الدرس في مختصر فقه الأسماء الحسنى 70، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يتناول المقطع اسم الله "ذا الجلال والإكرام" الوارد في سورة الرحمن، ويثبت ثبوته بالكتاب والسنة. ويبين فضل الإلحاح في الدعاء به كما ورد في حديث ربيعة بن عامر، ويذكر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم به بعد الصلاة الوارد في صحيح مسلم.
يبيّن المقطع أن اسم "ذو الجلال والإكرام" من الأسماء المضافة التي تُنسب صفات الله القائمة به إليه، لا كإضافة المخلوق للخالق. ويذكر أن أهل السنة يعدّونه من الأسماء الحسنى استدلالاً بالدعاء به، موضحاً أن "الجلال" يقتضي التعظيم، و"الإكرام" يقتضي الحمد والمحبة لذاته سبحانه ولفضله وامتنانه.
يفسر شيخ الإسلام ابن تيمية اسم الله "ذا الجلال والإكرام" بأن الله مستحق للتعظيم والإجلال في ذاته، وللحب والحمد والثناء على أسمائه وصفاته وعطائه. ويؤكد أن العباد يعجزون عن إحصاء ثناء الله على نفسه، وأن الملك والحمد يندرجان تحت الإجلال والإكرام، مختتماً بالدعاء وإعلان الانتقال لقراءة سيرة النبي بعد عيد الأضحى.
أعلن المحاضر عن مواصلة القراءة في كتاب الصحيح المسند حتى الانتهاء منه، ثم التشاور في اختيار كتاب مناسب ليحل محله. وختم الجلسة بذلك الإعلان الختامي.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال الشيخ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد في كتابه "مختصر فقه الأسماء الحسنى": وهو الاسم الأخير الذي ذكره في رسالته هذه، اسم الله ذو الجلال والإكرام. قال: وقد ورد هذا الاسم في سورة الرحمن في قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾. إذن ثابت هذا الاسم بالكتاب، وكذلك بالسنة. قال: وقد جاء في السنة النبوية فضل الدعاء بهذا الاسم، وهذا من التوسل بأسماء الله الحسنى، أن تقدم بين يدي دعائك بعض الأسماء الحسنى. وقد ورد في السنة عن النبي عليه الصلاة والسلام في دعائه ذكر بعض هذه الأسماء، وأنها أدعى لقبول الدعاء، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾. ومن هذه الأسماء هذا الاسم. وقد جاء في السنة النبوية فضل الدعاء بهذا الاسم، ففي المسند، مسند الإمام أحمد، عن ربيعة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ألِحُّوا بيا ذا الجلال والإكرام». ألِحُّوا، وما معنى ألِحُّوا؟ قال: أي الزموه، يعني لا تغفلوا عنه ولا تتركوا الدعاء به، الزموه واثبتوا عليه، وأكثروا من قوله والتلفظ به في دعائكم. هذا معنى ألِحُّوا بيا ذا الجلال والإكرام. والحديث صححه العلامة الألباني كما في سلسلة الأحاديث الصحيحة. قال: وفي صحيح مسلم عن ثوبان رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثًا، وقال: «اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام». وهذه من الأدعية التي تقال بعد الصلاة، بعد السلام من الصلاة المكتوبة: تستغفر ثلاثًا، السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، تقول: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام. فكان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو بهذا الدعاء، أو بهذا الاسم من أسماء الله. قال: وهو من الأسماء المضافة، وإضافته من باب إضافة صفاته القائمة به إليه. فذو الجلال يعني صاحب الجلال، وهو الله، فالإضافة هنا إضافة صفاته القائمة به إليه سبحانه وتعالى، مثل ذو الرحمة، ومثل ذو القوة، ومثل ذو المغفرة، أي صاحب المغفرة. فهذه الإضافة من باب إضافة صفاته القائمة به إليه سبحانه وتعالى. بخلاف مثلًا قوله أو قول الله عز وجل: ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾، فالعرش هنا مخلوق لله، فهذا من باب إضافة المخلوق إلى خالقه تشريفًا، تشريفًا. نعم، فالإضافة هنا في هذا الاسم من باب إضافة صفاته القائمة به إليه سبحانه وتعالى. قال: وهو من الأسماء المضافة، وهي معدودة عند جماعة من أهل العلم في أسماء الله الحسنى، يعني أنها عدد محصور. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وكذلك أسماؤه المضافة، مثل أرحم الراحمين، مثل أرحم الراحمين، وخير الغافرين، ورب العالمين، ومالك يوم الدين، وأحسن الخالقين، وجامع الناس ليوم لا ريب فيه، ومقلب القلوب، وغير ذلك مما ثبت في الكتاب والسنة، وثبت الدعاء بها بإجماع المسلمين، لأن الدعاء إنما يكون بأسماء الله عز وجل، فلما ورد الدعاء بها أثبتها أهل السنة أسماء لله عز وجل، ولكنها من الأسماء المضافة، وهي هذه الأسماء التي ذكرها شيخ الإسلام، ولعل يوجد غيرها، وهي قليلة. قال: وفي اسم الله تعالى ذو الجلال والإكرام جمع بين نوعين من الوصف، فالجلال يتضمن التعظيم، والإكرام يتضمن الحمد والمحبة. فالله عز وجل صاحب الجلال، فمن آثار ومقتضى الإيمان بهذا الاسم أن يعظم، وهذا معنى قوله يتضمن التعظيم، فله الجلال المطلق سبحانه وتعالى، فيعظم، يعظم ويجل. وهكذا الإكرام يتضمن معنى الحمد والمحبة، لأن من عنده الإكرام فهو أهل للحمد والمحبة، فيحب سبحانه وتعالى لذاته ولفضله وامتنانه سبحانه وتعالى. كم أولاك من النعم، وكم أعطاك من المنن، الشيء الكثير، الشيء الكثير، فهو أهل للحمد والمحبة سبحانه وتعالى. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وإذا كان مستحقًا للإجلال والإكرام، لزم أن يكون متصفًا في نفسه بما يوجب ذلك، بما يوجب الإجلال والإكرام، وفسره بقوله: كما إذا قيل الإله هو المستحق لأن يؤله، أي يعبد، كان هو في نفسه مستحقًا لما يوجب ذلك، يعني يجل ويكرم. فذو الجلال فهو الذي يستحق أن يجل، يعني يعظم، وذو الإكرام فهو الذي يستحق أن يكرم، وذلك بالحمد، وذلك بالحمد والمحبة له سبحانه وتعالى. أنت تقول: الإله الذي يستحق العبودية فهو يؤله، أي يعبد، فكذلك ذو الجلال والإكرام، أي أنه سبحانه وتعالى يجل ويكرم، يجل ويكرم. قال: إلى أن قال: والعباد لا يحصون ثناء عليه، وهو كما أثنى على نفسه، كذلك هو أهل أن يجل وأن يكرم، وهو سبحانه يجل، يجل نفسه ويكرم نفسه، والعباد لا يحصون إجلاله وإكرامه، فمهما وصفه الواصفون وعظمه المعظمون، فلا يستطيعون إحصاء الثناء عليه سبحانه وتعالى. قال: والإجلال من جنس التعظيم، يعني بمعنى التعظيم، فذو الجلال أي ذو العظمة سبحانه وتعالى، والإكرام من جنس الحب والحمد، فهو يحب ويحمد لذاته سبحانه وتعالى، ولجميل أسمائه وصفاته، وكذلك منه وعطائه سبحانه وتعالى. قال: وهذا كقوله: له الملك وله الحمد، فله الإجلال والملك، الملك يتضمن الإجلال، وله الإكرام والحمد، فيحمد لإكرامه سبحانه وتعالى. قال: والحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه على ما يسر، ومن لا أحصي ثناء عليه، رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي، وأن أعمل صالحًا ترضاه، وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين. وصل الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. وبهذا نكون قد انتهينا من قراءة هذه الرسالة، فالحمد لله التي بنعمته تتم الصالحات. وإن شاء الله تعالى بعد عيد الأضحى المبارك، نسأل الله أن يبلغنا هذا العيد، بعد العيد إن شاء الله سيكون بدلاً من هذا الدرس قراءة في مختصر سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى. وأما الدرس الأول فسنقرأ في كتاب الصحيح المسند إلى أن ننتهي منه، ثم نتشاور في الكتاب المناسب الذي يحل محله إن شاء الله. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر