الدرس في كتاب البيوع من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 24، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستهل الدرس ببيان أصل جواز الصلح بين المسلمين مستنداً إلى الحديث النبوي، مع اشتراط عدم تضمنه لتحريم حلال أو تحليل حرام. ثم يفصل في قسم «الصلح مع الإقرار» الذي يجري فيه حكم البيع، مستعرضاً صوره الأربع: الصلح بالعين، والعين بالدين، والدين بالعين، والدين بالدين المقبوض قبل التفرق، مع أمثلة تطبيقية لكل صورة.
يناقش المقطع شروط صحة الصلح في الديون، مؤكداً جواز الصلح بالعين أو بدين آخر بشرط حصول القبض قبل التفرق درءاً لربا النسيئة. كما يبيح الصلح بمنفعة معلومة المدة في عقار أو عمل، ويذكر صورة الوضع والتعجيل بأن يتفق الدائن والمدين على إسقاط جزء من الدين المؤجل مقابل تعجيل سداده.
يتناول المقطع مسألة «وضع وتعجيل» الدين بالتفصيل، حيث يتنازل الدائن عن جزء مقابل تعجيل السداد، ويسرد خلاف الفقهاء: فجوّزها ابن عباس وابن تيمية وابن القيم والمؤلف لنفع الطرفين وانتفاء الزيادة الربوية، بينما منعها المالكية والشافعية والظاهرية قياساً على ربا النسيئة. ويختتم بالإشارة إلى نوع خامس من الصلح (الصلح على الإنكار) ومسألة بيع السيارة ودينها.
يؤكد المقطع جواز الجمع بين الوضع والتعجيل في معاملة البيع بغض النظر عن مصدر التمويل، ويخلص إلى أن هذا الترتيب جائز شرعاً إن شاء الله.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى، الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله، في كتابه "منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين": قال النبي صلى الله عليه وسلم في باب الصلح: «الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحًا حرم حلالًا أو أحل حرامًا». رواه أبو داود والترمذي، وقال: حسن صحيح، وصححه الحاكم، وهو حديث صحيح أيضًا، وصححه الشيخ الألباني عليه رحمة الله. ومعنى قوله: «الصلح جائز بين المسلمين»، أي: يجوز لكل متخاصمين أن يصطلحا فيما بينهما. وهذه قاعدة عظيمة، وهي أن الأصل في الصلح الجواز، إلا صلحًا حرم حلالًا. ما معنى "حرم حلالًا"؟ يعني: يتفق المتخاصمان على تحريم حلال. مثاله: على سبيل المثال، امرأة صالحت زوجها ألا يطلقها، فهذا لا يجوز. اختصمت امرأة مع زوجها، قالت له: "أنا سأصطلح معك لكن بشرط: لا تطلقني أبدًا". هذا لا يجوز، لماذا؟ لأن هذا الشرط حرم حلالًا؛ الطلاق حلال، والله حرّم حلالًا. إذا كان خصوصًا لسبب، فهي بقولها هذا تحرم على زوجها الطلاق، سواء كان بسبب أو بغير سبب، وهذا لا يجوز. "أو أحل حرامًا": مثال ذلك، رجل صالح امرأة على مال كي تقر له بالزوجية. رجل طيب، هذه ليست زوجته، ليست زوجته. فاختصم معها: "أنا أريدك زوجة لي"، فقالت: "تمام، سأكون زوجة لك لكن بمقابل أن تعطيني مالًا، وأنا سأقول لهم: هذا زوجي". فهذا لا يجوز، لماذا؟ لأن هذا يحل حرامًا؛ هي لا تحل، ليست زوجة، فهو سيحل حرامًا. على هذا لا يجوز هذا الصلح. مثال آخر: اختصم هو وإحدى زوجاته، معه ثلاث أو ثنتان أو أربع زوجات، فاختصم هو وإحدى زوجاته، فقالت له: "أنا سأصطلح معك بشرط أن تطلق زوجتك تلك، الزوجة الثانية مثلًا". فهذا لا يجوز، لماذا؟ لأن هذا الصلح سيحرم حلالًا بغير سبب، فهذا لا يجوز. واضح هذا الآن؟ فلان اختصم هو أو فلان قال: "أنا ما سأصطلح معك حتى مثلًا تمكنني من زوجتك". هذا لا يجوز لأن هذا حرام، لأن هذا حرام، وهكذا غير ذلك من تلك الشروط التي تحرم حلالًا أو تحل حرامًا. فهذا معنى قوله: «الصلح جائز بين المسلمين». ثم ذكر المؤلف أن الصلح ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: الصلح مع الإقرار، ومثل له بأربع صور. القسم الثاني: الصلح على الإنكار، وهو المسألة الخامسة التي ذكرها المؤلف. طيب، نبدأ بذكر ما مثل به المؤلف في الصلح مع الإقرار، هذا كأمثلة. قال: "فإذا صالحه على عين بعين أخرى، أو بدين، جاز". اثنان مثلا اختصموا، صالحه على عين بعين، يعني: مثلا أبو طاهر عنده عشر أكياس من الأرز، فخذها مني طيب. فجاء الأجل أو قرب الأجل، فطالبته، فقال: "أنا ما عندي"، وبدأ الخصام بيني وبينه. طبعًا الصلح يكون قبل الحكم، إذا أمكن الصلح. حتى هذا في نظام الحكومة الآن: إذا صارت مشكلة بين اثنين يحاولون أولًا أن يصلحوا بينهما، فإذا تعذر الصلح رفعوا القضية إلى الحكم، إلى القضاء. عندنا الشرطة ثم النيابة، هذا كله مراحل صلح: الشرطة والنيابة. فإذا طلع الأمر إلى الحاكم القاضي، فهنا خلاص ما يكون هناك صلح، يكون هناك حكم. فالصلح يكون قبل الحكم. الآن اختصمت أنا وأبو طاهر، عنده عشر أكياس من أيش؟ من الأرز، طيب. فقال: "أنا ما عندي الآن الأرز، أنا عندي كيك جاهز، سأعطيك بدل من الأرز هذا". عين بعين، صح؟ الأرز عين، المراد بالعين: غير النقد، المال أو الدين، يعني شيء عين. قلت له: "خلاص، كم ستعطيني من الكيك؟" قال: "سأعطيك من الكيك مثلًا مئة حبة". قلنا: "خلاص، قبلنا". فهذا يجوز. الصلح على عين بعين: أخذ مني شاه، صالحته على أن آخذ بدلاً من الشاه تيسًا أو ضأنًا من الضأن. إذن هذه عين بعين، تمام. عين بعين: أخذ مني دراجة نارية، طيب. قلت: "إذن آتي بدراجتي". قال: "أنا أحتاجها"، إذن إيش الحل؟ قال: "معي ثنين مكيفات". قلت: "هاتين الثنتين مقابل الدراجة". إذا اصطلحوا على هذا، خلاص يصطلحون عليه، يجوز. عين بعين، واضح هذا الآن؟ أو بدين: يعني عين بدين. مثلا عندي سيارة لأبي طاهر، جاء يريد سيارته، قلت: "لا، أنا أحتاج لهذه السيارة، سأعطيك مقابل هذه السيارة خمسة عشر ألفًا سعودي بعد سنة". هذا يجوز؛ لأن حولت العين إلى دين. حولت العين إلى دين. إذ اصطلحنا على هذا ووافق الطرفان، فهذا لا بأس به، يجوز. واضح هذا معنى قوله: "فإذا صالحه على عين بعين"، تيس بشاه، أو تيس بضأن، هذا يجوز. أو عين بدين: سيارة أو أرز، قلت: "لا، أعطيك مال لمدة سنة، دين لمدة شهر، لمدة شهرين"، على ما يتفقان عليه، والصلح يكون بالتراضي، فهذا يجوز. هذا مثال وصورة من صور الصلح، لأن هذا النوع من أنواع الصلح وهو الصلح مع الإقرار، حكمه حكم البيع، تجري فيه أحكام البيع. طيب، فهنا ما في ربا ولا شيء، إذا كان عين بعين ما فيه ربا، لأن الصلح يكون فيه التنازل، يكون فيه التنازل عن شيء من الحق. طيب، وكذلك العين بالدين ما فيها ربا، يجوز هذا في البيع: أن تأخذ عينًا وأن يكون المقابل دينًا. تذهب الدكان، أريد حليب، إذا انتهى الشهر سأتيك بالمال، هذا ما فيه شيء، كما مر معنا في كتاب البيوع. طيب، فهذا النوع من أنواع الصلح وهو الصلح مع الإقرار، هذا حكمه حكم البيع، تجري عليه أحكام البيع. واضح هذا الآن؟ الصورة الثانية: قال: "وإن كان له عليه دين فصالحه عنه بعين، أو بدين قبضه قبل التفرق، جاز". ما معنى هذا؟ هذا المثال على شقين: الشق الأول: إن كان عليه دين، أنا الآن علي دين لأبي طاهر، عشرون ألفًا سعودي مثلًا. طالبني بها أبو طاهر، أنا الآن ما عندي عشرون ألف سعودي. قلت: "يا أبا طاهر، أنا معي سيارة، طيب، سأعطيك هذه السيارة مقابل دينك، مقابل دينك". فوافق، فصطلحنا على هذا، فهذا يجوز. هذا دين بعين. قال: "أو بدين قبضه قبل التفرق". إيش معنى "بدين"؟ يعني أن يعترف: "أنا أعترف بدين في ذمتي". مثل ما مثلنا الآن، كم؟ عشرون ألف سعودي، تمام. فأصالح أبا طاهر بشيء في ذمتي، بشيء في ذمتي. مثلا أقول له: "مقابل هذا الخمسة عشر ألف، خلاص، عندي سيارة أو عندي كذا وكذا أكياس من الأرز". فهنا يصلح الصلح، لكن بشرط أن يحصل القبض قبل التفرق. الآن نحن جالسون، تمام. قلت له: "خلاص، سيارتي خارج، سأعطيك مقابل هذا الدين السيارة". السيارة، قال: "خلاص، تمام". الآن ما قبض إلى الآن، صح؟ هذا يعتبر دين. جلسنا نتحدث، أو في الدرس ساعة، ساعتين، نصف ساعة. طيب، أراد أن يخرج أبو طاهر، أبو طاهر فيلزمني أن أعطيه مفتاح السيارة، خلاص، يعني أجعله يقبض السيارة. لماذا؟ لأنه لو ذهب، لو ذهب ولم يقبض السيارة، مفتاح السيارة، هذا صار دين بدين. صار دين بدين. لو سلمها مثلًا بعد يوم أو بعد شهر، قال لي: "خلاص، تمام"، ولو سلمتني إياها بعد شهر، أقول: "هذا ما يجوز". لماذا ما يجوز؟ لأن هذا سيكون كالبيع: الدين بالدين. حول الدين من مال إلى عين دون أن يقبض، فهو دين بدين. صح؟ وهل يجوز في البيع الدين بالدين؟ لا يجوز. فإذن هنا لا يجوز. فهذا معنى قوله: "أو بدين قابضه قبل التفرق". لابد أن يقبض هذا قبل التفرق. إذا كان دين بدين، لابد أن يكون قبل التفرق، ما يكون بعد التفرق، فلا يجوز. إذا كان عندي دين، أنا أقول: "لا، بطار، خلاص، حول هذا الدين إلى سيارة، سأعطيك تلك السيارة بعد أسبوع، بعد عشر أيام"، هذا لا يجوز، وإنما أعطيها قبل أن نتفرق. ومثل هذه المسألة اليوم من المسائل العصرية: ما يفعله بعض أصحاب المحلات، يكون عندي دين باليمني، مثلًا مئة ألف باليمني. طيب، فيقوم صاحب البقالة ويحول هذا المال إلى سعودي، هذا لا يجوز؛ لأن هذا أولاً فيه صرف، والصرف لا بد فيه من التقابض، ولم يكن تقابض هنا. طيب، والشيء الثاني: أن هذا فيه دين بدين، كالبيع الدين بالدين، وهذا كالصلح بينهما. لأن صاحب الدكان يقول له: ماذا يقول له؟ الآن العملة اليمنية تهبط، وأنت لو تأخرت علي ما ستأتي لي بقيمة هذا المئة ألف. فيحصل الخصام بينهما، فيريدان الصلح، فيصطلحان على هذا. هذا لا يجوز، لأن هذا صلح أحل حرامًا، هذا صلح أحل حرامًا. فتحويل العملة المختلفة دون القبض هذا من الربا، هذا من الربا. طيب، أيش الحل؟ الحل أنك تصبر عليه على هذه العملة، لا تحولها، تصبر عليه. هذا أمر. الأمر الثاني: إذا جاء ويريد يشتري منك، تبيع له بالسعودي من أول شيء، تقول له: "والله هذه السلعة تساوي باليمني مئة ألف، كم يساوي المئة ألف؟" ضربها، قال: "يساوي المئة ألف مئة وخمسين سعودي"، سأكتبه عليك مئة وخمسين سعودي. هذا يجوز، لأن من أول الأمر كان الشراء بالسعودي، كان الثمن سعودي، فهذا يجوز. طيب، وعند السداد يلزم المسدد أن يدفع القيمة التي عليه بالسعودي أو باليمني بالسعر الذي يساويه اليمني في وقت الدفع. مثلًا وقت الدفع: مئة وخمسين ما تساوي مئة ألف، ساوي مئة وعشرين، فيلزم المسدد أن يدفع كم؟ مئة وعشرين. تساوي ثمانين، ما تساوي مئة، يلزم المسدد أن يدفع كم؟ ثمانين. إذا أراد صاحب المحل باليمني، وإن أراد بالسعودي يذهب ويأتي له بالسعودي. واضح هذا الآن؟ فهذا معنى قوله: "وإن كان له عليه دين فصالحه عنه بعين"، هذا واضح، "أو بدين قبضه قبل التفرق". طيب، الحالة الثالثة في الصلح، وهو النماذج أو الأمثلة: "أو صالحه على منفعة في عقاره أو غيره معلومة". إيش معنى هذا الكلام؟ معنى هذا الكلام: كأن يطالبه بدين، عندي مثلًا عشرة آلاف لأبي طاهر، طيب، لأبي طاهر دين. فقلت: فقلت له: "خلاص، بدل من هذا الدين، أنا ما عندي مال، لكن عندي بيت، أسكن في بيتي سنتين أو ثلاث سنين، مقابل أن تسقط عني هذا الدين، كإيجار على هذا البيت". فهذا يجوز. صالحه على منفعة في عقاره، هذه الآن منفعة، والبيت عقار، تمام. فهنا يجوز، هنا يجوز، نعم. فصالحه أن يسكن في بيته، ويتفقان في أن لا بد يكون هناك اتفاق في المدة، ولذلك قال: "معلومة". يعني لا يجوز أن يقول له: "خلاص، اسكن في بيته"، ويسكت، لأن قد يأتي الخلاف مرة أخرى، فيسكن سنة، فيأتي صاحب البيت: "أخرج من البيت"، قال: "أنت ما حددت لي، أنا سأسكن عشر سنين، عشرين سنة". فأنتم هذا لا بد في مسألة العقار أن يكون هناك مدة معلومة، مدة معلومة. عشرة آلاف تسكن لمدة سنة، أو سنتين، ثلاثة آلاف تسكن لمدة ستة أشهر، مثلا، وهكذا يحدد. وأما قوله: "أو غيره"، يعني غير العقار، مثل على سبيل المثال: علي دين عشرة آلاف، طيب، فأنا قلت لأبي طاهر: "خلاص، أنا ما عندي عشرة آلاف، لكن أنت معاك ما شاء الله، ما أعمل، كيف سأعمل؟ عندك لمدة سنتين، عامل، عامل لمدة سنتين، مقابل أن تسقط عني هذا الدين". هذا مش عقار، هذا إجارة، صح؟ فهذا يجوز أيضًا. هذا معنى "أو غيره". أو يقول له: "على أن مثلًا تسقي إبلي"، عندي إبل، طيب، وأنا عندي عشرة آلاف، أقول له: "خلاص، سأسقي إبلك لمدة سنة، اشتغل في هذا الشغل أو نحو ذلك". فهذا أيضًا يجوز، لكن لابد أن تكون المدة معلومة. "أشتغل عندك يا بطار"، ما هو عشر سنين أو عشرين سنة، لا، الشيء الذي نتفق عليه نحدد الفترة، نحدد الفترة الزمنية. وهذا الآن، فهذا معنى قوله: "صالحه على منفعة في عقاره"، عقار مثل البيت، بدل المال هذا، أسكن في بيتي لمدة كذا وكذا، "أو غيره"، يعني مثل العمل، أو العمل مثلًا: تعمل عندي لمدة كذا من السنين أو من الأشهر أو نحو ذلك، على حسن ما يتفقان عليه. واضح هذا الآن؟ قال: "أو صالحه عن الدين المؤجل ببعضه حالًا". هذه تسمى عند العلماء مسألة "وضع وتعجيل"، يسمونها "وضع وتعجيل". صورتها: مثلا، صورتها: عشرة آلاف عندي لأبي طاهر، طيب. فجاء أبو طاهر، جاء أبو طاهر وقال: "أنا أحتاج العشرة آلاف". قلت له: "الله، أنا ما عندي". قال: "خلاص، روح دبر لي". طبعًا الأجل ما جاء بعد، الأجل لمدة سنة، طيب. اتفقت أنا وأبو طاهر لمدة سنة، عشرة آلاف سعودي. فمرت ستة أشهر، بقيت كم؟ ستة أشهر. فجاء أبو طاهر وقال: "والله، أنا أحتاج للمال، أريدك تعطيني المال". قلت له: "الله، الاتفاق بيني وبينك لمدة سنة، ما انتهت السنة، أنا معي حق"، صح؟ ما انتهت السنة. فأبو طاهر لأنه يحتاج إلى المال، قال لي: "خلاص، هاتي لي سبعة آلاف، وثلاثة آلاف لأن المدة لم تنته، وضعتها عنك، خلاص، عفوتك عنها". وهذا الآن يسميها العلماء "وضع وتعجيل". "وضع" بمعنى ماذا؟ تنازل عن بعض المال الذي لك، ضعه، تنازل عنه. "وتعجيل" بمعنى: سأعجل لك الوفاء بالقضاء، سأعجل لك الوفاء بالقضاء. وهذه المسألة اختلف فيها الفقهاء: هل تجوز أو لا تجوز؟ طبعًا المؤلف هنا ذهب إلى أنها تجوز، لأنه قررها في هذا الموضع، قررها في هذا الموضع. القول الأول: أنها جائزة، وهو قول المؤلف هنا، وهو قول ابن عباس، حيث أنه سئل عن الرجل يكون له الحق على الرجل إلى أجل، فيقول: "عجل لي وأضع عنك". هكذا ورد السؤال على ابن عباس رضي الله عنه: رجل له حق على رجل إلى أجل، إلى فترة معينة، لم ينقض الأجل بعد، فيأتي هذا الرجل صاحب المال ويقول لصاحبه، من عنده الدين: "عجل لي وأضع عنك"، يعني: وخفض لك المبلغ الذي عندك، بدل عشرة جعله سبعة، وثلاثة، خلاف مسامح فيها. طيب، فماذا قال ابن عباس؟ فقال: "لا بأس"، أفتأ بجوازها. وهذا أيضًا مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم عليهما رحمة الله. الحمد لله، أعدكم الله. وقالوا: "لا محذور شرعي في هذا التصرف، ما يوجد هناك محذور شرعي". لماذا قالوا ذلك؟ لأن الأجل حق للمدين، المدين يعني: الذي أخذ الدين يسمى مدينًا، وقد أسقطه برضاه، أسقطه بماذا؟ برضاه. والمدين الذي أعطى المال هذا هو المدين، الذي له الحق. طيب، الذي له الحق أساس أنه إلى سنة، فأسقطه برضاه. والدين حق للدائن، وقد أسقط جزءًا منه برضاه. الدائن صاحب المال، المدين الذي أخذ المال، الذي عليه المال، هذا المدين، وله أجل سنة، فهو تنازل عن أيش؟ أسقط حقه من الأجل، بدل ما يسكن على ستة أشهر. والدائن وهو الذي أعطى المال، أسقط حقه وهو بعض هذا المال. فكل واحد أسقط حقه، فلا يوجد فيه محذور شرعي، لا يوجد فيه محذور شرعي. وفيه نفع للطرفين، هذه المسألة "وضع وتعجيل" فيها نفع للطرفين، فيه مصلحة للمدين فيخفف عنه من دينه، بدل عشرة صارت كم؟ سبعة، وصاحب الدين يأخذ حقه قبل وقته، هو محتاج الآن إلى المال. طيب، ويعني الشارع له تطلع إلى براءة ذمم المكلفين من الديون، فكل واحد ستبرأ ذمته، ستبرأ ذمته. فأيش المحذور الشرعي في هذا؟ قالوا: "لا محذور في ذلك". فجوز هؤلاء العلماء. والقول الثاني: أن ذلك لا يصح، وهو المشهور من مذهب المالكية والشافعية والظاهرية. قالوا: هذا لا يجوز، لماذا قالوا؟ قياسًا على تأجيل الدين الحال مقابل الزيادة. يعني: تقدم معنا في باب البيوع، لو عندي دين، فجاء الأجل، جاء أبو طاهر قال: "إما أن تقضي، وإما أن تربي". هذا لا يجوز، إما أن تقضيني الآن، وإلا العشرة هذا شفها عليك بـ 11 أو بـ 12. هل هذا يجوز؟ هذا لا يجوز، هذا ربا الجاهلية، كما مر معنا: "إما أن تقضي وإما أن تربي". صح؟ فقالوا: هذه المسألة شبيهة بتلك المسألة، قياسًا على تأجيل الدين الحال مقابل الزيادة عليه. أيش الجامع في القياس؟ قالوا: بجامع المعاوضة عن الأجل. يعني: لماذا ذاك رفع عوضًا عن أن الأجل جاء وما سدد اللي عليه؟ وهذا نفس الشيء، أيش الذي جعل صاحب الدين يخفض؟ عوضًا عن الأجل، لأن الأجل صار قليلاً، يعني صار ليس كالمتفق عليه. قالوا: إذن ما نزل إلا عوضًا عن، يعني: تقديم الأجل، تقديم الأجل. لكن رد عليهم ابن القيم وقال: هذه الصورة صورة تعجيل، صورة "وضع وتعجيل"، عكس الربا، عكس الربا. فإن الربا يتضمن الزيادة في أحد العوضين، يلتزم، يستلزم الزيادة. طيب، أو يتضمن الزيادة. أما هذه الصورة وهي "وضع وتعجيل"، ما فيها زيادة، إنما فيها نقصان، إنما فيها نقصان. فالأقرب والله أعلم: القول الأول، أن هذه الصورة جائزة، أن هذه الصورة جائزة، وهي فتوى ابن عباس، وحسبك به في الفقه، وكذلك العلم، فالله أعلم. هذه المسألة تختلف عن مسألة تأجيل الدين بزيادة، تأجيل الدين بزيادة، نعم. وأما المسألة الخامسة، فهذا النوع الثاني من أنواع الصلح، وهو الصلح على الإنكار، وهذه المسألة إن شاء الله نؤجلها إلى الدرس القادم لانتهاء الوقت. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم. طبعًا يصير دين، يعني هو لآن صار السيارة في ذمته الآن، إلى الآن لم يسلم السيارة، ما يعد بيع، هذا البيعان بالخيار ما لم يتفرقا. هم لم يتفرقا الآن، ما زالوا في مجلس البيع، صح؟ فهنا الآن اعتبر دين، يعني لو جلسوا مثلًا يوم كامل، جلسوا في الغرفة، أو باتوا في الغرفة، ما تفرقوا، ساعة، ساعتين، ثلاث ساعات، أربع ساعات، الآن الاتفاق قد تم، أليس هذا دين؟ هذا دين. الاتفاق قد تم، خلاص، أنا بدأ العشرة، هذا سأعطيك سيارة، وين السيارة؟ هذا ما قبضت السيارة، ما أعطاني المفاتيح. فهمت؟ ما أعطاني المفاتيح وما ملكني السيارة، إنما قال: "خلاص، سأعطيك بدلاً من السيارة". هنا لا يجوز أن يتفرقا، ها، ولم يسلمه السيارة، لابد ما يخرج حتى يسلمه السيارة. هذا دين يعتبر، ولو كان لحظة يسيرة، فهو دين، لأن البيع لم يتم بعد. نعم، الله أعلم. "وضع، وضع وتعجيل": "وضع" يعني أسقط جزءًا من الدين، ضعه، أسقط جزءًا. هي عشرة، أسقط ثلاثة آلاف، وتعجل: بدلاً من انتظرك سنة، خلاص، الآن ستة شهور، تعطيني سبعة آلاف، وخلاص انتهينا. فهمت؟ يعني: لما أنا خذت سنة، وخدت سنة، آيا، بعد أن أعطيك، ثم ألف، وقال: "لفرق"، يعني: لفرق مشكلة، حفظًا، كيف كيف يعني؟ نهد الآن بيني وبينك سنة، سنة، أنا خذت من، خلاص، شيء، آيا، بعد أن أعطيت، نبلغ، وقد دخل، وقد دخل، وقد دخل، وقد دخل، وقد دخل، وقد دخل، نفسها حافظ، يعني حافظ، أيوه، نفسها هذه. اشتريت من الأرضي مثلًا ثلاجة، قسط، تمام، لمدة سنة. فجيت وقلت له: "خلاص، أنا سأعطيك"، مضت ثلاثة أشهر، أربعة أشهر، قد، سأعطيك المبلغ كامل، لكن بغيرك تنقصني من المبلغ، لأنني سأقدم الأجل. لا بأس، نفس الطريقة، "وضع وتعجيل"، "وضع وتعجيل". ذاك إذا وافق، قال: "الله، خلاص، تمامًا، لكني أحتاج المال". نفس الطريقة، سواء كان من هذا أو من ذاك. نعم، "وضع وتعجيل" جائزة إن شاء الله.