مختصر فقه الأسماء الحسنى  37

مختصر فقه الأسماء الحسنى 37

الدرس في مختصر فقه الأسماء الحسنى 37، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

معنى اسم الله الحليم ودلالاته القرآنية

يشرح المحور معنى اسم الله "الحليم" وربطه بأسماء الغفور والعليم في القرآن، مبيناً أن حلم الله تعالى يقتضي تأخير العقوبة عن العصاة مع علمه الكامل بأعمالهم، وإمهالهم فرصة للتوبة، فهو سبحانه يمهل ولا يهمل، ولو عاقب الناس بذنوبهم لما ترك على ظهرها من دابة.

إمهال الظالمين وعاقبة الاستمرار في الظلم

يتناول المحور حلم الله على الظالمين وتفصيل قاعدة "يمهل ولا يهمل"، مستعرضاً الآيات والأحاديث التي تؤكد أن الله يمهل الظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، داعياً إياهم للتوبة قبل حلول العقاب الأخروي أو الدنيوي.

أمثلة حلم الله مع المجرمين واقتران الاسم بالأسماء الحسنى

يسرد المحور نماذج عملية لحلم الله مع المجرمين كدعوة أصحاب الأخدود وفرعون للتوبة رغم بشاعة جرائمهم، ويوضح حكمة اقتران اسم الحليم بالعليم والغني والشكور؛ فالحلم صادر عن علم وإحاطة، وعن غنى ذاتي لا حاجة، ويظهر في قبول القليل من العمل ومضاعفة الأجر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، وحمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الشيخ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد -حفظه الله تعالى- في كتابه "مختصر فقه الأسماء الحسنى"، في اسم الله "الحليم": قال: وهو اسم تكرر وروده في القرآن الكريم في عدة مواضع، يعني لم يذكر مرة ولا مرتين، بل ذكر في عدة مواضع. قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ﴾ [فاطر: 41]. فهنا قال: ﴿ حَلِيمًا ﴾. فمن حلمه سبحانه وتعالى أنه يمسك السماوات والأرض أن تطبق على أهل الأرض، فإذا وقعت عليهم هلكوا. فمن حلمه أنه يمسك هذه السماوات والأرض أن تزولا، ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده. من ذا الذي يستطيع أن يمسكهما؟ كيف سيكون حال من فيهما؟ ولكن لحلمه ﴿ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ﴾. واقتران اسم الله الحليم بالغفور فيه إشارة إلى أن معاصي أهل الأرض، معاصي أهل الأرض، كفيلة بنزول العذاب عليهم، ولكن الله عز وجل يغفر، فهو حليم وغفور، يغفر الذنب الذي به ربما تنزل العقوبة. وقال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 51]. فاقتران اسمه العليم بالحليم، أي أن حلمه... أن حلمه -وسيأتي معنى الحلم- أنه لا يعجل على عباده بالعقوبة، ليس عن جهل بأحوال الخلق، بل هو يعلم ما هم عاملون، يعلم ما هم عاملون، وإنما لم يعجل لهم بالعقوبة لحلمه سبحانه وتعالى، لحلمه سبحانه وتعالى. قال: ومعناه، يعني ما معنى اسم الله الحليم؟ قال: ومعناه: الذي لا يعجل على عباده بعقوبتهم على ذنوبهم ومعاصيهم. يرى عباده وهم يكفرون به ويعصونه، وهو يحلم عليهم فيؤخر وينظر ويؤجل ولا يعجل، ويوالي النعم عليهم مع معاصيهم وكثرة ذنوبهم وزلاتهم، فيحلم عن مقابلة العاصين بحصيانهم، ويمهلهم كي يتوبوا، ولا يعاجلهم بالعقوبة كي ينيبوا ويرجعوا. فالله عز وجل يمهل عباده، يمهل عباده مع كثرة عصيانهم وذنوبهم، إلا أن الله عز وجل يحلم عليهم، ولا يقطع عنهم رزقه، ولا كذلك يمنعهم مما هو سبب لحياتهم من التنفس أو الهواء أو الماء أو الطعام، بل يوالي عليهم النعم وهم قائمون مستمرون في الذنوب والمعاصي، فهذا من حلمه سبحانه وتعالى. قال: وقد أخبر سبحانه عن حلمه بأهل المعاصي والذنوب وأنواع الظلم بأنه لو كان يؤاخذهم بذنوبهم أولا بأول لما أبقى على ظهر الأرض من دابة. لو كان الله عز وجل يقابل العباد بما عملوا لما أبقى على وجه هذه الأرض من دابة، ولكن لحلمه أنه لا يعجل عليهم العقوبة، كما قال سبحانه: ﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ [النحل: 61]. ومعنى ﴿ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾: يعني إلى وقت آخر غير هذا الوقت الذي هم فيه ظالمون وفيه عاصون، بل يؤخرهم إلى أجل مسمى. فالله عز وجل يمهل وينظر إلى عبده: هل سيستمر في المعاصي؟ هل سيستمر في الظلم؟ فإذا استمر جاءه الأجل، بمعنى وقت العقوبة. فالله عز وجل يمهل ولكن لا يهمل، لا يهمل. نعم، يمهل ولا يهمل، فيعطي العبد فرصة لعله يتوب، لعله يرجع، لعله يندم. فإذا استمر في ظلمه وطغيانه، فالله عز وجل يأخذه أخذ عزيز مقتدر، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ﴾ [هود: 102]. وهذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله ليملي للظالم». ما معنى «يملي للظالم»؟ يعني يمهل الظالم حتى إذا أخذه لم يفلته. حتى إذا أخذه، فهذا الظالم لا يغتر بظلمه، ولا يغتر بحلم الله عليه، فلعل الأجل يأتيه وهو مقيم على ظلمه، فيأخذه الله عز وجل أخذ عزيز مقتدر. قال: ﴿ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ [الأعراف: 34]. إذا حان وقت العقوبة لا يتأخر عنهم نزول هذا العذاب، ولا يستقدم عن وقته. فمتى ما أراد الله عز وجل عقوبة هذا الظالم نزلت فيه هذه العقوبة، لا تستأخر ولا تستقدم. وقال تعالى: ﴿ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ ﴾ [الكهف: 58]. يعني: بمجرد أن ظلموا وعصوا وأذنبوا لأخذهم بظلمهم وأهلكهم في الحال. ولكن، ولكن ماذا قال؟ ﴿ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلًا ﴾ [الكهف: 58]. يعني: إذا استمروا، لهم موعد، موعد نزول هذا العذاب وهذه العقوبة، فلن يجدوا من دونه موئلاً، بل سينزل عليهم لا محالة. قال: فمع ما يكون منهم من شرك به سبحانه، ووقوع في مساخطه، واجتهاد في مخالفته، ومحاربة دينه، ومعاداة لأوليائه، يحلم عليهم، ويسوق إليهم أنواع الطيبات، ويرزقهم، ويعافيهم. لأنه قد يتساءل البعض: هؤلاء الكفار، هؤلاء الظالمون، كم يظلمون المسلمين؟ وكم يفجرون ويفسقون ويعادون أهل الخير وأهل الصلاح، وهم مستمرون في ظلمهم؟ فيقال: إن الله يمهل ولا يهمل، سيأتيهم الأجل الذي كتب عليهم، وهذه عاقبة كل ظالم. الظالم لا يستمر على ظلم، يرى الناس فيه العجائب، يرى الناس فيه العجائب، ويرى الناس فيه العبر والعظات. إما أن يموت ميتة بشعة، وإما أن يعذب قبل موته، وإما أن يذل ويفتقر ويخزى قبل موته، ونحو ذلك. فإن الله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلت. قال: كما في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس أحد -أو ليس شيء- أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم ليجعلون له ولداً، وإنه ليعافيهم ويرزقهم». سبحانه، ما أعظم حلمه! هؤلاء الكفار، هؤلاء المشركون، يجعلون مع الله إلهاً آخر، وهذا فيه أذى لله، فهو الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤاً أحد، ومع هذا يدعون له ولداً، ويعبدون غيره، ومع هذا يعافيهم ويرزقهم. انظروا إلى حلم الله! أهل الكتاب، لما بين ربنا عز وجل ما هم عليه من شرك وعبادة غيره، ماذا قال؟ قال الله عز وجل: ﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [المائدة: 73]. ثم ماذا قال؟ دعاهم للتوبة: ﴿ أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [المائدة: 74]. والله غفور رحيم، والله غفور رحيم. انظر: يدعون له، يدعون له إلهاً آخر، ويقولون: إن الله ثالث ثلاثة، وليس هو إله واحد. ثم بعد ذلك يدعوهم الرب سبحانه وتعالى، الحليم الرحيم، إلى التوبة: ﴿ أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾. وهكذا كما سيأتي في قوله، ومن حلمه سبحانه بأصحاب الأخدود، قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا ﴾ [البروج: 10]. ما زال يدعوهم إلى ماذا؟ إلى التوبة. ماذا فعلوا؟ رموا الموحدين في أخدود، حفر مضرمة بالنار، وضعوهم فيها وعذبوهم، وكذلك فتنوهم عن دينهم واختبروهم. ومع هذا يدعوهم الرحيم الحليم إلى التوبة، إلى التوبة. ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا ﴾، يعني لو تابوا لتاب الله عليهم، وهذا فيه دعوة من الله عز وجل هؤلاء إلى التوبة، إلى التوبة. قال الحسن البصري رحمه الله: انظروا إلى هذا الكرم والجود، قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة. ما أعظم رحمة الله وحلم الله سبحانه وتعالى! وهكذا فرعون، هذا الطاغية وهذا الظالم الذي قال: ﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ ﴾ [النازعات: 24]، والذي قال: ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي ﴾ [القصص: 38]، يرسل إليه من يرسل إليه نبيه موسى عليه السلام، ويقول ربنا عز وجل لموسى وأخيه هارون عليهما السلام: ﴿ اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ ﴾ [طه: 43-44]. انظر: ﴿ لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ ﴾، يعني يرجع ويتذكر. وفي آية أخرى: ﴿ فَاذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ * فَقُولَا لَهُ فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ * وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ ﴾ [النازعات: 17-19]. دعاه إلى التوبة، ودعاه إلى الرجوع، حلم ورحمة من الرحيم الحكيم الحليم سبحانه وتعالى. يقول ابن القيم عليه رحمة الله، كما في كتابه "شفاء العليل": قال: وهو مع هذا الشتم له، يعني من الكفار والتكذيب، يرزق الشاتم المكذب، ويعافيه، ويدفع عنه، ويدعوه إلى جنته، ويقبل توبته إذا تاب إليه، ويبدل سيئاته حسنات، ويلطف به في جميع أحواله، ويؤهله لإرسال رسله، ويأمرهم بأن يلينوا له القول ويرفقوا به. يعني فرعون، وهذا كله من حلم الله عز وجل. كل ذلك من حلم الله سبحانه وتعالى. وهذا الاسم، اسم الله الحليم، اقترن بعدة أسماء أخرى. فاقترن بالعليم، وهذا كما تقدم، الحكمة من ذلك أن حلم الله عز وجل عن إحاطة بالعباد وأعمالهم. وهكذا قرن هذا الاسم بالغني، كما في قوله تعالى: ﴿ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 263]. والله غني حليم. لأن الحكم من ذلك أن حلمه عليهم سبحانه وتعالى عن غنى عنهم، ليس هو محتاجاً إليهم. البشر قد يحلم على غيره لأنه قد يحتاجه في يوم من الأيام، يسيء إليه وهو يحلم عليه لأنه قد يحتاجه في يوم من الأيام، لأن الإنسان ضعيف يحتاج إلى غيره. لكن الرب سبحانه وتعالى، ولله المثل الأعلى، لا يحتاج إلى خلقه، فحلمه ليس عن حاجة أو عن ضعف أو نحو ذلك، تعالى وتقدس سبحانه وتعالى عن ذلك. فقرن اسمه الحليم بالغني ليبين أن حلمه عن غنى عنهم، لا عن حاجة. وكذلك ذكر اسم الله الحليم مع الشكور، كما قال الله عز وجل: ﴿ إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ ﴾ [التغابن: 17]. والله شكور حليم. لأن من شكر الله على القليل... يعني من حلم الله عز وجل، من حلم الله سبحانه وتعالى، أنه يثيب على العمل القليل بالأجر الكثير، بالأجر الكثير، وهذا من حلمه سبحانه وتعالى. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا. والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر