مباحث في الشفاعة والرد على المخالفين 4

مباحث في الشفاعة والرد على المخالفين 4

الدرس في مباحث في الشفاعة والرد على المخالفين 4، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

أنواع الشفاعة العامة: شفاعة الأولاد للآباء

يستعرض المقطع نوعين من الشفاعة العامة؛ الأول شفاعة الولد الصالح لوالديه برفع درجاتهما في الجنة بدعائه واستغفاره، والثاني شفاعة الأولاد الذين ماتوا صغاراً بإدخال والديهما الجنة. ويؤكد على أهمية تربية الأبناء والإكثار من الدعاء للوالدين حياً وميتاً.

التعزية برؤية الآخرة والرد على شبهة إنكار الشفاعة

يسرد الشيخ قصة رجل حُزن على موت ابنه حتى أراه الله في المنام يوم القيامة يسقيه الماء، فزال حزنه، ثم يرد على شبهة الخوارج في إنكار الشفاعة العامة موضحاً أن حديث ذبح الموت وارد بعد الشفاعات وخروج الموحدين من النار.

الرد على الغلاة في الشفاعة وبيان شروطها

يرد الشيخ الوادعي على المتصوفة الغلاة الذين يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم يملك الشفاعة مطلقة، مبيناً أنها لا تكون إلا بإذن الله ورضاه عن المشفوع له، مستدلاً بحديث الشفاعة العظمى وقصة إبراهيم عليه السلام.

أسباب نيل الشفاعة ووجوب اتخاذ الأسباب الشرعية

يحذر المقطع من التكل على شفاعة الشافعين فقط، ويؤكد ضرورة اتخاذ الأسباب الشرعية لنيل الشفاعة، مشيراً إلى أن الدرس القادم سيبين هذه الأسباب سواء كانت شفاعة الأعمال الصالحة أو شفاعة النبي والمؤمنين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فأخذنا في الدرس الماضي القسم الثاني من أقسام الشفاعة، وهي الشفاعة العامة، وذكرنا أنواعاً لهذه الشفاعة. فأولها: الشفاعة لأهل الكبائر من هذه الأمة. وثانيها: الشفاعة في رفع درجات المؤمنين في الجنة. وذكرنا أدلة ذلك. وآخر ما ذكرنا ما أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل يرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة، فيقول: رب أنى لي هذا؟ فيقال له: باستغفار ولدك لك». وهذا الحديث فيه تنبيهان: التنبيه الأول: للآباء بأن يعتنوا باتخاذ الأسباب التي بها صلاح أبنائهم. فإذا صلح الأبناء سعد الآباء، فيجدون الدعوات الصالحة ولو بعد موتهم، كما في هذا الحديث، وكما في حديث أبي هريرة: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث»، ومن هذه الثلاث: «ولد صالح يدعو له». والتنبيه الثاني: للأبناء بأن يكثروا من الاستغفار والدعاء لآبائهم. وهذا دليل صلاحهم، فدعاء الابن لآبائه دليل على صلاحه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أو ولد صالح يدعو له». فالولد الصالح هو الذي يدعو لآبائه، وهذه علامة على صلاحه. فنحث أبناءنا جميعاً أن يدعوا لآبائهم، سواء كانوا أحياء أو أمواتاً. لا تدعُ فقط لأبيك إذا مات، لا، بل حتى وهو على قيد الحياة: ادعُ الله له بالمغفرة والعتق من النار، والتوفيق والهداية والاستقامة. ادعُ وأشركه في دعائك، فهذه علامة على صلاحك. وأيضاً من أنواع الشفاعة العامة: شفاعة الأبناء للآباء لا بالدعاء، وإنما يوم القيامة بدخولهم إلى الجنة، أي دخول الآباء إلى الجنة. ثبت في مسند الإمام أحمد، وسنن النسائي، والبيهقي من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحِنث، إلا أدخلهم الله وإياهم الجنة بفضل رحمته». قال: «يقال لهم: ادخلوا الجنة، فيقولون: حتى يجيء أبوانا». فيقال لهم ذلك ثلاث مرات، فيقولون: «حتى يجيء أبوانا». فيقال لهم: «ادخلوا الجنة أنتم وأبواكم». فلعل أبويهم لم تكن عندهم تلك الأعمال التي تدخلهم الجنة، لكن بشفاعة وإصرار هؤلاء الأبناء على مجيء آبائهم معهم، يدخلهم الله سبحانه وتعالى الجنة مع آبائهم. هذا الحديث قال شيخنا الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الشفاعة": "على شرط الشيخين"، يعني صحيح على شرط الشيخين. وصححه كذلك العلامة الألباني في "صحيح النسائي" و"صحيح الجامع". وهذا الحديث فيه مواساة لمن فقد أبناءه الصغار، فلذة كبده وأصفياءه. فيه مواساة له أنه إذا صبر واحتسب، فإن هؤلاء يشفعون له يوم القيامة، ويكونون سبباً في دخوله الجنة. يكون هؤلاء الأبناء الذين فقدهم، والذين ماتوا وهو في أمس الحاجة إليهم، وهو فرح بهم، لكنه رضي بقضاء الله وقدره وصبر واحتسب، فإن هؤلاء الأبناء يشفعون له يوم القيامة، ويكونون سبباً في دخوله إلى الجنة. فما عليه إلا أن يصبر، وأن يخفف آلام حزنه بمثل هذه الأحاديث، الأحاديث المبشرة بالجنة. ذكر الشيخ الخضير حفظه الله قصة عجيبة: قال: أحد الصالحين عنده ولد يحبه حباً شديداً، فمات هذا الولد، فحزن حزناً شديداً، حتى أن الناس يأتون ويعزونه، وهو مغلق عليه من شدة الحزن، حزناً على هذا الولد حزناً شديداً، ولا يكاد يهدأ له بال من شدة الحزن. ومضت فترة وهو على هذا الحال. فأراد الله عز وجل أن يذهب عنه هذا الحزن، فأراه رؤية منام، رؤية طيبة. رأى هذا الأب أنه في يوم القيامة، وأن الناس في ظمأ شديد في ذلك اليوم، وهناك أبناء كثر، أولاد كثر، كل واحد معه كأس فيه ماء. فإذا جاء أحد هؤلاء الأبناء في هذا الظمأ الشديد، قدم له ولده الذي فقده في هذه الدنيا، فيعطيه هذا الكأس. وهذا الرجل يبحث يريد أن يشرب في ظمأ شديد، فكلما رأى ولداً، إذا هو يقول له: «لست أبي، لست أبي»، حتى وجد ولده ومعه ذلكم الماء، فأعطاه إياه، وروي من هذا الماء، وفرح فرحاً شديداً. فاستيقظ، فذهب ما به من ولع ومن حزن، فعاد إلى حياته الطبيعية، وأكرمه الله عز وجل بهذه الرؤية الصالحة. فهكذا ينبغي للأب إذا ابتلي بشيء من ذلك أن يواسي نفسه بمثل هذه الأحاديث التي تبين فضل الصبر على فقد الأحبة، خصوصاً الأولاد. ذكر شيخنا الوادعي رحمه الله عند كلامه على الشفاعة العامة شبهة يوردها منكرو هذه الشفاعة. هذه الشبهة ملخصها أن هؤلاء يستدلون بحديث... وهكذا كما ذكرنا: أهل البدع، أهل الأهواء، يأخذون من الأدلة ما فيه أدنى شبه لباطلهم. فمن ذلك استدلالهم بحديث جاء في جامع الترمذي، وهو حديث صحيح، صححه شيخنا والألباني عليهما رحمة الله، من حديث أبي هريرة، وهو حديث طويل، وفي آخره: «فإذا أدخل الله تعالى أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، أتي بالموت فيوقف على السور، أو على السور الذي بين أهل الجنة وأهل النار، ثم يقال: يا أهل الجنة، فيطلعون خائفين، ثم يقال: يا أهل النار، فيطلعون مستبشرين يرجون الشفاعة». هذا هو وجه الشبه: «مستبشرين يرجون الشفاعة». فيقال لأهل الجنة ولأهل النار: «هل تعرفون هذا؟» فيقولون: «نعم، هو الموت الذي وكل بنا». فيضجع فيذبح ذبحاً على السور، ثم يقال: «يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت». فتشبث الخوارج ومن نحا نحوهم بلفظة في هذا الحديث، وهو قولهم: «فيطلعون مستبشرين يرجون الشفاعة». وقالوا: إذن ما شفع لهم، فهم يعني خلدوا في النار، خلدوا في النار ولم يشفع لهم. فهذا فيه نفي الشفاعة. فأرد علماؤنا على هذه الشبهة، ومنهم شيخنا الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الشفاعة"، فقال: «وذبح الموت يكون بعد الشفاعات، ومن يخرج من النار من الموحدين». هكذا يجاب عليهم: أن الحديث المتقدم إنما هو بعد أن يشفع الشافعون، وأن يخرج الموحدون من النار بشفاعة الشافعين. فهذا الحديث ورد بعد ما صار في النار الكفار والمشركون الذين يخلدون في النار ولا يخرجون منها، فلما ينادوا يستبشرون، لعل فرجاً يأتي يخلصهم من هذا العذاب، فيرجون الشفاعة. والشفاعة لا ينالها المشركون كما تقدم، لا ينالها المشركون. فالحديث المتقدم إنما ورد بعد ورود، أو بعد وقوع الشفاعات، بعد وقوع الشفاعات. واستدل شيخنا الوادعي رحمه الله على رده هذا بحديث أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي هريرة، أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، نادى مناد: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت». فقوله في هذا الحديث: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار»، يعني: من يستحق الجنة من أهل الإيمان وأهل التوحيد فدخلوا الجنة، ومن يستحق النار من أهل الكفر والشرك دخل النار. انتهى الأمر، انتهت الشفاعات، يذبح الموت على ذلكم السور، وينادى أهل الجنة وينادى أهل النار. هكذا يجاب على شبهة هؤلاء، ولله الحمد. علماؤنا ما من شبهة أوردها هؤلاء القوم إلا وبينوا بطلانها، ولله الحمد والمنة. شبهة أخرى أيضاً يوردها الغالون في الشفاعة، وهم المتصوفة، فيستدلون بما جاء في صحيح البخاري من حديث جابر بن عبد الله، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أعطيت خمساً لم يعطاهن أحد قبلي»، وذكر من هذه الخمس: «أعطيت الشفاعة». وكان النبي نعم، أعطيت الشفاعة. فقال هؤلاء الغلاة في الشفاعة: معنى ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم يملك الشفاعة، فيشفع لمن يشاء. فأطلقوا القول بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، وغلوا في ذلك، وأثبتوها مطلقاً. والجواب عليهم: يقال كما ذكر ذلك أيضاً شيخنا الوادعي: لا تكون شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم إلا بعد إذن الله له في الشفاعة، كما هو واضح وظاهر في حديث الشفاعة العظمى. هل لما قال له أهل الموقف: «يا رسول الله، اشفع لنا عند ربك، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر»، هل قال: «قد شفعت لكم»؟ لو كان يملك الشفاعة لقال لهم: «قد شفعت لكم» مباشرة، دون أن يسجد، ودون أن يثني على الله، ويفتح عليه بمحامد وثناء على الله عز وجل، حتى أتاه الإذن من ربه: «ارفع رأسك، اشفع تشفع، وسل تعطَ». فلم يشفع لهم مباشرة عليه الصلاة والسلام. هذا في الشفاعة العظمى، وهكذا في غيرها من الشفاعات. فنعم، النبي صلى الله عليه وسلم أعطي الشفاعة، لكن بعد إذن الله عز وجل له في الشفاعة، والرضا عن المشفوع له. وقد تقدمت الأدلة في ذلك، وقد تقدمت الأدلة في ذلك. فالشفاعة لله عز وجل وحده، كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 44]. فلا يملك الشفاعة لا نبي مرسل، ولا ملك مقرب. ومما يدل على ذلك أيضاً ما جاء في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يلقي إبراهيم أباه» أي يوم القيامة، «فيقول: يا رب، إنك وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون»، لأنه دعا يوماً: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء: 87]. ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88-89]. فيقول إبراهيم لربه: «يا رب، إنك وعدتني أنك لا تخزني يوم يبعثون». فيقول الله: «إني حرمت الجنة على الكافرين». ما قبلت شفاعة نبي الله إبراهيم عليه السلام في أبيه، لماذا؟ لأنه مات كافراً، أبوه مات كافراً، والشفاعة لا ينالها الكفار. فقيل له: «إني حرمت الجنة على الكافرين، إني حرمت الجنة على الكافرين». فهذا فيه أن الشفاعة لا يملكها أحد، إنما هي لله سبحانه وتعالى وحده. فلا يتكل أحد على شفاعة الشافعين، وإنما يتخذ الأسباب، الأسباب الشرعية في نيل الشفاعة، في نيل الشفاعة. وفي الدرس القادم إن شاء الله تعالى سنأخذ هذه الأسباب، أسباب الشفاعة التي متى ما اتخذها الإنسان يرجى أن ينال هذه الشفاعة، سواء كانت شفاعة الأعمال الصالحة، أو شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام، أو شفاعة المؤمنين. نكتفي بهذا، وإلهنا والله تعالى أعلم.