شرح مختصر سيرة الرسول  42

شرح مختصر سيرة الرسول 42

الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 42، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف وما لاقاه من الأذى

خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف طلباً للنصرة بعد اشتداد الأذى بمكة، فآذوه أهلها ورجموه بالحجارة حتى دميت قدماه. أنزل الله عليه ملك الجبال ليأمره بما يشاء، فاختار الصبر والدعاء لهم بالهداية.

دعوة النبي لأهل الطائف وردهم وعرض ملك الجبال

دعا النبي صلى الله عليه وسلم أهل الطائف فآذوه وردوا دعوته بسخرية، وروي دعاء الشكوى وهو حديث ضعيف غير ثابت. عرض ملك الجبال تطبيق الأخشبين على أهل مكة، فاختار النبي الصبر والرجاء في أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله وحده.

استماع الجن للقرآن بنخلة ودخول مكة في جوار المطعم

صلى النبي صلى الله عليه وسلم بنخلة في عودته فاستمع نفر من الجن لقراءته ونزلت فيهم آيات سورة الأحقاف. ثم دخل مكة مستجيراً بالمطعم بن عدي فآواه وسلح بنيه لحمايته حتى طاف بالبيت وصلى ركعتين ووصل بيته سالماً.

تأكيد جوار المطعم بن عدي للنبي في الصحيح

ثبت في صحيح البخاري أن المطعم بن عدي أجار النبي صلى الله عليه وسلم، مما يؤكد صحة أصل قصة الجوار. ويختتم المتحدث بالاكتفاء بهذا القدر من الحديث عن هذه المرحلة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الشيخ الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "مختصر سيرة الرسول" صلى الله عليه وسلم: رجعنا إلى سيرته صلى الله عليه وسلم لأنه قبل هذا استطرد في مسألة الآيات وطلب الآيات من المشركين، وفصل في هذا رحمه الله. قال: خروجه صلى الله عليه وسلم إلى الطائف. قال: ولما اشتد البلاء من قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موت عمه، خرج إلى الطائف، وهي بلد من حوالي مكة معروفة، رجاء أن يؤووه وينصروه على قومه ويمنعوه منهم، فهو خرج يبلغ رسالة الله ويبين لهم ما أنزل الله عز وجل عليه حتى يبلغ رسالة ربه. ودعاهم إلى الله عز وجل فلم ير من يؤوي، ولم ير ناصر، وآذوه أشد الأذى، ونالوا منه ما لم ينل منه قومه. وكان معه زيد بن حارثة مولاه، فأقام بينهم عشرة أيام لا يدع أحداً من أشرافهم إلا كلمه، فقالوا: اخرج من بلدنا، وأغروا به سفهاءهم، فوقفوا له سماطين، يعني صفين، سماطين يعني صفين، وجعلوا يرجمونه بالحجارة، وبكلمات من السفه هي أشد وقعاً من الحجارة، حتى دميت قدماه، وزيد بن حارثة يقيه بنفسه حتى أصابه شجاج في رأسه، فانصرف إلى مكة محزوناً. وهذه التفاصيل وهذه القصة وردت في بعض الأحاديث، منها ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة، لما قالت له: يا رسول الله، هل مر بك يوم كان أشد عليك من يوم أحد؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على عبد ياليل بن عبد كلال». وهذا قال العلماء: هو خروجه إلى الطائف، فإن بني كلال من تلك البلد، فعرضت نفسي على عبد كلال فلم يجيبوني إلى ما أردت، يعني لم يستجيبوا لي. قال: «فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب». هذا الحديث في البخاري ومسلم. «فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، قال: فنظرت فإذا جبريل أي فوقي، فقال: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وإن الله أرسل معي ملك الجبال لتأمره بأمرك وما شئت». فجاء ملك الجبال، وذكر نحو ما ذكر جبريل: «إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وإن الله بعثني إليك لتأمرني بأمرك وما شئت، وإن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين». فقال عليه الصلاة والسلام: «لا، بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئاً». وذكر أيضاً أهل السير نحو ذلك، وأن أهل الطائف ردوا دعوته، وجاء في بعض الروايات في الصحيح أيضاً أن بعضهم قال له: «أمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك»، يعني: سأذهب وأمزق ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك. وقال له أحدهم: «ما وجد الله أحداً يرسله إلا أنت»، من باب الاستهزاء والسخرية. هذا كله ورد في هذه القصة، قصة خروجه عليه الصلاة والسلام إلى الطائف، وكذلك أرمتهم الأطفال والسفهاء له بالحجارة، وهذا إن شاء الله ثابت. قال: وفي مرجعه ذلك دعا بالدعاء المشهور: «اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، غير أن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن يحل علي غضبك، أو ينزل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بالله». هذا الحديث أورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"، وعزاه إلى الطبراني من حديث عبد الله بن جعفر، وضعفه العلامة الألباني كما في "الضعيفة"، وحكم عليه بالإرسال، فالدعاء هذا غير ثابت، الدعاء هذا غير ثابت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ويذكر أهل السير كما ذكرنا سرداً للسيرة، والسيرة منها ما ثبت ومنها ما لم يثبت، وأكثرها مراسيل، فهذا الحديث ضعيف لا يثبت، ولكن أصل القصة ثابتة، وخروج النبي عليه الصلاة والسلام إلى أهل الطائف. قال: فأرسل ربه تبارك وتعالى إليه ملك الجبال يستأمره أن يطبق الأخشبين على أهل مكة، وهما جبلاها اللذان هي بينهما، كما تقدم في الحديث، حديث عائشة. قال له: «إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين». مراد بالأخشبين: الجبلين، مكة واقعة بين جبلين، بين جبلين كما هو معلوم، أطبق عليهما يعني: يكون الذي في ذاك الطرف ينطبق مع الذي في الطرف الآخر، فماذا سيحصل؟ ستنتهي هذه البلد، سيموت من فيها جميعاً، ستهدم أبنيتها ونحو ذلك، ولكن رحمة نبينا عليه الصلاة والسلام أنه أرجى من ربه أن ينصروه وأن يؤمنوا به، فصبر عليه الصلاة والسلام. قال: فقال: «بل أستأني بهم، لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده، يعبده ولا يشرك به شيئاً». والحديث قلنا في البخاري ومسلم. قال: فلما نزل بنخلة في مرجعه، منطقة أو موضع يقال له نخلة، قام يصلي من الليل ما شاء، فصرف الله إليه نفراً من الجن، فاستمعوا قراءته، ولم يشعر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن الله عز وجل قال: ﴿ إِنَّهُمْ يَرَوْنَكُمْ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ﴾ [الأعراف: 27]، وهم يرون الجن يروننا ولكن نحن لا نراهم، لا نراهم، فلم يشعر بهم نبي عليه الصلاة والسلام حتى نزل عليه: ﴿ وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ ﴾ [الأحقاف: 29] إلى قول: ﴿ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [الأحقاف: 30]. وهذه القصة، قصة استماع الجن للنبي عليه الصلاة والسلام، وردت في الصحيح، وذكرها شيخنا في "الصحيح المسند" من أسباب النزول. قال: وأقام بنخلة أياماً، فقال زيد بن حارثة رضي الله عنه - ونخلة هذه موضع قبل مكة، قبل الدخول إلى مكة -: كيف تدخل عليهم وقد أخرجوك؟ يعني: كيف تريد أن تدخل مكة وقد أخرجوك منها، يعني قريشاً؟ فقال: «يا زيد، إن الله جاعل لما ترى مخرجاً، وإن الله ناصر دينه، ومظهر نبيه». انظر إلى الثقة بالله سبحانه وتعالى، وحسن الظن به سبحانه وتعالى. قال: ثم انتهى إلى مكة، فأرسل رجلاً من خزاعة إلى المطعم بن عدي: «أدخل في جوارك»، أو: «أدخل في جوارك». فقال: نعم. يعني: النبي عليه الصلاة والسلام أرسل رجلاً إلى المطعم بن عدي، وهو من أهل مكة، يطلب النبي عليه الصلاة والسلام من مطعم أن يجيره، أي أن يكون في جواره، وهذا أمر كان معلوماً عند العرب، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ﴾ [التوبة: 6]. فيأتي الشخص الذي يخاف على نفسه أن يؤذى أو أن يقتل في هذه البلد، فيستعين ويستجير بأحد شرفاء هذه البلد أن يحميه وأن يؤويه، فلا يكلمه أحد ولا يتعرض له أحد. فالنبي عليه الصلاة والسلام أرسل إلى المطعم بن عدي كي يحميه، ويكون النبي عليه الصلاة والسلام في جواره، فرضي المطعم بن عدي فقال: نعم. فدعا المطعم بنيه وقومه، فقال: «البسوا السلاح، وكونوا عند أركان البيت، فإني قد أجرت محمداً، فلا يهجوه منكم أحد»، يعني: لا يؤذيه بالكلام أحد، الهجاء: أقبح الكلام. فانتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الركن فاستلمه، وصلى ركعتين، وانصرف إلى بيته، والمطعم بن عدي وولده محدقون به في السلاح، يعني: كالحراس عليه، محيطون به لأنه في جوارهم، حتى دخل بيته، فلم يستطع أحد أن يمسه بشيء. وهذا الجوار، جوار النبي صلى الله عليه وسلم في جوار المطعم بن عدي، ثابت في صحيح البخاري، فأصل القصة صحيح، أصل القصة صحيح أن المطعم بن عدي أجار النبي عليه الصلاة والسلام. طيب، نكتفي بهذا، ونترك ما بقي إن شاء الله، ونترك ما بقي إن شاء الله.