الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 116، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يُعرض قصة قارون الذي آتاه الله كنوزاً عظيمة فبغى وطغى على قومه، ونُقلت نصيحة قومه له بعدم الفرح المذموم بالدنيا الذي يلهي عن الآخرة. ويُؤكد أن الفقر قد يكون خيراً لمن يفسد غناه دينه.
يُبين الفرق بين الفرح المذموم بالدنيا والفرح المحمود بالمال الذي يُستعان به على طاعة الله، مستشهداً بالحديث والآيات التي تحث على ابتغاء الدار الآخرة مع عدم نسيان النصيب المشروع. ويُؤكد الالتزام بالوسطية في الإنفاق بعيداً عن الإسراف والتقتير.
نصح قوم قارون قارون بأن يحسن إلى عباد الله كما أحسن الله إليه وألا يبغي الفساد، فرفض نصيحتهم زاعماً أن ماله حصله بعلمه وكسبه. وأوضح أن العطاء ليس دليل محبة الله وأن الأمم السابقة أهلكها الله لكفرها بالنعم.
تصف الآية خروج قارون على قومه في زينته مبيناً أنه لم يستفد من النصح والوعظ الذي قُدم له. ويختتم المقطع بالتأكيد على انتهاء الحديث عند هذا الحد.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فكما هو معلوم من برنامجنا السابق أنه ثلاثة أيام الأولى من الأسبوع في كتاب التوحيد، ويوم الثلاثاء والأربعاء في القصص القرآني للعلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي، وقد وصلنا إلى نهاية هذا الكتاب. قال: قصة قارون. قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ * قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ﴾ [القصص: 76-78] إلى آخر ما ذكر ربنا عز وجل في تفاصيل قصة قارون. في هذه القصة قال المؤلف: يخبر تعالى عن حالة قارون وما فعل أو ما فعل وفعل به، ونصح ووعظ، فقال: ﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى ﴾ أي من بني إسرائيل الذين فضلوا على العالمين وفاقوهم في زمانهم، لأن الله عز وجل أنعم على بني إسرائيل بالكتاب وبالنبوة وبالأرزاق والنعم الكثيرة، ففضلوا على غيرهم من الأمم وفاقوهم في زمانهم، يعني فضلوا على من هم في زمانهم. أما أفضل الأمة فأمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على الإطلاق. قال: وامتن الله عليهم بما امتن به فكانت حالهم مناسبة للاستقامة، لأن العبد كلما أنعم الله عز وجل عليه بنعمه الدينية والدنيوية كان ذلك أجدر بأن يشكر الله عز وجل وأن يستقيم على دينه وشرعه، فما جزاء النعم إلا الشكر، إلا الشكر، فهذا معنى قولي: فكانت حالهم مناسبة للاستقامة. ولكن قارون هذا بغى على قومه وطغى بما أوتيه من الأموال العظيمة المطغية، فهو ممن أوتي أموالاً كثيرة، أموالاً كثيرة وكنوزاً عظيمة، فبدلاً من أن يشكر الله عز وجل لما أسداه من هذه النعم تكبر وتجبر وطغى على قومه، على قومه. ووصف الله عز وجل ما أوتيه قارون من الأموال العظيمة والكثيرة فقال: ﴿ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ ﴾ أي كنوز الأموال شيئاً كثيراً، ثم وصف كثرة هذا المال بقوله: ﴿ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ ﴾. معنى «لتنوء» أي لتثقل، تكون ثقيلة، يعني تثقل الجماعة القوية عن حملها. والعصبة هم الجماعة من الرجال، قيل: من العشر إلى التسعة إلى السبعة، إلى السبعة. ومعنى الآية: أي حتى أن مفاتح أو مفاتيح خزائن أمواله لتثقل الجماعة القوية عن حملها هذه المفاتيح، فما ظنك بالخزائن؟ انظر: إذا كان المفتاح حق الخزائن الجماعة من الرجال، وليس أي رجال بل الرجال الأقوياء. الآن لو معك شيء ثقيل تقول: هلموا لي رجال أقوياء، ما أريد رجال ضعفاء، صح؟ حتى يستطيعوا حمل هذا الشيء الثقيل. فالله عز وجل قال في مفاتيح قارون: الجماعة من الرجال الأقوياء، لربما تثقل عليهم هذه المفاتيح، تثقل عليهم هذه المفاتيح، هذا المفاتيح وهي أشياء صغيرة مقارنة مع كبريات الخزائن، مع كبريات الخزائن، فهذا يدلك على ماذا؟ هذا الوصف القرآني يدلك على ماذا؟ يدلك على عظم هذا المال الذي أوتي قارون، وأنه مال كثير عظيم. ثم قال: ﴿ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ ﴾ أي ناصحين له محذرين له عن الطغيان، فوجد في زمنه من العلماء، لأنه قلنا: النبوة والعلم كان موجوداً في بني إسرائيل لما بعث الله عز وجل عليهم من الأنبياء والرسل، كما ذكرهم موسى بذلك، كما ذكرهم موسى بذلك، فقال له الناصحون محذرين له من هذا الطغيان وهذا التكبر وهذا التنكر لنعمة الله عز وجل: ﴿ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ﴾. والمراد بالفرح هنا الفرح المذموم، أي لا تفرح بهذه الدنيا العظيمة وتفتخر بها وتلهيك عن الآخرة. فهذه الدنيا إنما يفرح بها المسلم لما يكون من إنفاقه ومن طاعته لربه بهذا المال. أما إن آتاه المال فعص الله به، وكذلك التهى به عن عبادة الله عز وجل، فلا يفرح بمثل هذا المال، لا يفرح بمثل هذا المال. ولذلك بعض الناس الفقر خير لهم من الغنى، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ ﴾ [الشورى: 27]، وكما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ﴾ [التكاثر: 1-2]، يعني ألهاكم جمع المال، التكاثر يعني المكاثرة في المال وجمع المال والحرص على ذلك، ألهاكم عن ماذا؟ عن الطاعة والعبادة. وكما قال الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ [المنافقون: 9]. فمن ألهاه ماله عن طاعة الله وعن ذكر الله فلا يفرح بهذا المال، فوالله إن الفقر خير له من هذا الغنى ومن هذا المال، ومن هذا المال. لذلك الناصحون لقارون قالوا له: لا تفرح، لا تفرح بهذا المال وأنت مقيم على معصية الله وأنت في هذا الحال من الكبر والطغيان والتمرد على طاعة الرحمن سبحانه وتعالى. فقالوا له: لا تفرح، هذا من الفرح المذموم. أما الفرح المحمود أن يأتيك الله المال وتستعين به على عفاف نفسك وعلى عفاف أهلك وعلى طاعة ربك وعلى النشاط في العبادات والطاعات وفي الصدقات وفي العطايا والهدايا والتقرب إلى الله عز وجل، فنعم المال الصالح للرجل الصالح. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا حسد إلا في اثنتين»، وذكر منهما: «رجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه على هلكته في الحق»، يعني ينفق هذا المال فيما يحب الله فيما يرضي الله سبحانه وتعالى، فهذا نعم المال. هذا يقبض صاحبه عليه يوم ترى العبد قد أنعم الله عليه بالمال يستغله في طلب العلم، في شراء الكتب، في التفرغ لطلب العلم، في كذلك الإنفاق على أهله وعلى أولاده، وحتى لا يذل نفسه عند غيره بالسؤال والتسول ونحو ذلك، فهذا المال لشك أنه أكبر معين للعبد على طاعة الله سبحانه وتعالى. قالوا له: لا تفرح بهذه الدنيا العظيمة وتفتخر بها وتلهيك عن الآخرة، فإن الله لا يحب الفرحين بها، أي بهذه الدنيا المكبين على محبتها. فالدنيا هذا المؤمن يجعلها في يده لا في قلبه، لا يتعلق بها ولا يحب هذه الأموال إذا كانت تشغله وتلهيه عن طاعة الله سبحانه وتعالى. ثم قالوا له مذكرين وواعظين: ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ﴾، أي قد حصل عندك من وسائل الآخرة ما ليس عند غيرك من الأموال. وصدق المؤلف رحمه الله، فإن المال يكون أكبر عون للعبد على وسائل الآخرة. في حديث أبي هريرة في الصحيح، صحيح مسلم وغيره، لما جاء فقراء المهاجرين إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال له: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور، أهل الدثور يعني أهل الغنى، أهل الأموال، ذهب أهل الدثور بالأجور والدرجات العلا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وماذاك؟» قالوا: يا رسول الله، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل من أموال، يعني عندهم أموال كثيرة، يحجون ولا نحج، ويتصدقون ولا نتصدق، ويجاهدون ولا نجاهد، ويعتمرون ولا نعتمر. أنظر هذه الطاعات وهذه القربات لابد لها من أموال، لابد لها من أموال أن يكون صاحبها عنده ما يستطيع أن يصل به إلى هذه العبادات. فالحج لا يستطيعه اليوم إلا من عنده مال، اليوم يمكن يحتاج الحاج إلى عشرين ألفاً سعودي أو ثمانية عشر ألفاً سعودي، هذا لا يستطيعه إلا أرباب الأموال. فهنيئاً لمن له مال وهو يتابع بين الحج والعمرة، ما يمر شهران ثلاثة أشهر إلا وتسمعه أنه ذهب عمرة، عنده مال العمرة، إلى العمرة، كفار لما بينهما، تابعوا بين الحج والعمرة فإنهم ينفيان الفقر والذنوب، كما ينفي الكير خبث الحديد. ما الذي جعله يعني تتيسر له هذه العبادات؟ هذا المال، هذا المال. كذلك التصدق، يبني المساجد، يكفل الأيتام، يعين المساكين والمحتاجين والفقراء، ما شاء الله أعمال جليلة جاء في ديننا الحث عليها وبيان كثرة أجورها وفضلها. فإذن هذا يقوم بهذا المال، هذه الأموال التي تنفع أصحابها، هذه الأموال التي تنفع أصحابها، نعم. فهكذا قالوا له: ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ﴾، أي قد حصل عندك من وسائل الآخرة ما ليس عند غيرك من الأموال، فابتغِ بها ما عند الله، وتصدق، ولا تقتصر على مجرد نيل الشهوات وتحصيل اللذات. بعض الناس عنده مال، همه من هذا المال أن يشبع رغبات بطنه وفرجه، تجده منهمكاً في المعاصي، منهمكاً في الملذات، وربما توسع فيها، وربما جعل هذا المال من أجل قضاء شهواته فقط دون أن ينفق شيئاً من هذا المال في مرضات الله سبحانه وتعالى. فهم قالوا له: تصدق، ولا تقتصر على مجرد نيل الشهوات وتحصيل اللذات. وقالوا له في نصيحتهم: ﴿ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ﴾، أي لا نأمرك أن تتصدق بجميع مالك وتبقى ضائعاً، بل أنفق لآخرتك واستمتع بدنياك استمتاعاً لا يثلم دينك، يعني لا ينقص دينك ولا يضر بآخرتك. هذا هو العدل. لذلك قال الله عز وجل في كتابه الكريم، قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾ [الفرقان: 67]، يعني ليسوا بمسرفين في الإنفاق بحيث يخرجون جميع أموالهم، ولا هم من البخلاء الذين يمسكون المال ولا ينفقون منه شيئاً، بل يكون وسطاً، يكون وسطاً. وكما قال الله عز وجل في الآية الأخرى: ﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا ﴾ [الإسراء: 29]، ولا تبسطها كل البسط، فتقعد مذموماً، فتقعد ملوماً محسوراً، تلام من قبل أهلك، من قبل من تعول، وهكذا تتحسر على ما أنفقت من هذا المال، فربما يأتي وقت تحتاج شيئاً من هذا المال لا تجد ما تقضي به حوائجك. فهنا قالوا له: ولا تنسَ نصيبك من الدنيا، يعني خذ من هذا المال ما تستعين به على طاعة الله، ولا كذلك تخزن هذا المال كله ولا تنفق منه شيئاً. قال: ﴿ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ﴾، أي لا نأمرك أن تتصدق بجميع مالك وتبقى ضائعاً، بل أنفق لآخرتك واستمتع بدنياك استمتاعاً لا يثلم دينك ولا يضر بآخرتك، كن وسطاً وأحسن. هذا ما زالت النصائح من هؤلاء النُصحاء، هؤلاء الوعاظ له، فقالوا له: ﴿ وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ﴾، أي إلى عباد الله كما أحسن الله إليك بهذه الأموال، وهذا فيه أن من أحسن الله إليه فليحسن إلى عباد الله، وهذا من أسباب بقاء هذه النعم وزيادتها، من أسباب بقاء هذه النعم وزيادتها، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ﴾ [إبراهيم: 7]. فمن شكر النعمة أن تبذل هذه النعمة في مرضات الله، في مرضات الله سبحانه وتعالى، فكما أحسن الله إليك بهذا المال فأحسن إلى عباد الله، والجزاء من جنس العمل، فمن أحسن إلى عباد الله أحسن الله عز وجل إليه. قال: ﴿ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ﴾، أي بالتكبر والعمل بمعاصي الله والاشتغال بالنعم عن المنعم، وهذا هو من أعظم الفساد، من أعظم الفساد أن يؤتى العبد نِعماً فيتكبر على عباد الله ويعمل بمعاصي الله عز وجل ولا يشكر الله عز وجل في هذه النعمة، فهذا فساد عظيم، سماه الله عز وجل في كتابه فساداً، قال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾، بل يعاقبهم على ذلك أشد العقوبة، ومن تلك العقوبات أن تذهب هذه النعم على صاحبها، كما وقع لقارون فيما سيأتي معنا، أن الله عز وجل خسف به وبداره الأرض، فانتقم الله عز وجل منه ومن كذلك أمواله التي كان يملكها. فقال قارون: هل قبل قارون نصيحة هؤلاء الناصحين؟ بل كلا، لم يقبل نصائح الناصحين، بل قال قارون راداً لنصيحتهم كافراً بنعمة ربه: ﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾، أي إنما أدركت هذه الأموال بكسبي، هذا قول من عندي، أو على علم عندي. قال المفسرون: أي إنما أدركت هذه الأموال بكسبي ومعرفتي بوجوه المكاسب وحذقي، هذه بعض الأمور التي ذكرت في تفسير هذه الآية، يعني نسب هذه النعم إلى نفسه وليس إلى المنعم سبحانه وتعالى، فقال: أنا تحصلت على هذه الأموال بشطارتي، بذكائي، بمعرفتي بوجوه الكسب، أنا عندي معرفة وعندي كذلك خبرة وعندي ذكاء. أنظر نسب ذلك إلى نفسه، إلى نفسه. هذا قول، وقول آخر: ﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾، أي على علم من الله بحالي، يعني أن الله يعلم أنني أستحق هذه الأموال وما أعطاني إياها إلا لأنني مستحق لها. هذا قول آخر، على علم من الله بحالي، يعلم أني أهل لذلك، فلم تنصحونني على ما أعطاني الله تعالى؟ وهذا من جهله، وهذا من جهله، فإن عطاء الله عز وجل للعبد لا يدل على محبة الله له، وكذلك إمساك المال عن العبد لا يدل على بغض الله عز وجل لهذا العبد، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا ﴾ [الفجر: 15-17]، ليس الأمر كذلك، فلا يدل العطاء على الإكرام، ولا يدل المنع على الإهانة والإذلال، وإنما هذا ابتلاء من الله، كما أن العطاء ابتلاء فكذلك المنع ابتلاء، سماه الله عز وجل ابتلاء، سماه الله عز وجل ابتلاء منه سبحانه وتعالى، ليعلم حال هذا العبد ومدى صبره ومدى شكره. وهذه في آيات كثيرة، سليمان عليه السلام لما رأى العرش أمامه قال: ﴿ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ﴾ [النمل: 40]، والآيات في هذا الباب كثيرة لا يتسع المقام للاستطراد فيها. فقال تعالى مبيناً أن عطاءه ليس دليلاً على حسن حالة المعطى: ﴿ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا ﴾، فما المانع من إهلاك قارون مع مضي عادتنا وسنتنا بإهلاك من هو مثله وأعظم منه إذا فعل ما يجب الهلاك؟ كم من أمم أعطيت من هذه الدنيا ومن كنوزها ومن جناتها ومن نعيمها، فلما كفروا بنعمة الله عز وجل أهلكهم الله، الحمد لله. قال: ﴿ وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ﴾، أي بل يعاقبهم الله، لا يسأل عن ذنوبهم، أو لا يسأل عن ذنوب هؤلاء المجرمين، بل يعاقبهم الله ويعذبهم على ما يعلمه منهم. فذنوبهم واضحة، وهذا فيه أن الذنوب سبب للعقوبات، فإذا ظهرت هذه الذنوب من العبد فهو مهدد بعقوبة الله عز وجل له، فلا يسأل هؤلاء المجرمون عن ذنوبهم: ماذا فعلتم؟ ذنوبهم ظاهرة واضحة بينة. ولذلك قال مؤلفنا: بل يعاقبهم الله يعذبهم على ما يعلمه منهم، فهم وإن أثبتوا لأنفسهم حالة حسنة، قالوا: إيش عندنا؟ نحن أهل الصلاح، نحن أهل الخير، نحن نحن، كما قال المنافقون: نحن مصلحون، فقال الله عز وجل: ﴿ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ [البقرة: 12]. وهكذا مهما أظهر المجرم والمفسد من إصلاح ومن حالة حسنة، فشاهدهم أو فواقعهم يشهد عليهم ما هم عليه من الذنوب والمعاصي والآثام، هذا يشهد عليهم. قال: ﴿ وَشَهِدُوا لَهَا بِالنَّجَاةِ ﴾، أي فهم وإن أثبتوا لأنفسهم حالة حسنة وشهدوا لها بالنجاة، فليس قولهم مقبولاً، وليس ذلك دافعاً عنهم من العذاب شيئاً، لأن ذنوبهم غير خفية، ظاهرة واضحة بينة، فإنكارهم لا محل له. فلم يزل قارون مستمراً على عناده وبغيه وعدم قبول نصيحة قومه، فارحاً بطراً، قد أعجبته نفسه وغره ما أوتيه من الأموال. فماذا فعل؟ سيأتي معنا في قول الله عز وجل: ﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ﴾ [القصص: 79]، فلم ينتفع بهذا النصح وهذا الوعظ العظيم الذي وعظ به من قبل الناصحين. نكتفي بهذا وإلى هنا.