أن المشركين كذلك يدخلون في الإيمان، وعلى هذا لوازم كثيرة. فهذا مجمل ما ذكره أهل العلم في فرق المرجئة، في فرق المرجئة. ويرد عليهم: أن في القرآن كثيرا ما يقرن الله عز وجل بين الإيمان والعمل، بين الإيمان والعمل، وهذا يدل على أن العمل من الإيمان. والعصر: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر: 2-3]، جعل من الأمور التي تخرج العبد من الخسارة العمل الصالح، لو كان العمل الصالح ليس من الإيمان، فكيف يكون سببا لنجاة العبد من الخسارة؟ عرفتم هذا الآن. والله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [سبأ: 37]، ويقول الله عز وجل: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: 70]. كثير من الآيات يقرن الله عز وجل بين الإيمان والعمل الصالح. وهكذا النبي عليه الصلاة والسلام، وقد سمعتم حديث أبي هريرة: «الإيمان بضع وسبعون شعبة»، فذكر فيها أعمال القلب، وأعمال الجوارح، وأعمال اللسان، وأعمال اللسان. طيب، هذا خلاصة ما يذكر في هذه الأبيات الثلاثة. إن شاء الله يؤذن المؤذن ثم نأخذ شيئا من البيقونية، إن شاء الله. ترجمة نانسي قنقر، ترجمة نانسي قنقر، نانسي قنقر، شكرا.