باب التوبة من رياض الصالحين 13

باب التوبة من رياض الصالحين 13

الدرس في باب التوبة من رياض الصالحين 13، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

ضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر ويدخلان الجنة

يروي الحديث قصة رجلين كانت بينهما عداوة فقتل الكافر المسلم، ثم تاب القاتل وأسلم واستشهد فدخلا الجنة معاً، ويبين أن ضحك الله تعجباً من زوال العداوة والغل من قلبيهما لتصبح قلوب أهل الجنة طاهرة متحابة.

التوبة تمحو ما قبلها وتبدل السيئات حسنات

يوضح المقطع أن الإسلام يهدم ما قبله، وأن الله يتوب على الكافر إذا تاب وآمن وعمل صالحاً فيبدل سيئاته حسنات كما في سورة الفرقان، ويؤكد أن المؤمن أحق بهذه المكرمة فيجب عليه المبادرة بالتوبة.

دعوة الله للتوبة في القرآن وفضلها على المشركين والكفار

يستعرض آيات قرآنية تدعو اليهود والنصارى ومن فتنوا المؤمنين إلى التوبة، مبيناً أن الله يقبل توبة من تاب مهما عظم ذنبه وأن التوبة تهدم ما قبلها، ويختتم ببيان فضل الله ورحمته في قبول التوبة معلناً الانتقال إلى باب الصبر.

  • 18 جمادى الآخرة 1447هـ - 08/12/2025مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه "رياض الصالحين"، في باب التوبة، الحديث الثاني عشر: وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يضحك الله سبحانه وتعالى إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر، يدخلان الجنة؛ يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل، ثم يتوب الله على القاتل فيسلم فيستشهد». متفق عليه. ومعنى الحديث: من صفات الله عز وجل الفعلية التي تليق بجلاله عز وجل صفة الضحك، فالله عز وجل يضحك إلى هذين الرجلين، وسبب ضحك الله عز وجل أنه كان بينهما تمام العداوة؛ فهذا في صف المسلمين، وهذا في صف المشركين، حتى أنه من شدة العداوة بينهما أن قتل أحدهما الآخر، قتل الكافر المسلم، ثم أذهب الله عز وجل هذه العداوة التي في قلب كل واحد منهما، وأزال ما في نفوسهما من الغل؛ لأن أهل الجنة يطهرون من الغل والحقد، فإذا دخلوا الجنة لا يكون في قلب أحدهم حقد أو غل أو شحن أو بغض لأخيه الذي هو معه في الجنة، كما قال الله عز وجل: ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾، وكما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ﴾. فهذا هو وجه العجب من هذين الرجلين. وفي هذا الحديث، وهو موطن الشاهد، أن الكافر إذا تاب من كفره، ولو كان قد قتل أحداً من المسلمين، فإن الله تعالى يتوب عليه؛ لأن الإسلام يهدم ما قبله. ففي هذا كرم الله وفضل الله ورحمة الله بعباده، مهما فعل الإنسان في جاهليته، في كفره، في كذلك جهله من المعاصي والذنوب، فإذا رجع إلى الله عز وجل وتاب إلى الله، فإن الله عز وجل يتوب عليه. وفي القرآن مواضع كثيرة يدعو ربنا سبحانه وتعالى الكفار الذين أشركوا به، والذين جعلوا معه إلهاً آخر، ومع هذا دعاهم إلى التوبة، وأنهم إذا تابوا تاب الله عليهم، بل بدل سيئاتهم حسنات، كما في قول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾. فماذا بعد هذا يا عباد الله؟ فهذا إذا كان الكافر يبدل الله عز وجل سيئاته حسنات إذا تاب، أليس المؤمن أحق بهذه المكرمة من الله عز وجل؟ فيبادر إلى التوبة والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى. وهكذا من الآيات التي دعا فيها ربنا عز وجل من جعل معه إلهاً آخر، في قوله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾... وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم وهو يبين ما يقوله اليهود والنصارى: ﴿قَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾... ﴿قَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۚ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾، ثم قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ﴾، دعاهم إلى التوبة وهم جعلوا معه إلهاً آخر. وكذلك الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات في دينهم، وخدوا لهم الأخدود، وأضرموا فيها النيران، وعذبوهم فيها، دعاهم ربنا عز وجل إلى التوبة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾، في قوله: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ يعني: إذا تابوا رفع الله عز وجل عنهم هذه العقوبة. فهذه دعوة إلى التوبة. وفي قول الله عز وجل: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾. آيات كثيرة يدعو فيها ربنا سبحانه وتعالى أهل الشرك وأهل الكفر إلى التوبة إليه. فهذا من فضل الله، ومن كرم الله، ومن كذلك رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده، أنه يتوب على من تاب، وأن الإسلام يهدم ما قبله، وأن التوبة تهدم ما قبلها. ففيه دعوة إلى التوبة، مهما فعل الإنسان، ومهما أكثر على نفسه من العصيان، فإنه إذا تاب تاب الله عليه. وبهذا نكون قد انتهينا من باب التوبة، وإن شاء الله في الدرس القادم نبدأ في باب الصبر. إلى هنا، والله تعالى، شكراً للمشاهدة.