الدرس في مختصر فقه الأسماء الحسنى 68، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يوضح المقطع أن اسم الله "الوتر" يدل على تفرده سبحانه بالذات والصفات والأفعال، مستنداً إلى حديث التسعة والتسعين اسماً وآيات نفي المثل والكفؤ. ويبين أن الإيمان بهذا الاسم يستلزم إفراد الله بالعبادة ونفي كل صور الشرك، محذراً من التعلق بالقبور والأضرحة.
يبيّن المقطع أن اتخاذ الشفعاء من دون الله هو شرك صريح لا تنفع معه شفاعة، لأن الشفاعة مشروطة بإذن الله ورضاه. ويؤكد أن المؤمن الموحد يدعو الله مباشرة دون وساطة، مستدلاً بآيات قرآنية وأحاديث نبوية.
يختتم المتحدث بالدعاء بأن يُمنح العبد العاقبة الحميدة والسعادة في الدنيا والآخرة، سائلاً الله التوفيق لدخول جنات النعيم. ويختتم بالتأكيد على حسن الله وفضله.
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال الشيخ عبد الرزاق وعبد المحسن العباد حفظهم الله تعالى بكتابه مختصر فقه الأسماء الحسنى: اسم الله الوتر. قال: هو اسم ثابت في السنة، ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لله تسعة وتسعون اسما، مئة إلا واحدة، لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة، وهو وتر يحب الوترة». وهذا الحديث حديث صحيح، وفيه كما سمعت إثبات هذا الاسم لله عز وجل في قوله: «وهو وتر يحب الوترة». والوتر ضد الشفع، وهو بمعنى الواحد، وسيأتي تفسير ذلك. ولماذا ذكر في أول هذا الحديث أسماء الله الحسنى وأنها تسعة وتسعون اسما؟ لأن الله عز وجل يحب الوتر، فجعلها وترا؛ الأسماء التي جعل العباد يتعبدونه بها جعلها وترا، جعلها تسعة وتسعين، ما جعلها مئة، وما جعلها تسعين أو اثنين وتسعين، ما جعلها شفعا، جعلها وترا. ولذلك جاء في آخر الحديث: «وهو وتر يحب الوتر». ولذلك لو نظرت في بعض العبادات، بعض أهل العلم ذكر هذه اللفتة: أن كثيرا من العبادات شرعت بالوتر لأن الله عز وجل وتر يحب الوتر، فجعل الصلوات الخمس وترا، خمسا وترا، وجعل صلاة الليل وترا، ها جعلها وترا، وهكذا جعل الاستغفار بعد الصلاة وترا، وهكذا. على صحة حديث الإفطار: النبي عليه الصلاة والسلام كان يفطر بتمر وترا، وهكذا في الشرب كان من السنة أن تشرب ثلاثا، تشرب ثم تأخذ نفسا، ثم تشرب ثم تأخذ نفسا، ثم تشرب. وكم ذكروا من مثل هذه المعاني التي فيها معنى الوتر، والمقام لا يتسع لذكر كثير وأمثلة كثيرة لهذا المعنى. قال: والوتر هو الفرد الذي لا شريك له ولا نظير، فهو بمعنى الواحد الفرد. وهذا في معنى اسم الله الوتر، فمعنى اسم الله الوتر هو الفرد الذي لا شريك له ولا نظير، لا يشابهه شيء سبحانه وتعالى، فهو اسم دال على وحدانية الله سبحانه وتفرده، وتفرده بصفات الكمال ونعوت الجلال، وأنه ليس له شريك ولا مثيل، فهو واحد في ذاته، في أسمائه، في صفاته، في عبادته، فلا يُعبد إلا هو سبحانه وتعالى. قال: والنصوص الكثيرة في القرآن في نفي الند والمثل والكفو والسمي تدل على ذلك وتقرر. أوضح تقريب في قول الله عز وجل: ﴿ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ﴾ [مريم: 65]. وفي قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص: 4]. وفي قول الله عز وجل في كتابه الكريم، كذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ﴾ ونحو ذلك من الآيات التي تدل على هذا المعنى من نفي الند والمثل. ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الشورى: 11]. قال: والإيمان بأن الله وتر فيه نفي للشريك من كل جهة. فمن آمن بهذا الاسم، فمن مقتضيات الإيمان بهذا الاسم: ألا يعبد غير الله، ألا يدعو غير الله، ألا يذبح لغير الله. فهل يفهم عباد القبور هذا؟ إذا كانوا يؤمنون بأن الله هو وتر سبحانه وتعالى، فمن مقتضى الإيمان بهذا الاسم ألا تتعلق قلوبهم بغير الله، ألا تتعلق قلوبهم بالقبور والأضرحة، والخوف منها وتعظيمها، ونحو ذلك. لذلك قال هنا: والإيمان بأن الله وتر فيه نفي للشريك من كل وجه، من كل وجه: في الذات والصفات والأفعال، وإقرار بتفرده سبحانه بالعظمة، لا يعظم تعظيم عبادة إلا هو سبحانه وتعالى، والكمال والمجد والكبرياء والجلال. وكذلك فيه إقرار بتفرد الله بخلق الكائنات، هذا أيضا من معنى التوحيد ومن معنى الوتر: أن الله متفرد بخلق الكائنات. قال الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ﴾ [الحج: 73]. انظر إلى أحقر وأصغر هذه المخلوقات، ما يستطيع أحد غير الله أن يخلقه أو أن يوجده، فهو كذلك متفرد بالخلق. وكذلك فيه إقرار بتفرد الله بخلق الكائنات وإبداع البريات وإيجاد المخلوقات والتصرف فيها بما يشاء، فلا ند له ولا شبيه ولا نظير ولا مثيل. كل هذا من معاني معنى اسم الله الوتر. قال: وهذا الإقرار يعني في إفراد الله بالخلق موجب أن يفرد وحده بالذل والخضوع والحب والرجاء والتوكل والإنابة وسائر أنواع العباد. توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية، ومن توحيد الألوهية: الذل والخضوع والحب والرجاء والتوكل، فكل هذا يكون بالله سبحانه وتعالى ولله. قال أبو العباس القرطبي رحمه الله: والوتر يراد به التوحيد، لأن معنى الوتر كما تقدم هو الفرد الذي لا شريك له، فالوتر معناه التوحيد. ولذلك قال: والوتر يراد به التوحيد، فيكون المعنى: إن الله في ذاته وكماله وأفعاله واحد، في ذاته، في كماله، وأفعاله واحد، ويحب التوحيد. فمن مقتضى الإيمان بأن الله هو الوتر أن توحده، فهو يحب التوحيد ويحب ما كان وترا، كما مر معنا في الحديث وفي غيرها من الأحاديث. قال: ويحب التوحيد أي يوحد، ويعتقد انفراده دون خلقه، فيلتئم أول الحديث وآخره، وظاهره وباطنه. قال: فأول الحديث إخبار بوحدانية الله وتفرده بالجلال والكمال والخلق والتصرف والتدبير، وآخره ترغيب في التوحيد وحب عليه، ببيان حبه سبحانه لأهله القائمين به المحافظين عليه. قال: وقد بيّن الله في القرآن الكريم أن المتخذين شفعاء مشركون به، فوضد الوتر وضد التوحيد. فمن أشرك بالله فقد أشرك، فمن أشرك بالله فقد نفى عن الله عز وجل اسمه الوتر. قال: وأنهم لا يملكون لعابديهم شيئا من الخير والنفع. قال الله تعالى: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [يونس: 18]. فجعل فعلهم شركا وسماه شركا، مع أنهم قالوا: «هؤلاء شفعاؤنا عند الله». فليس من شرط المشرك أن يعتقد أن من يدعوه ينفع ويضر، لأنه شبهة يأتي بها بعض هؤلاء عباد القبور، يقولون: لماذا تقولون أننا مشركون؟ نحن نتوسل إليهم، نحن نطلب الشفاعة منهم، نحن يعني مذنبون مقصرون، وهؤلاء لهم جاه ولهم منزل عند الله، فهم يشفعون لنا ويتوسطون لنا عند ربنا سبحانه وتعالى، وما نعتقد فيهم النفع والضر. هذه نفسها شبهة المشركين القائلين: ﴿ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ ﴾. هؤلاء شفعاؤنا عند الله. هاي الفرق بين قولكم وقولهم؟ ما هو الفرق؟ لا فرق. وكما في الآية الأخرى: ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴾ [الزمر: 3]. فقط من أجل أن يقربونا إلى الله ويفتحوا لنا الأبواب إلى الله عز وجل. هذا معنى كلامهم، وهذا معنى كلام مشركي زماننا، فلا فرق بين قول المشركين المتقدمين وبين قول المشركين المتأخرين، والآية هذه تدل عليه، فسماه الله عز وجل شركا بقوله: ﴿ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾. قال: فمتخذ الشفيع مشرك، لا تنفعه شفاعة، ولا يشفع له، لأن الشفاعة لها شروط، فلا بد من الإذن، من إذن الله عز وجل للشافع بالشفاعة، ولا بد من الرضا عن المشفوع له، ومن شرط الشفاعة أن لا يكون صاحبها من أهل الشرك، وغير ذلك من الشروط التي ذكرها العلماء. فكيف بعد هذا يدعي هؤلاء أنهم لا يشركون بالله؟ بل وقعوا في عين الشرك. قال: فمتخذ الشفيع مشرك، لا تنفعه شفاعته، ولا يشفع له، لأن الله عز وجل يقول: ﴿ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ ﴾ [غافر: 18]. والمراد بالظلم هنا الشرك، مراد بالظلم في هذه الآية كما في تفاسير العلماء: الشرك، وهو بمعنى قول لقمان لابنه: ﴿ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: 13]. وفي هذه الآية قال: ﴿ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ ﴾، فنفى عنهم الشفاعة. فهؤلاء الذين يشركون بالله ثم يرجون شفاعة هؤلاء فيهم، لا ينالون الشفاعة، لأن الشفاعة لا ينالها مشرك. فمن شرط الشفاعة أن يكون صاحبها من أهل التوحيد، أن يكون صاحبها من أهل التوحيد. قال: أبو هريرة رضي الله تعالى عنه للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك؟» انظر إلى هذا السؤال. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أسعد الناس بشفاعته من قال لا إله إلا الله، لا يشرك بالله شيئا». انظر: هذا هو أسعد الناس بشفاعة النبي عليه الصلاة والسلام، من موحد الذي لا يشرك بالله. أما من اعتقد في الأموات أنهم يشفعون له، وأنهم يفتحون له الأبواب إلى الله، وأنهم أهل قرم ومنزل عند الله، فهم الذين يقربون الخلق إلى الله، هذا هو عين الشرك. فالله عز وجل هو القائل: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾ [البقرة: 186]. ماذا؟ هل تذاب إلى الولي الفلاني، إلى الصالح الفلاني؟ لا. ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾. وقال الله عز وجل: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ [غافر: 60]. ما قال ربنا: اذهبوا إلى الصالحين ليشفعوا لكم عندي، لا. وإنما قال: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾. وإذا كنت مضطرا، ماذا قال ربك؟ ﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ ﴾ [النمل: 62]. هل إله آخر مع الله يكشف عنكم هذه الكربة وهذه الشدة وهذا الإضطرار؟ لا، إنما الذي يكشفه هو الله سبحانه وتعالى. فصدق المؤلف رحمه الله: فمتخذ الشفيع مشرك، لا تنفع شفاعته، ولا يشفع له. ومتخذ الرب وحده إلهه ومعبوده ومحبوبه ومرجوه ومخوفه، الذي يتقرب إليه وحده، ويطلب رضاه، ويبتعد عن سخطه سبحانه، مؤمن موحد. هذا هو المؤمن الموحد الذي يتخذ الله عز وجل إلها، هو معبوده ومحبوبه، فلا يحب إلا الله، ولا يرجو إلا الله، ولا يصلي إلا لله، ولا يدعو إلا الله، ومخوفه الذي يتقرب إليه وحده، فلا يخاف إلا من الله وحده، ويطلب رضاه، ويبتعد عن سخطه، فكل ما فيه رضى الله تقرب إلى الله عز وجل به، وما فيه سخط الله ابتعد عنه وفر منه. قال: له العاقبة الحميدة والسعادة والفلاح في الدنيا والآخرة. وفقنا الله لتحقيق ذلك، وجعلنا بمنه وكرمه من أهل جنات النعيم. طيب، نكتفي بهذا، وإلهنا والله حسنا.