الصحيح المسند من أسباب النزول  23

الصحيح المسند من أسباب النزول 23

الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 23، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تحليل سند حديث الغلول في سبب نزول آية ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾

يشرح المقطع سبب نزول آية الغلول برواية ابن عباس عن جيش النبي صلى الله عليه وسلم الذي ردت رايته بسبب غلول رأس غزال من ذهب. ثم يفصل شيخ الوادعي علل الحديث وضعفه بسبب تدليس حبيب بن أبي ثابت وإرساله الحديث بالعنعنة رغم ثقته، مبيناً شروط الحديث الصحيح الخمسة وعدم استيفاء هذا السند لها.

مناقشة أسانيد رواية ابن عباس في آية الغلول وبيان ضعفها

يستعرض المقطع أسانيد رواية ابن عباس في سبب نزول آية الغلول، وينقد رجالها مبيناً ضعف محمد بن أحمد النرسي وجهالة عينه، وضعف خصيف واضطراب روايته. ثم يذكر طريقاً آخر عبر البزار بهارون القارئ عن عكرمة عن ابن عباس كطريق محتمل للتقوية.

فوائد حديث ابن عباس في مدافعة الله لنبيه والمؤمنين

يبيّن المقطع أن حديث ابن عباس في سبب نزول ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ يُعضَد بأثر آخر وإن لم يصرّح بالسبب. ويستخلص فوائد منها: مدافعة الله لنبيه وللمؤمنين عند اتهامهم بالباطل، ووجوب اقتداء طالب العلم بالنبي ﷺ في الأمانة والزهد والعمل بالعلم، وأن اتهام أهل الحق صفة من صفات المنافقين.

خاتمة الدرس والدعاء بالختم على خير

يختتم الشيخ الدرس بالإشارة إلى أولوية النبي صلى الله عليه وسلم في النوال، ويختم بالدعاء والتسليم لعلم الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الصحيح المسند من أسباب النزول": قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. قال الإمام الطبراني رحمه الله: حدثنا عبدان بن أحمد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن خالد الرقي، قال: حدثنا معاوية بن هشام، قال: حدثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عباس قال: بعث نبي الله صلى الله عليه وسلم جيشاً، فردت رايته، ثم بعثها، فردت بغلول رأس غزال من ذهب، فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾. قال الهيثمي في "المجمع"، والسيوطي في "لباب النقول": إن رجاله ثقات. وتعلمون أن ثقات الرواة لا يكفي في صحة الحديث، لأن ثقات الرواة إنما هو جزء من شروط قبول الحديث. فالحديث الصحيح له خمسة شروط، ما هي؟ أخذناها في دروس المصطلح. نعم: اتصال السند، والعدالة. طيب: اتصال السند، والعدالة، والضبط. نعم، وعدم الشذوذ، والعلة. فثقات الرواة هذا فيه العدالة، فيه العدالة والضبط، والضبط. لكن بقي اتصال السند، وبقي عدم الشذوذ والعلة. لذلك قال شيخنا: قال أبو عبد الرحمن: الأمر كما قال، يعني أن رجاله ثقات من حيث الرجال، ولكن حبيب بن أبي ثابت مدلس. الراوي عن من؟ عن ابن عباس. والمدلس هو الذي يأتي بصيغة موهمة ليست صريحة في التحديث، يأتي بصيغة موهمة مثل العنعنة والأنأنة، فيحتمل أنه سمع الحديث ممن روى عنه بالعنعنة، ويحتمل أنه ما سمع منه الحديث، إنما سمعه منه بواسطة. ولذلك يضعف حديث المدلس إذا عنعن، إذا عنعن. قال: ولكن حبيب بن أبي ثابت مدلس، ولم يصرح بالتحديث. وهو إن كان قد سمع من ابن عباس، وقد أثبت له علي بن المديني لقاء ابن عباس كما في "جامع التحصيل"، وأثبت له العجلي السماع من ابن عباس كما في "تهذيب التهذيب". يعني وسمع من ابن عباس، ولكن طالما أنه مدلس فلا يقبل حديثه لأنه رواه بالعنعنة. قال: لكنه مدلس، وقد روى عن ابن عباس بواسطتين، يعني روى عنه مباشرة، وروى عن ابن عباس بواسطتين، يعني عن طريق راويين آخرين. قال: وهو محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وأبوه، يعني عبد الله بن عباس، وليس عبد الله بن عباس يعني الصحابي، إنما هو آخر كما في "تحقيق الإلزامات والتتبع". فعلم بهذا أن الحديث ضعيف بهذا السند. الحديث الذي أورده الشيخ بهذا السند حديث ضعيف، ما علته؟ حبيب بن أبي ثابت، وإن كان ثقة إلا أنه مدلس، وقد روى هذا الحديث بالعنعنة، فيتوقف في حديثه، يتوقف في حديثه. وأما معنى الحديث من باب الفائدة: أن النبي عليه الصلاة والسلام بعث جيشاً ليقاتل في سبيل الله، فردت رايته، بمعنى لم يستمر في القتال، وإنما رجع. فالراية دليل على رجوع الجيش، والراية هو العلم الذي يرفع في الجيش ليدل على أمير هذا الجيش أو قادة هذا الجيش، حتى يجتمع حول هذه الراية المقاتلون، حتى يجتمع حول هذه الراية المقاتلون. هذا معنى قوله: فردت رايته. ثم بعث، يعني بعث الجيش مرة أخرى، فقاتل، لكن ردت هذه الراية بغلول رأس غزال من ذهب. والغلول هو ما يؤخذ في الأصل، ما يؤخذ من الغنيمة، من الغنيمة قبل أن تقسم، قبل أن تقسم. هذا هو الأصل، يعني مقاتل يأخذ خفية شيئاً من الغنيمة قبل أن تقسم بين المقاتلين، مقاتلين. فكأن أحداً من هذا الجيش غل رأس غزال من ذهب، بمعنى غل ذهباً يقدر هذا الذهب برأس الغزال، برأس الغزال، يعني في الحجم، في الحجم، أن حجم هذا الذهب كرأس الغزال. وهذا من باب تقدير حجم هذا الذهب أنه بهذا الحجم، أنه بهذا الحجم. ولكن الحديث كما سمعت لا يثبت. قال شيخنا رحمه الله: سبب آخر للآية لم يصح أيضاً. ولماذا يورده الشيخ؟ لأنه يستأنس بهذه الروايات كما سيأتي معنا من كلامه رحمه الله. قال الإمام الطبراني رحمه الله: حدثنا محمد بن أحمد بن يزيد النرسي البغدادي، قال: حدثنا أبو عمر حفص بن عمر المقري الدوري، قال: حدثنا أبو محمد اليزيدي، قال: حدثنا أبو عمر بن العلاء، عن مجاهد، عن ابن عباس أنه كان يقرأ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يُغْلَى﴾. قال: وكيف لا يكون له أن يُغلى، وله أن يقتل عندكم يقتل؟ قال: وله أن يقتل. قال الله: ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ﴾. ولكن المنافقين اتهموا النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾. الحديث أخرجه الطبراني في "الصغير"، والواحدي في "أسباب النزول"، والخطيب في "تاريخ بغداد". قال: الحديث رجاله ثقات إلا شيخ الطبراني، فلم أجد له ترجمة إلا في "تاريخ بغداد". قال الخطيب: روى عنه أبو القاسم الطبراني، ثم لم يذكر الخطيب فيه جرحاً ولا تعديلاً. وهذا يدل على ضعف محمد بن أحمد بن يزيد النرسي البغدادي، لأنه على هذا يكون مجهول العين. لماذا؟ لأنه لم يرو عنه إلا راوٍ واحد، وهو الخطيب، وهو الطبراني. وهذا يسمى عند أهل المصطلح: مجهول العين، لأنه لم يرو عنه إلا راوٍ واحد. مع ذكر الخطيب البغدادي له، إلا أنه لم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، فهذا يدل على جهالته. قال: وقد أخرج أبو داود والترمذي نحوه، ولكنه من طريق خصيف بن عبد الرحمن. قال الحافظ في تخريج "الكشاف": أعله ابن عدي بخصيف. قال أبو عبد الرحمن: من هو أبو عبد الرحمن؟ أبو عبد الرحمن الشيخ مقبل عليه رحمة الله، وهذا من تواضعه، كثيراً ما يقول: قال أبو عبد الرحمن، ولم يقل: قلت، إلا نادراً. قال أبو عبد الرحمن: خصيف ضعفه الأكثرون، إذن هو ضعيف. وقد اضطرب في هذا الحديث، فتارة يرسله، وتارة يوصله، وتارة يقول عن مقسم، وتارة يقول عن عكرمة أو غيره. وما هو الحديث المضطرب؟ نستفيد من هذه المباحث الحديثية مراجعة لما أخذ في ذلك المصطلح. فما هو الحديث المضطرب؟ ماذا قال صاحب "البقولية"؟ من يذكر؟ «وذي اختلاف، وذي اختلاف سند أو متن، عند أهل مضطرب، عند أهل الفن». إذا هناك اختلاف من الراوي، تارة يرسله، بمعنى يحدث الصحابي، يحدث ماذا؟ الصحابي، لأن الحديث المرسل ما أضافه التابعي إلى النبي عليه الصلاة والسلام دون ذكر الواسطة. وتارة يذكر الصحابي، وتارة يذكر الصحابي، وهذا فيه اضطراب، لأن المخرج واحد. وتارة يقول عن مقسم، وتارة يقول عن عكرمة، يعني يقول عن مقسم عن ابن عباس، عن نعم، عن ابن عباس، وتارة يقول عن مقسم عن ابن عباس. فإذا هذا فيه شيء من الاضطراب، فالحديث ضعيف بضعف خصيف. يعني حديث الترمذي، حديث الترمذي ضعيف لهذين السببين: أولاً ضعف خصيف، والثاني كذلك اضطرابه، اضطرابه في هذا الحديث. قال شيخنا رحمه الله: ثم وجدت له طريقاً صالحاً للحجية، يعني وجدت لحديث ابن عباس هذا طريقاً آخر ربما يستأنس به في تقويته، أو في إثبات هذا السبب للآية. قال: ثم وجدت له طريقاً صالحاً للحجية. قال الإمام البزار رحمه الله كما في "كشف الأستار": حدثنا محمد بن عبد الرحيم، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، قال: حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، قال: حدثنا هارون القارئ، قال: عن الزبير بن الخريت، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾. قال: ما كان لنبي أن يتهمه أصحابه. انتهى هذا عن ابن عباس. قال شيخنا: هارون، هارون هذا القارئ هو ابن موسى الأسدي العتكي مولاهم، أبو عبد الله، ويقال أبو إسحاق النحوي البصري الأعور، صاحب القراءات. وثقه ابن معين وغيره كما في "تهذيب التهذيب". وبقية السند كلهم ثقات. فهذا السند أصح ما ورد في هذه الآية. ولكن لو تلاحظ أن هذا الأثر ليس فيه سبب نزول، صح، ما فيه أن سبب نزول ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾، وإنما فيه كالتفسير، كالتفسير بهذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾. ولذلك قال شيخنا: وهذا الأثر، هذا الأثر وإن لم يكن فيه سبب نزول، فإنه يؤيد ما تقدم من سبب النزول عن ابن عباس، والله أعلم. يؤيد بمعنى قريب معنى من معنى حديث ابن عباس. فقوله: ولكن المنافقين اتهموا النبي صلى الله عليه وسلم، بمعنى قول ابن عباس: ما كان لنبي أن يتهمه أصحابه. وإنما الذي يتهم النبي عليه الصلاة والسلام هم الكفار والمنافقون. هذا هو المعنى. فلذلك استأنس الشيخ بهذا الأثر في صحة ما ثبت من سبب نزول هذه الآية. وهذا من فقه العلماء، أن الحديث الذي فيه ضعف يسير لربما يرتقى إلى درجة القبول إن وجد له ما يعضده، وإن لم يكن فيه تصريح بسبب نزول كهذا الحديث، أو هذا الأثر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وجملة هذه الأحاديث فيها فوائد عدة، فمن فوائد هذا الحديث: أن الله عز وجل يدافع عن النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، فما أن يتهمه عليه الصلاة والسلام أحد من المنافقين إلا ودافع الله عز وجل عن نبيه. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. فهذه المدافعة نصر من الله عز وجل لأوليائه. ففي حديث ابن عباس: إن المنافقين اتهموا النبي عليه الصلاة والسلام، فأنزل ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾، مدافع عن النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا يدافع الله عن الذين آمنوا. دافع الله عز وجل عن أم المؤمنين عائشة لما اتهمها أهل الإفك بما هي منه براء، فأنزل الله آيات في سورة النور يدافع فيها عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها. فيجب على المؤمن أن يستأنس بمثل هذه الأحاديث، وأن يعلم أنه مهما رمي بالباطل من قبل أعداء هذا الدين، ومهما اتهم كذلك بما ليس فيه، فإن الله عز وجل سينصره، ويدافع عنه، ويبين كذب أهل الكذب والافتراء. والله عز وجل يدافع عن الذين آمنوا. وهكذا من فوائد هذا الحديث: ما كان عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من العمل بالعلم، وهكذا البعد عن كل ما يخالف دين الله سبحانه وتعالى. فهو عليه الصلاة والسلام القدوة لهذه الأمة في الإقبال على الآخرة وترك الدنيا، وفي البعد عن كل ما يغضب الله سبحانه وتعالى. وهكذا ينبغي أن يكون أتباعه، يقتدون به ويأخذون بهديه وخلقه عليه الصلاة والسلام. فلا ينبغي لطالب علم أن يكون جشعاً خلف هذه الدنيا، لا يبالي من أين أخذ المال، أمن حلال، أمن حرام. بل يجب عليه أن يكون قدوة، فالناس ينظرون إلى الأفعال أكثر من تأثرهم بالأقوال. فإذا رأوا من الداعي إلى الله عز وجل التطبيق والعمل بالعلم والقدوة الحسنة، تأثروا بهذه الأعمال. إذا رأوا فيه الأمانة، إذا رأوا فيه الصدق، إذا رأوا فيه الزهد في الدنيا، إذا رأوا فيه الإقبال على الآخرة، كانت هذه دعوة، وإن لم ينطق بلسانه. فالناس يتأثرون بالأعمال أكثر من تأثرهم بالأقوال. إيش الفائدة أن يهز أحدهم المنبر: اتقوا الله، وكذا وكذا، وهذا حلال، وهذا حرام، وإذا به يخاصم هذا، ويأخذ مال هذا، ويكذب على هذا؟ فهذا، فهذا يشوه جمال الدعوة، وجمال أهل، وكذلك يشوه نظافة هذه الدعوة، فيكون سبباً في نفور الناس منها. فيكون طالب العلم هو القدوة. وفي هذا الحديث أيضاً صفة من صفات أهل النفاق، وهي اتهام أهل الحق بالكذب والزور والبهتان. فهؤلاء المنافقون قد اتهموا خير البرية عليه الصلاة والسلام، فكيف بمن هو دونه؟ كيف بمن هو دونه؟ لا شك أنه من باب أولى أن ينالوا منه، عليه الصلاة والسلام. طيب، نكتفي بهذا، وإلهنا، والله تعالى عالمنا في درس اليوم، الشيخ، بسم الله.