الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 114، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يواصل مؤمن آل فرعون وعظ قومه مبيناً أن من عمل سيئة يجزى مثلها ومن عمل صالحاً يدخل الجنة بغير حساب. ويستنكر دعوتهم للنار بينما يدعوهم للنجاح مظهراً منهج القرآن في الجمع بين الترغيب والترهيب.
يفسر المقطع دعوة النبي لقومه بترك عبادة الأصنام والتوجه إلى الله العزيز الغفار مالك القوة والمغفرة. ويبين أن منهج الدعوة السليم هو تعريف الناس بعظمة الله محذراً من عاقبة الشرك يوم القيامة.
يوضح المقطع كيف فوض المؤمن أمره إلى الله فنجاه من مكر فرعون بينما حل بآل فرعون الغرق وعذاب القبر بعرض النار غدوا وعشية. وتعد هذه الآية دليلاً صريحاً على إثبات عذاب القبر مختتماً بالدعاء بالنفع.
يختتم الدرس بحمد الله رب العالمين وشكره على نعمه الظاهرة والباطنة. وهو خاتمة سورة الفاتحة أو دعاء عام بالشكر لله على توفيقه.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً أما بعد لا يزال هذا المؤمن مؤمن آل فرعون يعظ قومه ويذكرهم بالله سبحانه وتعالى ويدعوهم إلى الله فبعدما قالا لهم يا قومي إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار قال لهم من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحاً من ذكر أو أنثى فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب ويا قوم ما لأدعوكم إلى النجاح وتدعونني إلى النار تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار لا جرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وأنما ردنا إلى الله وأن المسرفين هم أصحاب النار فستذكرون ما أقول لكم إن الله بصير بالعباد فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب النار يعرضون عليها غدوا وعشية ويوم تقوم الساعة أدخل آل فرعون أشد العذاب ففي الآيات التي تليت عليكم يقول هذا المؤمن من عمل سيئة أي سيئة هنا نكرة في سياق الشرط من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها فيشمل الشرك والفسوق والعصيان فكل ذلك داخل في السيئة فمن عمل سيئة من شرك أو فسق أو عصيان فلا يجزى إلا مثلها أي لا يجاز إلا بما يسوءه ويحزنه لأن جزاء السيئة السوء ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى من أعمال القلوب والجوارح وأقوال اللسان لأن صالحا هنا كذلك نكرة في سياق الشرط فهي عامة فيشمل جميع الأعمال الصالحة من أعمال القلوب كالخوف والرجاء والخشية والرهبة والرقبة والمحبة ونحو ذلك أو من أعمال الجوارح كالجهاد والصلاة ونحو ذلك أو أقوال اللسان كالذكر وما أشبه ذلك فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب أي يعطون أجرهم بلا حد ولا عد بل يعطيهم الله ما لا تبلغه أعمالهم فليس ما ينال المؤمن في الجنة مقابل عمله بل يعطى أعظم مما عمل من عمل صالح فيعطى في الجنة من النعيم بلا حد ولا عد ففي الجنة ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين أي شيء تشتهيه الأنفس تناله في الجنة فهذا ترغيب أولا رهبهم من المعصية ومن السيئة ثم رغبهم في الحسنة والأعمال الصالحة وهذا أسلوب القرآن وهكذا ينبغي للدعية إلى الله عز وجل في دعوته لا تكون دعوته مرتكزة على الترغيب فحسب ويهمل جانب الترهيب ولا كذلك ترتكز دعوته على الترهيب ويهمل جانب الترغيب بل يجمع بين الأمرين وهذا هو أسلوب القرآن ثم قال لهم وفسر ثم قال لهم ويا قومي ما لأدعوكم إلى النجاح أي بما قلت لكم يدعوهم إلى الجنة يدعوهم إلى الطاعة يدعوهم إلى كذلك التوحيد وكل هذا فيه النجاح للإنسان لا ينجو الإنسان إلا بالإيمان والعمل الصالح ولذلك قال لهم لما رأى إعراضهم ورأى نفورهم قال لهم ما لأدعوكم إلى النجاح ما ينجيكم من عذاب الله وتدعونني إلى النار أي بترك اتباع نبي الله موسى عليه السلام فمن ترك ما جاءت به الرسل فقد عرض نفسه والعياذ بالله لعذاب النار عرض نفسه لعذاب النار لذلك قال لهم وتدعونني إلى النار ثم فسر ذلك فقال تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم أي أنه يستحق أن يعبد من دون الله يعني ما ليس لي به علم أنكم تعبدون من لا يستحق أن يعبد من دون الله هذا المعنى والقول على الله بلا علم من أكبر الذنوب وأقبحها يعني كيف أتبعكم وأكون مثل ما أنتم عليه وأنا أعلم أن ما أنتم عليه ليس بحق وليس بصواب فلو أتبعته فلو اتبعته لقلت على الله بغير علم لأن مما أعلم أن هذا من الشرك بالله سبحانه وتعالى وأشرك به ما ليس لي به علم أي أنه يستحق أن يعبد من دون الله وهي الأصنام والأنداد التي تعبد قال وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ أي الَّذِي لَهُ الْقُوَّةِ الَّذِي لَهُ الْقُوَّةُ كُلُّهَا وَغَيْرُهُ لَيْسَ بِيَدِهِ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٍ يعني الذي يُعْبَد لابد أن يكون عزيزاً وهل تجد ذلك في غير الله هل غير الله يكون عزيزاً ممتنعاً قوياً لا يكون ذلك إلا في الإله الحق سبحانه وتعالى فكأنه يقول لهم أنتم تعبدون من لا يستطيع أن يعز نفسه فكيف يعز غيره فأنا أدعوكم إلى العزيز الذي له القوة كلها وغيره ليس بيده من الأمر شيء الغفار الذي يسرف العباد على أنفسهم ويتجرؤون على مصافطه ثم إذا تابوا وأنابوا إليه كفر عنهم السيئات والذنوب كما قال عز وجل وَمَنْ يَغْفِرُوا الزُّنُوبَ إِلَّا اللَّهِ فهؤلاء الذين تعبدونهم من دون الله هل يغفرون لكم ذنباً فنأدعوكم إلى من هو قوي عزيز غفار وأما ما تعبدون من دون الله فلا يملك من هذه الصفات شيئاً لا يملك من هذه الصفات شيئاً وهذا من حكمته في الدعوة إلى الله عز وجل بيّن لهم عظمة هذا الإله فإذا عظم هذا الإله في القلوب عُبِدًا وتوجه إليه وحده سبحانه وتعالى وهذا أيضاً أسلوم من أساليب الدعوة ولذلك أعظم ما يدعى به إلى الله أن يعرَّف الخلق بالخالق بأسمائه وصفاته وبعظمته وجلاله هذا الجانب لا يهمل في الدعوة إلى الله تُبَيِّن للناس عظمة الله إما بالتفكر في مخلوقاته وإما ببيان أسمائه وصفاته وما تدل عليه من الجلال والكمال ونحو ذلك ثم قال لهم لا جرم أي حقاً يقيناً لا شك في ذلك أن ما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة أي ما تدعونني إليه من الشرك وعبادة غير الله لا يستحق من الدعوة إليه والحث على اللجوء إليه في الدنيا ولا في الآخرة لعجزه ونقصه وهو لا يرزق وهو لا يغفر وهو لا يشفي وهو لا يعز فكيف تدعونني إليه وهو ليس له دعوة يعني عاجز وأنه لا يملك نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً وأن مردنا إلى الله تعالى فسيجازي كل عامل بعمله فالمرجع إلى الله لا إلى أحد من ما تدعون من دون الله ثم قالوا أن المسرفين هم أصحاب النار وهم الذين أسرفوا على أنفسهم بالتجر على ربهم بمعاصيه والكفر به دون غيره أو دون غيرهم قال فلما نصحهم وحذرهم وأنذرهم ولم يطيعوه ولا وافقوه قال لهم فستذكرون ما أقول لكم فيأتي اليوم الذي ستعلمون فيه صحة وصدق ما دعوتكم إليه فستذكرون ما أقول لكم من هذه النصيحة وسترون مغبة عدم قبولها حين يحل بكم العقاب وتحرمون جزيل الثواب فلذلك يندم الظالمون عندما يرون العذاب عندما يرون العذاب يقولون لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير ثم قال لهم وأفوض أمري إلى الله أي ألجأ إليه وأعتصم وألقي أم أموري كل وألقي أموري كلها لديه وأتوكل عليه في مصالحي ودفع الضرر الذي يصيبني منكم أو من غيركم وكأنه قال ذلك لأنه علم أنهم سيؤذونه أنهم سيؤذونه فوطن نفس على كل بلاء قد يصيبه ففوض أمره إلى الله وهكذا الأنبياء والرسل كانوا يفوضون أمورهم وما لنا أن لا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المؤمنون قال إن الله بصير بالعباد يعلم أحوالهم وما يستحقون يعلم حالي وضعفي فيمنعني منكم ويكفي لي شركم ويعلم أحوالكم فلا تتصرفون إلا بإرادته ومشيئته وهذا من مناسبة ختام هذه الآية بهذا الإسم الكريم إن الله بصير بالعباد فمن أسمائه البصير سبحانه وتعالى فهو يعلم أحوال عباده يعلم أحوال عباده سبحانه وتعالى قال فلا تتصرفون إلا بإرادته ومشيئته فإن صلتكم علي فبحكمة منه تعالى وعن إرادته ومشيئته صدر ذلك فالأمر أمره والكون كونه والخلق خلقه فهو يتصرف فيهم كيف يشاء سبحانه وتعالى ثم ذكر لنا ربنا نجاة هذا المؤمن وهلاك من خالفه وعانده قال فوقاه الله سيئات ما مكروا أي وقى الله القوي الرحيم ذلك الرجل المؤمن الموفق وقاه من مكر هؤلاء أي عقوبات ما مكر فرعون وآله له من إرادة إهلاكه وإتلافه لأنه بادأهم بما يكرهون وهذا فيه تربية لكل صاحب حق أنه يقول الحق ولا يخشى في الله لوم تلائم وليعلم أن مهما أنه مهما مكر أعداؤه به فإن الله عز وجل معه ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين وقال سبحانه وتعالى ويكيدون كيدا وأكيد كيدا نعم فالمؤمن مطلوب منه أن يكون على الحق وعلى الصراط المستقيم ويدعو إلى هذا الحق ولا يبالي بما قد يناله من مكر أعدائه ولا يخوف نفسه بأنه سيفعل به كذا وكذا أبدا وإنما يوكل أمره إلى الله ويعلق قلبه بالله والله عز وجل معه فالله عز وجل قال في حق هذا المؤمن فوقاه الله سيئات ما مكروا قال وحاق بآل فرعون سوء العذاب أي أغرقهم الله تعالى في صبيحة واحدة عن آخرهم وفي البرزخ النار يعرضون عليها غدوا وعشية وهذه الآية من أظهر الآيات في إثبات عذاب القبر لأنه قال النار يعرضون عليها غدوا وعشية ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل الفرعون أشد العذاب إذن هذا إراد النار والعراض على النار فهذا في قبل يوم القيامة لأنه قال ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل الفرعون أشد العذاب لذلك قال المؤلف هنا وفي البرزخ أي في القبر النار يعرضون عليها غدوا وعشية ومن هنا تعلم ضلال من يجادل في هذه الأيام ويقول لا يوجد دليل في القرآن على عذاب القبر هذا جاهل بالقرآن وبأقوال السلف في تفسير القرآن فهذه الآية ظاهرة وواضحة في إثبات عذاب القبر قال فهذه العقوبات الشنيعة التي تحل بالمكذبين لرسل الله المعاندين لأمره طيب نكتفي بهذا وبهذا نكون قد انتهينا من هذه القصة نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بذلك إنه ولي ذلك والقادر عليه والحمد لله رب العالمين شكرا