الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 176، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يوضح الدرس كيفية الجمع بين الإيمان بالقدر خيره وشره وقول النبي صلى الله عليه وسلم "والشر ليس إليك"، مبيناً أن الشر يُنسب إلى مخلوقات الله وأفعال العباد لا إلى فعل الله تعالى. كما يبين أن ما يبدو شراً في ظاهره قد يكون خيراً وحكمة إلهية كما في قطع يد السارق أو ابتلاء العاصي ليتوب.
يشرح المقطع أن مشيئة الإنسان تابعة لمشيئة الله فلا يتحقق مراده إلا إذا شاءه الله، ويضرب أمثلة على ذلك كالسفر والزواج والرزق. ثم يذكر وصية الصحابي عبادة بن الصامت لابنه الوليد عند موته التي تضمنت أن طعم الإيمان لا يوجد إلا بعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ويسوق حديث أول ما خلق الله القلم.
يؤكد الدرس أن الإيمان له حلاوة وطعم لا يدركه إلا من أيقن بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، مستدلاً بحديث القلم وحديث ابن عباس، وهذا اليقين يورث الطمأنينة والرضا فيتحول البلاء إلى نعمة. ويختتم المتحدث بتفويض العلم المطلق لله تعالى والتوقف عند حد ما وصل إليه من فهم واجتهاد.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد، فما زلنا في حديث ابن عمر في رده على القدرية واستدلالهم بحديث أركان الإيمان، ومنها أن تؤمن بالقدر خيره وشره. هنا مسألة: كيف الجمع بين قوله "خيره وشره" وبين قول النبي صلى الله عليه وسلم معظماً لله ومثنياً عليه: "والشر ليس إليك"؟ فكيف الجمع بين هذين الحديثين؟ والجواب: أن إثبات الشر في القدر إنما هو بالإضافة إلى العبد، أي إلى مفعولات الله عز وجل، أي مخلوقات الله سبحانه وتعالى، فيضاف إليها الشر. أما في فعله سبحانه وتعالى فلا يضاف، فلا يضاف إلى فعله. فبالإضافة إلى الرب فكله خير وحكمة، وهو ليس من فعله، وإنما جعل ذلك في مخلوقاته ومفعولاته سبحانه وتعالى. مثال ذلك: على سبيل المثال قطع يد السارق. هذا القدر شر للسارق في نظره، لما تقطع يد السارق لا شك أن هذا السارق يرى أن هذا القطع شر بالنسبة له. هذا في نظره، لكنه خير وحكمة من الله عز وجل، فهو خير للسارق ولغيره. خير للسارق بإسقاط العقوبة عنه يوم القيامة، وعذاب الآخرة أشد وأبقى، فهي إذن أفضل وخير لهذا السارق أن يتطهر في الدنيا أو أن يعاقب في الآخرة. لا شك أنه الأول: أن يتطهر في الدنيا، فهذا خير له. أو ليس خير له؟ هذا خير له، وخير لغيره في حفظ الأموال، فمن تسول له نفسه أن يسرق فيعتبر بحال هذا السارق الذي قطعت يده. وهذه الحكمة من شرعية هذه الأحكام. مثال آخر: رجل أو شاب عاص، فبينما هو يمشي بسيارته تنقلب هذه السيارة، فتذهب هذه السيارة لشدة الحادث، وتنكسر رجله. فيعتبر هذا الرجل، فيرجع إلى الله ويتوب ويترك المعاصي. الآن هذا في ظاهره أن هذا الحادث شر لهذا الرجل، لكن فيه حكم عظيمة، ومنها توبة هذا الرجل ورجوعه إلى الجادة. وهذا معنى قول الله عز وجل: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. فقوله: "والشر ليس إليك" يعني ليس في فعلك. ففعل الله عز وجل كله خير وحكمة، كله خير وحكمة، وليس فيه شر. وأما حديث "أن تؤمن بالقدر خيره وشره" فنسبة الشر هنا إلى فعل العبد، أو إلى ما يضاف إلى العبد من أن يرى هذا القدر شراً له. وباختصار يعبر العلماء بذلك فيقولون: الشر ينسب إلى مفعولاته لا إلى فعله. ونراد بالمفعولات يعني المخلوقات، وهو يضاف إلى مخلوقاته ولا يضاف إلى فعله سبحانه وتعالى. وهنا أمر كذلك استشكل على بعض إخواننا، فسأل عنه بالأمس، وهو يريد توضيح أكثر في قولنا: أن العبد له مشيئة تابعة لمشيئة الله. فإيش معنى هذا الكلام؟ معنى هذا الكلام: أنني الآن مثلاً لو أردت أن أرفع هذه النظارة رفعتها. الآن أنا لي إرادة ومشيئة، المشيئة بمعنى الإرادة. لي مشيئة، أنا الآن أنني أخذت هذه النظارة. إذا لم يشأ الله لم أستطع أن آخذ هذه النظارة. فأخذ هذه النظارة قد شاءه الله قبل أن أشاءه وقبل أن أريده. طيب، أنت الآن تريد أن تصل إلى الشحر الساعة الخامسة عصراً. أنت تريد هذا، فحاولت تجهز نفسك، ترتب أمورك، تمشي، فإذا بالساعة الخامسة وأنت لازلت في الطريق. أنت شئت أن تصل الساعة الخامسة، لكن الله عز وجل لم يشأ لك ذلك، لأن مشيئتك تابعة لمشيئة الله. فأنت تريد شيئاً، فإذا شاءه الله حقق لك هذا الشيء وبلغته ووصلت إليه، وإذا لم يشأ الله عز وجل لك ذلك فإنك لن تصل إليه. وهذا معنى: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. فليس كل ما يريد العبد يحققه، وإلا كلنا نريد أشياء عجزنا عن الوصول إليها لأن الله عز وجل لم يشأ لنا ذلك. ربما العزب يقول: أنا أريد الزواج، يريد ذلك لكن ما شاء الله له ذلك بعد. الفقير يقول: أريد مال، ما يجد هذا المال الذي يرنو إليه ويحبه لأن الله عز وجل ما شاء له ذلك. الواحد منا يريد أن يسافر، يسعى ويكد لكن ما يحقق له ذلك. فالعبد مشيئته تابعة لمشيئة الله. إذا شاء الله عز وجل أن تتحقق هذه المشيئة التي أرادها العبد تحققت، وإذا لم يشأ الله عز وجل أن تتحقق هذه المشيئة التي أرادها العبد لم تتحقق. هذا معنى أن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله، وأن العبد له مشيئة لكنها ليست مستقلة. ليست هذه المشيئة مشيئة العبد مستقلة. هذا زيادة بيان لتتضح هذه المسألة. ثم قال المؤلف في سرده وذكره لأدلة الباب، باب ما جاء في منكري القدر، بعد ما ذكر حديث ابن عمر: "وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه قال لابنه". وجاءت رواية عند الإمام أحمد من طريق الوليد بن عبادة بن الصامت، يعني ابن عبادة بن الصامت الوليد، قال: دخلت على عبادة، أي على أبيه، وهو مريض أتحامل فيه الموت، يعني أرى أن الموت قد فجأه أو قرب منه. فقلت: يا أبتاه، أوصني واجتهد لي. يقول له هذا الابن، يقول لأبيه: أوصني واجتهد لي في هذه الوصية، يعني أعطني وصية جامعة مانعة، وصية مودع كما يقال. ووصية المودع يجتهد فيها الموصي اجتهاداً عظيماً لأنها آخر وصية. وبذلك جاء في حديث العرباض: قالوا يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا، فاجتهد لهم في الوصية، فأمرهم بتقوى الله والسمع والطاعة والتمسك بالسنة ونحو ذلك. فهنا الوليد يقول لأبيه: أوصني واجتهد لي. فقال عبادة: أجلسوني. فلما أجلسوه قال: يا بني، إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن أول ما خلق الله القلم" بالرفع ويجوز بالنصب، وسيأتي توجيه اللفظين. "إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب. فقال: ربي وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة. يا بني، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من مات على غير هذا فليس مني". والحديث يصححه العلامة الألباني عليه رحمة الله. وقال: وفي رواية لأحمد: "إن أول ما خلق الله تعالى القلم فقال له: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة". وقوله: "إنك لن تجد طعم الإيمان"، الإيمان له حلاوة وله طعم، أعظم وألذ مما يطعمه الإنسان في المأكلات والمشروبات، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً"، رواه مسلم من حديث العباس. فهذا الحديث دليل على أن الإيمان له حلاوة وله طعم يجده المؤمن في قلبه. فهذا الصحابي الجليل يقول لولده: يا بني، إنك لن تجد طعم الإيمان، لا يمكن أن تنعم بهذه النعمة وبهذه اللذة وهو طعم الإيمان، حتى تعلم. ومعنى "تعلم" أي تيقن وتعمل بما تيقن. العلم هنا بمعنى اليقين: أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، لأن الله عز وجل قدره عليك. فإذا أراد الله عز وجل نزول قدر إلى عبد من عباده لا يستطيع أحد من الخلق أن يصرف عن هذا العبد هذا القدر. لا يمكن أن يخطئ القدر هذا العبد، بمعنى لا يصل إليه. ما أصابك لم يكن ليخطئك لأن الله قدره لك. وما أخطأك لم يكن ليصيبك، يعني ما لم يصيبك من الخير مثلاً لم يكن ليصيبك لأن الله عز وجل لم يقدره لك. وهذا بمعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم لابن عمه ابن عباس: "واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك. رفعت الأقلام وجفت الصحف". فإذا أيقن العبد بهذا اطمأن قلبه، وطابت حياته، وسعد في دنياه، لأنه يعلم أن أمره إلى الله. مهما بذل من الأسباب ومهما حرص واجتهد فالأمر لله. فما أصابك لم يكن ليخطئك، فلِمَ تتحسر ولمَ تحزن؟ شيء ما أراده الله، قل: الحمد لله. ما أصابك لم يكن ليخطئك، لم يكن ليُزال عنك طالما أن الله عز وجل قدره عليك. وما أخطأك من سفر، من وظيفة، من آمال، من أي نعمة، إذا لم تنله، أمر قدره الله لك. ما أخطأك لم يكن ليصيبك، لا يمكن أن يصلك شيء لم يقدره الله لك. إذا هذه عقيدة عظيمة، من اعتقدها وعمل بها ذاق طعم الإيمان، فصارت النقم نِعماً في حقه لما يجد من الراحة والرضا والسكينة والطمأنينة ورفع الدرجات. وهذا معنى قوله: ﴿فَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾. والرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من الله فيرضى ويصبر، فيهدي الله قلبه بزيادة الإيمان وبحلاوة الإيمان. فهذا معنى قوله هذا. وبقية الحديث فيه فوائد ومسائل نأخذها إن شاء الله في دروس قادمة. وهنا والله تعالى أعلم.