الدرس في مباحث في الشفاعة والرد على المخالفين 2، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع أنواع الشفاعة المختصة بالنبي صلى الله عليه وسلم مبتدئًا بالشفاعة العظمى وهي المقام المحمود المذكور في سورة الإسراء، حيث يشفع النبي لأهل الموقف بعد اعتذار أولي العزم، ثم يشفع لأهل الجنة فيفتح لهم أبوابها ويكون أول داخل لها، مستدلًا بأحاديث صحيحة من البخاري ومسلم والترمذي.
تعد شفاعة النبي في عمه أبي طالب نوعًا خاصًا مستثنى من نفي الشفاعة عن الكافرين، إذ لم ترفعه من النار بل خففت عنه العذاب فجعلته في ضحضاح منها، ودليل ذلك حديث العباس رضي الله عنه في الصحيحين.
يستعرض المقطع ملخصًا لأقسام الشفاعة المختصة بالنبي صلى الله عليه وسلم وهي الشفاعة العظمى، وشفاعة دخول أهل الجنة وفتح أبوابها، وتخفيف العذاب عن عمه أبي طالب، ويختتم بالدعاء بالنفع مما تعلم.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فقد أخذنا في درس ماضٍ تعريف الشفاعة، والسبب في اختيار مثل هذه المواضيع، وكذلك الرد على المخالفين في هذا الباب؛ فإن من أهل الأهواء من خالف في هذه المسألة بين إفراط وتفريط، وقد بينا ذلك في الدرس الماضي. في هذا المبحث -إن شاء الله تعالى- نأخذ أنواع الشفاعة، فقد ذكر أهل العلم استنباطاً من الأحاديث الواردة في هذا الباب أقساماً للشفاعة. أول هذه الأقسام -وأنواعها- إلى أقسام الشفاعة: قسمان. القسم الأول: الشفاعة الخاصة بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلا يشاركه فيها أحد عليه الصلاة والسلام؛ فأكرمه ربه سبحانه وتعالى بهذه الشفاعات الخاصة. وقد جاء في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لكل نبي دعوة مستجابة يدعو بها، وإني خبأت دعوتي شفاعة لأمتي في الآخرة»، وإني أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة. وهذا من شفاعته ورحمته بأمته عليه الصلاة والسلام، فلا شك أن هذا الأمر وهو الشفاعة لهذه الأمة أمر عظيم لا يساويه ولا يدانيه أمر من أمور هذه الدنيا؛ فلم يدعو النبي عليه الصلاة والسلام لأمته بأمر عاجل في هذه الدنيا، وإنما جعل هذه الدعوة المضبونة المستجابة في الآخرة، إذ جعلها شفاعة لهذه الأمة كما سيأتي في أنواع الشفاعة الخاصة. وجاء أيضاً في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال عليه الصلاة والسلام: «لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته»، تعجل كل نبي دعوته أي في هذه الدنيا، ثم قال: «وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بي شيئاً، أو لا يشرك بالله شيئاً». وهذا فيه التصريح بأن الأنبياء قبله تعجلوا دعواتهم، أما رسولنا عليه الصلاة والسلام فخبأ دعوته لأمته في يوم القيامة، فجعلها شفاعة لهم عليه الصلاة والسلام. وآن الأوان للشروع في تلك الأنواع من أنواع الشفاعة الخاصة. أولها: الشفاعة العظمى، وهذه الشفاعة هي المقام المحمود الذي ذكره الله عز وجل في سورة الإسراء، فقال سبحانه وتعالى: ﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾. هذا هو المقام المحمود. فقد جاء عند الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال في قوله: ﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾، وقد سئل عن هذا المقام فقال: «هي الشفاعة»، قال: «هي الشفاعة»، أي الشفاعة العظمى. وهذا الحديث حسنه شيخنا الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الشفاعة"، وكذلك حسنه العلامة الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة". فبهذا فسر المقام المحمود، وهو من تفسير السنة للقرآن، وهو النوع الثاني من أنواع تفسير القرآن؛ القرآن إما أن يفسر أولاً بالقرآن، وإما أن يفسر بالسنة، وإما أن يفسر بكلام الصحابة أو بكلام التابعين، وهكذا. ودليل هذه الشفاعة العظمى التي يختص بها النبي صلى الله عليه وسلم بعد اعتذار جمع من الأنبياء عنها كآدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى، كل هؤلاء الأنبياء وأكثرهم من أولي العزم يعتذرون عن هذه الشفاعة، فيؤتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيشفع لأهل الموقف. وهذا الحديث حديث في الصحيح من حديث أبي هريرة، صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، ونأخذ موضع الشاهد منه. ورد في أول هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون مما ذلك؟ يجمع الله الأولين أو يجمع الله الناس الأولين والآخرين في صعيد واحد، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، وتدنى الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول الناس: ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: عليكم بآدم، فيأتون آدم فيعتذر، ويأتون نوحاً فيعتذر، ويأتون إبراهيم فيعتذر، ويأتون موسى فيعتذر، ويأتون كذلك عيسى فيعتذر، ثم يقول لهم عيسى عليه السلام: اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيأتون النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيقولون: يا محمد، أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، وقد غفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ قال عليه الصلاة والسلام: فأنطلق، فآتي تحت العرش فأقع ساجداً لربي عز وجل، ثم يفتح علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحد قبلي، ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك، سل تعطه، واشفع تشفع. قال: فأرفع رأسي فأقول: أمتي يا رب، أمتي يا رب. انظروا إلى رحمته عليه الصلاة والسلام بهذه الأمة، فيقال: يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك». أي أن شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام تقبل، فيفرج عن الناس في ذلك الموقف العصيب، في ذلك الموقف الشديد كما سمعنا في أول هذا الحديث. فهذه من أعظم الشفاعات، إذ أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع لأهل الموقف جميعاً، لأهل الموقف جميعاً، وهي ما تسمى بالشفاعة العظمى. وهذا فيه -أيها المسلمون، عباد الله- أننا نزداد محبة لهذا النبي الأمين، لهذا النبي الكريم، لهذا النبي الرؤوف الرحيم، إذ أنه عليه الصلاة والسلام يرأف بهذه الأمة ويرحمها، ويقدم لها كل ما فيه فرج عليها، وما فيه سعادة لها في الدنيا والآخرة. وكذلك من أنواع الشفاعات الخاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم: شفاعته صلى الله عليه وسلم في أهل الجنة أن يدخلوها، وكونه أول شفيع. فلما يتجاوز أهل الجنة الصراط، فيجمعون في قنطرة بين الصراط وبين الجنة، فيرون الجنة مغلقة لا تفتح لهم، مغلقة هذه الجنة. فجاء في صحيح مسلم من حديث أنس رضي الله تعالى عنه، أنس بن مالك، قادم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح»، يعني يطلب من خازنها أن يفتح له، «فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ من أنت الذي تستفتح باب الجنة؟ فأقول: محمد». عليه الصلاة والسلام، «فيقول هذا الخازن: لك أمرت، أو: نعم بك أمرت، لا أفتح لأحد قبلك». أمره الله عز وجل أن لا يفتح باب الجنة لأحد قبل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وثبت أيضاً في صحيح مسلم وغيره من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنا أكثر الأنبياء تبعاً يوم القيامة، أنا أكثر الأنبياء تبعاً يوم القيامة، وأنا أول من يقرع باب الجنة، وأنا أول من يقرع باب الجنة». فهذه الشفاعة خاص به عليه الصلاة والسلام، شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة، وأن تفتح لهم أبواب الجنة. النوع الثالث من أنواع الشفاعات الخاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم: شفاعته صلى الله عليه وسلم في عمه أبي طالب أن يخفف عنه العذاب. وهذه مستثنى، هذه الشفاعة مستثنى من قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾، ومن قوله عز وجل: ﴿يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾، وغيرها من الآيات التي تقدمت معنا في الشفاعة المنفية؛ لأن أبا طالب مات على الكفر، مات على الشرك، وقد تقدم معنا أن المشركين لا ينالون الشفاعة. فكون النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يشفع في عمه أبي طالب، فهذه شفاعة خاص خاصة مستثنى. ثم إن هذه الشفاعة ليست شفاعة كاملة، ليست شفاعة كاملة، وإنما هي تخفيف للعذاب، ولم يرفع عنه العذاب مطلقاً، وإنما خُفف، وإنما خُفف عنه العذاب. نعم، فهو لم يخرج من النار، لكنه خُفف عنه حتى صار -والعياذ بالله- في ضحضاح من نار، والضحضاح هو اليسير والقليل، هو اليسير والقليل. فأصبح أبو طالب في ضحضاح من نار، عليه نعلان منها يغلي دماغه منهما، يغلي دماغه. وهذه قلنا شفاعة خاصة ذو الرسول صلى الله عليه وسلم، لا أحد يشفع في كافر أبداً إلا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومع ذلك كما تقدم لم تقبل الشفاعة كاملة، وإنما تخفيف فقط. ودليل هذا النوع من أنواع الشفاعة ما رواه الإمام البخاري وغيره من حديث العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه أنه قال للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ما أغنيت عن عمك؟ فإنه كان يحوطك ويغضب لك». يحوطك يعني يحميك ويؤيدك ويمنع الأعداء من الوصول إليك كما هو معلوم في السيرة. لكن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حرص أشد الحرص على هداية عمه وعلى دعوته إلى الإسلام، كما جاء في الحديث أنه لما حضرت أبا طالب الوفاة، فجاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فوجد عنده رجلين من أهل الشرك، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول لعمه: «يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله». وأولئك أو هذان المشركان يقولان: «أترغب عن ملة عبد المطلب؟» والنبي صلى الله عليه وسلم من حرصه على هداية عمه يكرر عليه في هذه اللحظات، في هذه المقدمات، مقدمات الموت، فيقول لعمه: «قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله». ولكن جلساء السوء حال بينه وبين أن يقول هذه الكلمة، فلا يزالون يرددون عليه: «أترغب عن ملة عبد المطلب؟» حتى كان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب. فمات أبو طالب لا شك على الشرك، على الشرك. فالعباس عم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول للنبي عليه الصلاة... هذا أبو طالب في حياته كان يحوطك، كان يغضب لك، ماذا أغنيت عنه؟ ماذا قدمت له؟ فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار». لولا هذه الشفاعة التي شفع بها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لكان عمه في أشد العذاب في الدرك الأسفل من النار، فخفف عنه العذاب بشفاعة النبي عليه الصلاة والسلام حتى كان في النار في ضحضاح منها، أي في يسير وقليل من العذاب، وقليل من العذاب. فهذا هو حاصل ما ذكره العلماء في أقسام الشفاعة: الشفاعات الخاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم: الشفاعة العظمى، والشفاعة لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة وتفتح لهم أبوابها، وشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب أن يخفف عنه العذاب. نكتفي بهذا، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا وإياكم بما تعلمنا، إنه ولي ذلك وقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.