الدرس في مختصر فقه الأسماء الحسنى 65، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع دلالة اسم الله "الستير" الوارد في السنة النبوية مبيناً أن الله يستر على عباده ولا يفضحهم ويحب منهم الستر، مع التنبيه إلى أن ستر الله لا يعني الإهمال بل يمهل ثم يأخذ. ويؤكد أن المبادرة بالتوبة سبب للستر والمغفرة، محذراً من التمادي في المعاصي ومبيناً الفرق بين "الستير" و"الستار".
يحرم على المسلم أن يجاهر بمعصية سترها الله عليه بل يتوب سراً، كما يحرم هتك أستار المسلمين وفضح عيوبهم للأحاديث الواردة في ذلك. الأصل وجوب الستر لكن يُستثنى ما تقتضيه المصلحة الشرعية كمنع الضرر أو ردع المتمادي في العصيان.
يؤكد المقطع أن الأصل في المعاملة هو ستر عيوب المسلم وعدم فضحه، لكن يستثنى من ذلك حالات وجود مصلحة راجحة أو ضرورة لإزالة المنكر. حيث يجوز حينئذ إبلاغ ولي الأمر لمنع الشر وهذا لا يعد فضيحة بل إنكاراً للمنكر، مختتماً بالدعاء بستر العيوب وغفران الذنوب.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهَد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: قال الشيخ عبد الرزاق العبد المحسن العباد في كتابه «مختصر فقه الأسماء الحسنى»: «اسم الله الستير». قال: ورد هذا الاسم في حديث يعلى بن أمية رضي الله عنه المتقدم، وهو قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن ربكم تبارك وتعالى حي كريم». وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل حي ستير يحب الحياء والستر، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر». فقوله: «حي ستير» بهذا اللفظ، فأثبت أهل السنة هذا الاسم لهذا الحديث. وأيضاً حديث آخر: قال: وروى ابن أبي حاتم في تفسيره، والبيهقي في السنن الكبرى، عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلين سألاه عن الاستئذان في الثلاث عورات التي أمر الله بها في القرآن، فقال ابن عباس: إن الله ستير يحب الستر، كان الناس ليس لهم ستور على أبوابهم ولا حجال في بيوتهم، فربما فاجأ الرجل خادمه أو ولده أو يتيمه في حجره وهو على أهله، فأمرهم الله أن يستأذنوا في تلك العورات التي سمى الله، ثم جاء الله بعد بالستور، فبسط الله عليهم الرزق، فاتخذوا الستور واتخذوا الحجال، فرأى الناس، فرأى الناس أن ذلك قد كفاهم من الاستئذان الذي أمروا به. صحح إسناده ابن كثير في تفسيره. وهذا الحديث أيضاً فيه إثبات اسم الله الستير من كلام ابن عباس: «إن الله ستير يحب الستر، يحب الستر». وقوله: «كان الناس ليس لهم ستور على أبوابهم» يعني: كانت البيوت مفتوحة، وليس هناك أمر بالحجاب، ولا هناك كذلك جدران مثل ما عندنا الآن، وإنما قد يكون هناك شيء من جريد النخل وجذوع النخل كذلك ونحو ذلك، فربما فاجأ الرجل خادمه أو ولده أو يتيم في حجره على أهله، يعني: وهو يعاشر أهله، فأمرهم الله أن يستأذنوا. وفيما جاء في سورة النور: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانهم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات ﴾ الآية. ولكن هذه الآية أيضاً على عمومها حتى بعد اتخاذ الستور والبيوت ونحو ذلك. فالآن مثلاً: الآن في بيوتنا هناك غرفة تكون هذا في الغالب خاصة بالأب مع زوجته، وعنده أولاد مثلاً، والغالب أن الزوج إذا أراد أن يعاشر زوجته أن يغلق هذا الباب، لكن أحياناً ربما ينسى ويغفل، فيعلم أولاده الاستئذان، هذا مهم جداً، يعلم أولاده الاستئذان خصوصاً في هذه المواضع الثلاثة، في هذه المواضع الثلاثة: من قبل صلاة الفجر، وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة، ومن بعد صلاة العشاء، لأن هذه الأوقات الغالب الذي يعاشر الرجل فيها زوجته، فهذا أمر مهم جداً، وليس معنى أن الآية قد مضى زمانها لا، وإنما كذلك يؤدب بها الأولاد ويعلمون ذلك. المهم: الشاهد من هذا الحديث قول ابن عباس: «إن الله ستير يحب الستر»، ففيه إثبات هذا الاسم لله عز وجل، مع حديث بيعلى المتقدم، مع حديث يعلى بن أمية المتقدم. هذا فيما يتعلق بإثبات هذا الاسم. قال: الستير، أي: الساتر الذي يستر على عباده كثيراً، ولا يفضحهم في المشاهد، الذي يحب من عباده الستر على أنفسهم، ما يفضحهم ويخزيهم ويشنيهم، وهذا فضل من الله ورحمة وحلم منه سبحانه وكرمه. والأمر كما قال حفظه الله: الله عز وجل يستر على عباده ويمهل، ولكنه لا يهمل، إذا استمر العبد في فجوره وطغيانه فربما فضحه في الدنيا قبل الآخرة، لكن العبد التائب، العبد المعترف المقصر بذنبه، فإن الله عز وجل يستره. ولولا ستر الله لافتضحنا، لافتضحنا، كم الإنسان يعمل من أعمال، لربما لو علمها أصحابه وإخوانه وجيرانه وأهل مسجده لنبذوه نبذاً بعيداً، ولما جالسوه، ولكن الله عز وجل يستره، فهو الستير سبحانه وتعالى. ولو فضح العبد على كل ذنب يقترفه لم يستطع أن يعاشره أحد، لم يستطع أن يعاشره أحد، ولكنه ستر الله سبحانه وتعالى. قال: فالعبد قد يقارف شيئاً من المعاصي والآثام مع فقره الشديد إلى ربه سبحانه، أحياناً يعمل عملاً شنيعاً فيلح بالدعاء أن الله لا يفضحه، فاستشعر يا عبد الله: لو فضحت في هذا الذنب كيف سيكون حالك؟ لربما فارقتك امرأتك، ولربما طردك أحب الناس إليك، ولكنه ستر الله سبحانه وتعالى. فالعبد قد يقارف شيئاً من المعاصي والآثام مع فقره الشديد إلى ربه سبحانه، والرب سبحانه مع كمال غناه عن الخلق كلهم وعن طاعتهم وعبادتهم يكرم عبده ويستره، ويستحي من هتكه وفضيحته وإحلال العقوبة به، وهذا معنى من معاني اسم الله الحيي الذي تقدم معنا قبل هذا الاسم، ولعل هذا هو السبب في الجمع بين هذين الاسمين: «إن الله حيي ستير». جمع النبي عليه الصلاة والسلام بين هذين الاسمين لأن الله عز وجل يستحي من أن يهتك ستر عبده فيفضح أمام الخلائق في هذه الدنيا، فيستره، يستره ربنا عز وجل. فلذلك قال هنا: فإن الله عز وجل مع كمال غناه عن الخلق كلهم وعن طاعتهم وعبادتهم يكرم عبده ويستره، ويستحي من هتكه وفضيحته وإحلال العقوبة به. قال: ويقيض له من أسباب الستر، ويوفقه للندم والتوبة، ويعفو عنه ويغفر له. سبحان الله! ارتكبت معصية عظيمة، فسترك ربك، فتوبت إليه، فغفر لك هذا الذنب، وصرت كمن لا ذنب لك، ما أرحمه من إله، وما أكرمه سبحانه وتعالى! وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، وهو الذي يستر عباده سبحانه وتعالى. فيقيض له من أسباب الستر فلا يراه أحد ولا يطلع عليه أحد. فتصور لو أنك وأنت ترتكب هذا الذنب فضحت بأن رآك بعض الناس وأنت على هذا الذنب، فضيحة! وكم من أناس فضحوا، والله أعلم، إن سبب فضيحتهم التمادي في المعاصي. فكما تقدم أن الله عز وجل يمهل، يمهل العبد يستدرجه، لعله يرجع، لعله يتوب، فإذا استمر في طغيانه وفي عصيانه، في عصيانه، فضحه الله، كما قال الله عز وجل. قال الله سبحانه وتعالى: وقبل ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته»، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿ وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا ﴾. إيش الآية؟ نعم. وقرأ قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد ﴾، ﴿ إن أخذه أليم شديد ﴾. فاحذر يا عبد الله أن تتمادى في معاصيك وهو يسترك، ألا تخشى أن يفضحك في الدنيا قبل الآخرة؟ فمن أسباب ستر الله على العبد أن يبادر بالتوبة والرجوع إلى الله، وأن لا يستمر في معاصيه وفي هتكه، أو هتكه لمحارم الله سبحانه وتعالى. قال: وهذا من لطفه سبحانه بخلقه ورحمته بعبيده. قال الله تعالى: ﴿ وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون ﴾. ومن باب الفائدة: أن بعض الناس إذا مثلاً أراد سترا ودعاء لله عز وجل فيقول: يا ستار. هذا ما ثبت، كما تقدم أن الأسماء الحسنى لا يثبتها أهل السنة إلا ما أثبته الكتاب أو السنة، واسم الستار ما جاء لا في الكتاب ولا في السنة، ولا في السنة، فلا تقول: يا ستار. إن أردت أن تثبت صفة الستر لله عز وجل فقل: يا ستير، كما جاء في الحديث. ويذكرون قصة طريفة تدل على تمسك العلامة الألباني بالسنة، ولو في أضيق المواقف، ولو في أضيق المواقف. قيل: أنه ذات مرة انقلبت به السيارة، وكان عند الحادث بعض الناس، فقال أحدهم في أثناء هذا الحادث وهو مع الشيخ: يا ستار، يا ستار. فقال الشيخ الألباني: لا تقول يا ستار، قل يا ستير. وهو ينقلب بالسيارة يقول له: قل يا ستير، لا تقول يا ستار، يعلمه وهو في هذا الموقف العصيب، وما كان يضر الشيخ لو أنه يعني انشغل بما هو فيه، ثم إذا يعني أسعف فعلم هذا الرجل فيما بعد، لكنه خشي أن يعني لا يعلم ذلك الرجل فيما بعد، فعلمه في هذا الموقف العصيب، فقال: لا تقول يا ستار، إنما قل يا ستير، لأن الستار لم يثبت في كتاب ولا في سنة. قال: ولهذا فإنه سبحانه يكره من عبده إذا وقع في معصية أن يذيعها ويشهرها، بل يدعوه إلى أن يتوب إلى الله منها بينه وبينه، وستر الله مسبول عليه، لا أن يظهرها لأحد من الناس. ومن أبغض الناس إليه من بات عاصياً والله يستره ثم يصبح يكشف ستر الله عليه. ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً يعني عملاً سيئاً، ثم يصبح وقد ستره الله، فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه». وهذا من الجهل، وكم من إنسان ندم على إفشاء ما ستره الله عليه، فيأتي الصباح ويقول: البارح فعلت كذا وكذا، وكنا مع تلك المرأة وذهبنا بها إلى ذاك المكان، وهكذا يفضح نفسه، ويعني يهتك ستره، ويخبر الناس بفجوره وفسقه، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فلا ينبغي من ستره الله فليستر نفسه ولا يذيع. فالنبي عليه الصلاة يقول: «كل أمة معافى إلا المجاهرين». كل أمة يكونون في عافية إذا وقعوا في ذنب فسترهم الله فتابوا ورجعوا إليه، إلا المجاهرين، من يجاهر بالمعصية، سواء كان يعملها أمام أنظار الناس، أو يعملها في الخلوة والستر ثم يذيعها ويفتخر بها ونحو ذلك. بعض الناس ربما له ماض سيء، يقول: كنا تلك الأيام نفعل كذا وكذا ونعصي بكذا وكذا، ويأتي ويهتك ستره. يا أخي: سترك الله، فلا تذكر هذه، وربما ذكر أسماء، وذكر كذلك مواضع ومواقع وبيوت ونحو ذلك. يا أخي: قد سترك الله، فاستر نفسك، وتب إلى ربك، ولا تجاهر بمعصية الله عز وجل. قال: ومن هذا المعنى: الستر على عباد الله، وتجنب هتك أستارهم وتتبع عوراتهم. ففي الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة». وهذا أيضاً: قد يفعل المسلم منكراً وجرماً فيطلع عليه أحد الناس، فما ينبغي لك أن تفضح هذا الرجل وأن تخبر الناس بفعله، لا سيما إذا كان الستر عوناً له في التوبة والندم والخوف والرجوع، فهذا يجب ستره. ولذلك ذكر الشيخ العثيمين عليه رحمة الله في شرحه لهذا الحديث في الأربعين النووية: أن بعض الناس قد لا يستحق الستر، وذلك إذا ستر ثم تمادى في عصيانه، ستر واستمر وتبجح ولم يكف، فهذا ربما فضيحته أنفع، وكذلك أردع له. أما الستر فيمن كان هذا الستر عوناً له على صلاح نفسه وترك ذنبه ونحو ذلك، فالأصل أن المسلم يستر أخاه المسلم، يستر أخاه المسلم، إذا لم يكن في يعني إظهار وفضحه مصلحة، فإنه يستر. فمثلاً على سبيل المثال: رأى شخصاً في ذنب، وهذا الذنب له تعلق بأحد الأبناء أو بأحد الجيران، فإذا سترهم ربما استمروا على ما هم عليه من الصحبة أو من الخلوة أو نحو ذلك، فلا بأس أن تخبر ولي هذا الولد أو ولي تلك المرأة، وليس هذا من الفضيحة، إنما هو من الإصلاح، ومن كذلك كف، وكذلك من تقليل، أو من كذلك إنهاء الشر، إنهاء الشر. فلا بد أن تفهم مثل هذه المسائل: أن الأصل للستر، لكن لو في مصلحة في عدم الستر فإنه لا يستر، كما تقدم: لو ستر لا تمادى في شره وطغيانه، أو لو ستر استمر في صحبة ذاك الولد أو تلك المرأة فصار بينهما الشر، فهنا لا يستر، وإنما يفضح بقدر المصلحة، فتكلم فقط ولي هذا الولد أو ولي تلك المرأة، فإذا قالك: لماذا ما تريد ولدي يصاحب فلان؟ قل له: الله رأيت كذا وكذا، من باب النصيحة، ويعني إنهاء الشر. وإن نصحت هذا الذي وقع في هذا الذنب وترك صحبة هذا الولد أو قطع العلاقة مع تلك المرأة، فهذا تستره، لأن المصلحة قد تحققت. وهكذا فينبغي أن يفهم هذا، لأن بعض الناس يفهم هذا الحديث على غير فهمه الصحيح، تجد واحد فعلاً يقول لك: العام ما أستره ولا أنهو القضية. طيب: ننهي القضية إذا كان هناك مصلحة في الستر، حتى إبلاغ ولي الأمر، لك أن تبلغ ولي الأمر إذا ما ينكف في الشر إلا بذلك، إلا بذلك، وهذا ليس من الفضيحة، وإنما هو من إنكار المنكر وإزالة هذا المنكر. فإذا الأصل هو ستر المسلم، هذا هو الأصل، لكن قد يخرج عن هذا الأصل بعض المسائل كما ذكرنا. قال: اللهم استر عيوبنا وعوراتنا، واغفر ذنوبنا وزلاتنا، واختم بالصالحات أعمالنا وأ