الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 180، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يوضح المقطع أن الإحسان هو عبادة الله كأنك تراه، وهي أعلى مراتب الإيمان التي تتحول فيها الغيبيات إلى يقين قلبي يجعل العبد يستحضر عظمة الله في كل عمل. وتتحقق هذه المرتبة بنور الإيمان وقوة اليقين دون حاجة إلى رؤية بصرية.
يفصل المقطع درجتي الإحسان: مقام المشاهدة (عبادة الله كأنك تراه) ومقام المراقبة (استشعار اطلاع الله الدائم)، ويبين كيف يدفعان المؤمن لإتقان الطاعات واجتناب المحرمات في السر والعلن. ويضرب مثال الأجير الذي يحسن عمله تحت مراقبة سيده لتوضيح أثر العلم بقرب الله.
يؤكد المقطع أن استحضار مراقبة الله هو أساس الإخلاص في العبادة وطلب العلم، ويمنع الالتفات لغير الله، مستعرضاً ركن الإحسان الجامع بين المشاهدة والمراقبة. ويختتم بقصة يوسف عليه السلام والراعي الذي امتنع عن الكذب لخوفه من مراقبة الله، مظهراً كيف تنجي المراقبة من المعصية.
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. أما بعد، فيقول العلامة حافظ حكمي رحمه الله تعالى في كتابه أعلام السنة المنشورة: السؤال الستون بعد المئة: ما هو الإحسان في العبادة؟ بعدما ذكر المؤلف رحمه الله أدلة الإحسان، عطف ذلك بذكر تعريف الإحسان. قال: الجواب: فسره النبي صلى الله عليه وسلم في حديث سؤال جبريل، لما قال له: «فأخبرني عن الإحسان»، قال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». هذا قد تقدم معنا في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. قال: فبين صلى الله عليه وسلم أن الإحسان على مرتبتين متفاوتتين، أعلاهما عبادة الله كأنك تراه، وهذا مقام المشاهدة، وهو أن يعمل العبد على مقتضى مشاهدته لله تعالى بقلبه، وهو أن يتنور القلب بالإيمان وتنفذ البصيرة في العرفان حتى يصير الغيب كالعيان، وهذا هو حقيقة مقام الإحسان. كلام جميل وكذلك رزين في معنى هذا المقام وهذه المرتبة من مراتب الإحسان، وهو مرتبة المشاهدة في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أن تعبد الله كأنك تراه». «أنك تراه» وهو أن يعمل العبد على مقتضى مشاهدته لله تعالى بقلبه، لأن مشاهدة الله عز وجل في الدنيا لا محالة لا أحد يرى ربه سبحانه وتعالى في الدنيا، كما قال الله عز وجل لنبيه موسى: ﴿ لن تراني ﴾. نعم، فالمراد أن تعبد الله كأنك تراه، أي ما يكون في قلب المؤمن من الإيمان بأن كل ما أخبر به الله أو أخبر به نبيه صلى الله عليه وسلم صار بالنسبة له كأنه مشاهد بالعين، كأنه مشاهد بالعين، فكأنه ينظر إلى الملك العظيم جل وعلا وهو مستو على عرشه، وأمره نازل إلى خلقه فيأمر وينهى ويتكلم ويرفع قوما ويضع آخرين ويحيي ويميت ويدبر، فكأن هذا العبد الذي وصل إلى هذه المرتبة يشاهد ذلك كله، يشاهد ذلك كله. وهذا مقام تقريب وتشبيه، مقام تقريب وتشبيه، فلا أحد يرى الله في الدنيا ببصره، أما رؤية القلب فكذلك لا أحد يرى الله بقلبه إلا ما وقع لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء والمعراج. ولكن المراد بقوله -كما تقدم- «أن تعبد الله كأنك تراه» هو ما يكون في القلب من قوة الإيمان بما وعد الله سبحانه وتعالى، فلما يصلي العبد يعلم أن هذه الصلاة يحبها الله وأراد منه أن يتقنها وأن يؤديها كما أراد الله، فهو يقبل على الله في هذه الصلاة حتى كأنه يرى ربه سبحانه وتعالى وهو ينظر إليه. «أن تعبد الله كأنك تراه» أي كأن هذا العبد يرى ربه سبحانه وتعالى، فهذا معنى قوله: «وهو أن ينور أن يتنور القلب بالإيمان وتنفذ البصيرة في العرفان». ومعنى «تنفذ البصيرة في العرفان» أي يعرف ما أراد الله سبحانه وتعالى منه، ويعرف أن وعد الله سبحانه وتعالى حق، فبمقتضى هذه المعرفة يحسن في عبادته لربه، ولذلك قال: «حتى يصير الغيب كالعيان»، يعني كأنه يرى ما أخبر الله عز وجل به من أمور الغيب، وهذا لقوة يقينه وإيمانه، فلما يجاهد وكأنه يرى الجنة أمامه، كأنه يرى الجنة أمامه، ولما يصلي كأنه يرى كذلك ما وعد الله المصلين أمامه من جنات النعيم وفيها من نعيم مقيم، فهذا معنى قوله: «حتى يصير الغيب كالعيان». وهذا هو حقيقة مقام الإحسان، فمن عبد الله عز وجل، من عبد الله عز وجل كأنه يرى ربه سبحانه وتعالى ويرى ما أعد ووعد ربه سبحانه وتعالى المطيعين، فهذا لا شك أنه سيحسن في عبادته، وهذا هو المطلوب من العبد عند قيامه بالعبادة سواء كان من فعل المأمور أو من ترك المحظور، حتى المحظور لما تترك الحرام تستشعر أن الله أنك ترى الله سبحانه وتعالى، وأنك إذا عصيت الله لربما حرمت من نعيم الجنة، من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة، لم يشربها في الآخرة، فأنت عندما تترك الحرام توقن بما أعد الله عز وجل لمن ترك الحرام من أجله سبحانه وتعالى، فهذا هو مقام المشاهدة: أن تعبد الله كأنك ترى، كأنك تشاهد الله سبحانه وتعالى، ولا أحد يرى الله، لكن قلنا إنما ذكر ذلك على سبيل التقريب والتشبيه. ثم قال: الثاني مقام المراقبة، وهذا في قوله عليه الصلاة والسلام: «فإن لم تكن تراه فإنه يراك». الله عز وجل مطلع على جميع خلقه، فمن استشعر هذا المقام راقب الله، إذا استشعرت في كل فعل وفي كل ترك أمر أن الله يراك، هذا يدعوك إلى ماذا؟ يدعوك إلى الإحسان، ويدعوك إلى أن تراقب الله سبحانه وتعالى. ولله المثل الأعلى: لو أنك استأجرت أجيرا، استأجرت أجيرا يعمل عندك في البيت، ثم اتفقت معه على أن في اليوم تعطيه عشرين ألفا على أن يعمل من الساعة السادسة إلى الساعة الثانية عشر، فإذا غبت عن هذا العامل لم يراك هذا العامل، لربما تكاسل في العمل ولم يحسن عمله، لم يحسن عمله لأن لا أحد يراقبه، لكن إذا كنت أمامه جالس، هو يعمل وأنت عنده فهو يراك، أي تقصير منه سيعلم أنك ستنهره وأنك ستلومه، ولربما تطرده من العمل، تطرده من العمل، فلا شك أنه سيحسن، لا سيما إذا كان هذا الشخص لو غبت عنه ما يخاف الله ولا يراقب الله وإنما يراقب الخلق، فهنا لربما يقصر في عملك إذا لم تكن أمامه، لكن إذا كنت أمامه سيحسن العمل، سيحسن العمل ولا يفرط ولا يقصر. فهكذا من عبد الله عز وجل بمقام المراقبة فإنه يراقب الله، إذا تصدق فإنه يراقب الله في تلك الصدقة ولا يوقعها إلا في موقعها، إلا في موقعها، ولا يراء فيها ولا يبتغي بها غير الله لأنه يراقب الله سبحانه وتعالى، وهكذا إذا وقف المسلم بين يدي ربه يصلي فإنه يراقب الله فيبتعد عن كل ما يخدش في صلاته أو ينقص فيها فيحسن هذه الصلاة، وهكذا في ترك المحرمات خصوصا في الخلوات، فإنه إذا حدثته نفسه أن يرتكب أمرا محرما وأن ينتهك حرمة من حرمات الله، علم أن الله سبحانه وتعالى يراقبه وأن الله يراه، فهذه المراقبة وهذا الاستشعار يمنعه من ارتكاب هذا المحرم ومن انتهاك هذه الحرمة. فهذا معنى مقام المراقبة: أن يعمل العبد على استحضاء مشاهدة الله إياه واطلاعه عليه وقربه منه، فالله سبحانه وتعالى لا تخفى عليه من عباده خافية، كما قال الله عز وجل: ﴿ إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿ ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ﴾. فالله قريب من عباده مطلع عليهم مراقب لجميع حركاتهم وسكناتهم، فمن استشعر ذلك منعه هذا الاستشعار من ارتكاب المحرم. قال: فإذا استحضر العبد هذا في عمله وعمل عليه فهو مخلص لله تعالى، لأن استحضاره ذلك في عمله يمنعه من الالتفات إلى غير الله تعالى وإرادته بالعمل، وهذا معلوم، فمن راقب الله واستحضر أن الله مطلع عليه فهو يستحي من خالقه، يستحي أن يقف بين يديه يصلي وهو يسبح في وديان الدنيا من مشروع إلى آخر ومن كذلك أمر دنيوي إلى آخر، فلا يليق بالمسلم الذي يعلم أن الله يراه أن ينشغل في صلاته بغير الإقبال على خالقه سبحانه وتعالى، فلا يلتفت إلى غيره، وهكذا في غيرها من العبادات. أنت في طلبك للعلم تحتاج إلى استحضار مراقبة الله عز وجل لك، وأنك تطلب العلم لا رياء ولا سمعة ولا لتجاري به السفهاء ولا لتماري به السفهاء وتجاري به العلماء، وإنما تطلب العلم مخلصا لله عز وجل من أجل أن ترفع الجهل عن نفسك وترفع الجهل عن غيرك، من أجل أن تزكي نفسك، من أجل أن تصل إلى جنة ربك، ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة. فهذه معاني جليلة، وهذا هو ركن الإحسان، يجتمع فيه للمؤمن بين مرتبتي المشاهدة والمراقبة. المشاهدة: هذا ما يصل به إلا القليل من عباد الله سبحانه وتعالى، حتى الشيخ صالح سندي رحمه وحفظه الله شارح هذا الكتاب، لما وصل إلى هذا المقام مقام المشاهدة قال: نستغفر الله أن نتحدث عن شيء ما شممنا له رائحة، يعني مقام المشاهدة، قال: نستغفر الله أن نتحدث عن شيء ما شممنا له رائحة، وإنما هو كلام العلماء الذين ننقله حتى لا يظن الظان أن المتحدث إليكم ما شاء الله قد بلغ منزلة رفيعة وقد وصل إلى مرتبة المشاهدة، لا، هذا الأمر لا يصل إليه إلا القليل من عباد الله سبحانه وتعالى. نعم، فينبغي للمسلم أن يستشعر هذه المعاني في سيره إلى الله سبحانه وتعالى، فهذا الركن من أركان الدين من أعظم الأركان، كما تقدم معنا في الدرس الماضي. قال: ويتفاوت أهل هذين المقامين بحسب نفوذ البصائر، ومعنى ذلك أن إخلاص العبد يكون بحسب استحضار العبد لمراقبة الله، كلما كان العبد أكثر مراقبة لله عز وجل كان أكثر إخلاصا لله سبحانه وتعالى، فالقيام بهذا الركن العظيم من أعظم أسباب الإخلاص لله سبحانه وتعالى، لأنك تعمل لله يتعلق قلبك بالله لا تنظر إلى الخلق، دائما وأنت تنظر إلى السماء، وأنت تنظر إلى السماء. وقد مر بنا أثر في بعض الدروس أن ابن عمر جاء إلى راع يرعى الغنم، فقال له: أعطني غنمة من هذه الأغنام، قال: هذه الأغنام ليست لي وإنما لسيدها، ما أنا إلا راع، فقال له ابن عمر: وأين سيدك لا يراك؟ أعطني إياه وقل له: أكلها السبع، أكلها الذئب، فقال هذا الراعي: فأين الله؟ فأين الله؟ فولّى ابن عمر وهو يقول: فأين الله؟ فأين الله؟ ثم أن ابن عمر سأل عن هذا الراعي فإذا هو مولى من الموالي، فأعتقه واشترى له هذه الأغنام وأعطاها إياه، وأعطاها إياه. فانظروا إلى كيف أن هذا الراعي استشعر أن الله عز وجل يراه. نعم، قد السيد إذا كذب عليه وقال له: أكلها السبع، يعذره لأن هذه الأغنام مظنة أن تهجم عليها السبع، لكن هذا الراعي تذكر أن الله عز وجل يعلم بالحقيقة، وأن هذا الأمر ليس كما ذكر، فعبد الله عز وجل بالمراقبة، فحجزته هذه المراقبة عن فعل ذلك الجرم وذلك الذنب. فهكذا ينبغي للمسلم، وقد جاء في كتاب الله عز وجل في ذلك قصص كثيرة، منها قصة نبي الله يوسف عليه السلام لما راودته امرأة العزيز، فقال: ﴿ معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون ﴾، ﴿ ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه ﴾، هذا هو المراقبة لله عز وجل، وما وقر في قلبه من تعظيم الله ومن مراقبة الله سبحانه وتعالى. فإذا رب المسلم نفسه على هذين المقامين وهاتين المرتبتين نجى بإذن الله من الوقوع في المعاصي والمحرمات، وأحسن بإذن الله عز وجل عبادة ربه بأداء الواجبات. طيب، نكتفي اليوم بهذا، وإلى هنا والله تعالى. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر