الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 85، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع قول أبي بكر لعمر «استمسك بغرزه» أي التزم بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، ويبين أن اعتراض عمر لم يكن شكًّا بل اجتهادًا وطلبًا للحق، وقد اعتذر العلماء عنه وعدّوه معذورًا بل مأجورًا، وعمل عمر بعده أعمالًا صالحة تكفيرًا عن توقفه الأول.
يوضح المقطع أن اجتهاد عمر رضي الله عنه مأجور حتى لو أخطأ مستدلاً بحديث الحاكم، ويربط بين التوبة والإكثار من الأعمال الصالحة لقوله تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ}. كما يستعرض أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة بالنحر والحلق في الحديبية وتوقفهم الأول لاحتمال الندبية.
تأخر الصحابة عن الامتثال لأمر النبي بالحلق والذبح لرجاء نزول الوحي بإبطال الصلح، فاستشار النبي أم سلمة فأشارت عليه بالبدء بنفسه دون كلام، فامتثل الصحابة فوراً، وفي ذلك دليل على فضل المشورة وجواز استشارة المرأة ذات الرأي السديد.
أشار المتحدث إلى فضل أم سلمة ووفور عقلها، ثم أنهى الجلسة موضحاً أن بقية الحديث ستُكمل في الدرس القادم.
الحمد لله، وصلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وبعد: وصلنا عند قوله رضي الله عنه: فقال أبو بكر لعمر: "أيها الرجل، إنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس يعصي ربه، وهو ناصره، فاستمسك بغرزه". الغرز المراد به هنا: التمسك بأمر رسول الله عليه الصلاة والسلام، وترك المخالف له، فيما حوذ من مسك، أو بالمسك بركاب الفرس؛ فالفارس لا يفارقه، لا يفارق ركاب فرسه. وهكذا معنى قول أبي بكر لعمر: "استمسك بغرزه"، يعني بأمره، وترك المخالف له. قال: "فوالله إنه على الحق". إنما قاله حق، وما كتبه في هذا الصلح حق، من حيث المصلحة المرجوة من وراء ذلك الصلح. قلت: أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى. فأخبرك أنك تأتيه العام. نفس جواب النبي عليه الصلاة والسلام. قلت: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به. فعل عمر هذا كما ذكر العلماء: مراجعة النبي عليه الصلاة والسلام وأبي بكر، إنما هو من أجل البحث عن الحق والعلم ونحو ذلك، فلم يكن ذلك الفعل من عمر شكًّا منه، وإنما طلبًا لكشف ما خفي عليه، وحتى على إذلال الكفار؛ لما عرف من قوته في نصرة الدين، أراد أن ينصر دين الله عز وجل، فرأى في الظاهر أن هذا ما فيه نصرة للدين أو نحو ذلك، فهو يريد أن يكشف ما خفي عليه، ما هو السبب في ذلك. هكذا اعتذر العلماء لما صدر من عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه. قال عمر: "فعملت". قال الزهري: قال عمر: "فعملت لذلك أعمالًا". وقوله: "فعملت لذلك أعمالًا"، أي: أعمالًا صالحة. عمل عمر لما صدر منه أعمالًا صالحة ليكفر عنه ما مضى من التوقف في الامتثال ابتداءً. وجاءت رواية عند ابن إسحاق: أن النبي صلى الله عليه وسلم... أن عمر رضي الله تعالى عنه قال: "ما زلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الذي تكلمت". مع أن العلماء قالوا: إن جميع ما صدر من عمر رضي الله تعالى عنه كان معذورًا فيه، كان معذورًا فيه. بل قالوا: بل هو مأجور، بل هو مأجور. لماذا؟ لأنه مجتهد فيه، هو عالم من علماء الصحابة، اجتهد في هذا القول، ومراده وقصده الحق، لا الهوى، ولا كذلك الاعتراض، وإنما البحث عن الحق، البحث عن الحق. فهو مجتهد، ولكن شعر بشيء رضي الله تعالى عنه من التقصير أو الذنب أو نحو ذلك. وفي الحقيقة ليس عليه شيء؛ لأنه صدر منه ذلك عن اجتهاد. وقال النبي عليه صلى الله عليه وسلم: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا أخطأ فله أجر واحد". فله أجر واحد. فلا يطعن في عمر رضي الله تعالى عنه كما يفعل الرافضة بمثل هذا، بل فعل ذلك عن اجتهاد، رضي الله تعالى عنه وأرضاه. ثم قال: "فلما...". فيه أيضًا أن المسلم إذا أذنب الذنب، فإن من قبول توبته أن يكثر من الأعمال الصالحة، أن يكثر من الأعمال الصالحة. ولذلك جاء في قول الله عز وجل: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾. هذا في قصة رجل مر معنا سبب نزوله في ذاك الرجل الذي قبل امرأة لا تحل له، فجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام نادمًا تائبًا، فسكت النبي عليه الصلاة والسلام، ثم قال له: "وصليت معنا؟" قال: نعم. قال: "فإن الله عز وجل يقول: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾". لذلك جاءت بعض الروايات في صلاة الكسوف: أن النبي عليه الصلاة والسلام حث على الصدقة، حث على الصدقة؛ لأن هذه الآية إنما هي تخويف من الله بسبب ذنوب العباد، فناسب أن يتقرب العباد إلى ربهم. فمن ذلك: الهرع إلى الصلاة، وكثرة الاستغفار، والصدقة، ونحو ذلك من الأعمال الصالحة. فهكذا المؤمن إذا عصى ربه وأراد التوبة والإقلاع عن هذا الذنب، يكثر من الأعمال الصالحة؛ فإن الحسنات يذهبن السيئات. وهذا من فقه عمر رضي الله عنه إذ قال: "فعملت لذلك أعمالًا". قال: "فلما فرغ من قضية الكتاب"، انتهى من كتابة هذا الكتاب وما فيه من شروط. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "قوموا فانحروا، ثم احلقوا". فلقد انتهى الأمر. وهذا ما يسمى ببيئة الإحصار الآن: أحصروا عن دخول البيت، ما استطاعوا، وهم قد أحرموا، قد أحرموا بالعمرة، فمنعوا، فعليهم هنا ذبح هديهم والتحلل بحلق رؤوسهم. فأمرهم النبي عليه الصلاة والسلام أن ينحروا هديهم ويحلقوا شعرهم. قال: "فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات". وذكر العلماء أن توقف الصحابة من الحلق والذبح لاحتمال أن يكون الأمر بذلك للندب، ليس للوجوب، وإنما هو للندب. أو بعض العلماء قال: لرجاء نزول الوحي بإبطال الصلح؛ لأنهم وجدوا في نفوسهم غضاضة وشدة من هذه البنود، فتأخروا، لعله ينزل الوحي بإبطال هذا الصلح، وبدخول مكة للاعتمار. وكان هذا سبب تأخرهم. هذا كان سبب تأخرهم. هكذا اعتذر بعض العلماء للصحابة، وإلا فهم سباقون لامتثال أمر الرسول عليه الصلاة والسلام، ولكن في هذا الموضع وجدوا في نفوسهم كما هو معلوم، وتأخروا لأجل هذه الاحتمالات، والله تعالى أعلم. قال: فقالت أم سلمة: "يا نبي الله، أتحب ذلك؟" يعني: قال: "فلما لم يقم منهم أحد، دخل على أم سلمة". كانت معه في سفرته هذه. النبي صلى الله عليه وسلم إذا غزا غزوة، يخرج معه أحد زوجاته، ويقرع بينهم، فكان في هذه الغزوة معه أم سلمة رضي الله تعالى عنها. فدخل عليها، فذكر لها ما لقي من الناس، أنه أمرهم بالحلق والذبح فلم يستجيبوا له. فقالت أم سلمة: "يا نبي الله، أتحب ذلك؟" يعني: تحب أن الناس يحلقون ويذبحون؟ "أخرج، ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك". بدنك: جمع بدنة. وقد كان مع النبي صلى الله عليه وسلم، كما ذكر بعض أهل السير، أكثر من ستين بدنة. "وتدعو حالقك فيحلقك". تحلقك أنت، تخرج أمام الناس، أمام الصحابة، تحلق وتذبح. قال: "فخرج، فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك، نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه". فلما رأوا... فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًّا. يعني: كانوا في غم وهم؛ لأنهم مشتاقون إلى بيت الله الحرام، وقد أخرجوا منه، وفرحون بذلك، فيرد عنهم، وجدوا في نفوسهم، واغتموا واهتموا لأجل ذلك. وفي هذا الجزء من هذا الحديث: فضل المشورة. النبي عليه الصلاة والسلام شاور هذه المرأة العاقلة العالمة، فأشارت إليه برشد، وأشارت إليه بأمر أدى الغرض الذي أراده النبي عليه الصلاة والسلام، وهو تحلل الصحابة. فهذا فيه فضل المشورة. المشورة. وهذا تطبيق عملي من النبي عليه الصلاة والسلام بقول الله عز وجل: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾. واستدل العلماء أيضًا بهذا الحديث على جواز... جواز مشاورة المرأة الفاضلة إذا كانت ذات عقل ورأي سديد؛ فإنها تشاور، ولا يقول كما يقول بعض العوام: "هذه المرأة لا تشاور". لا، قد تشاور إذا كانت ذات عقل وعلم وفهم في أمر ما، فلا بأس. فهذا النبي عليه الصلاة والسلام شاور أم سلمة رضي الله تعالى عنها وأرضاها. وفي هذا أيضًا فضل أم سلمة ووفور عقلها، رضي الله تعالى عنها وأرضاها. طيب، نكتفي بهذا، ونكمل بقية الحديث إن شاء الله في الدرس القادم. إلى هنا، والله تعالى أعلم.