التعليق على تقريب التدمرية 82

الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 82، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

الرد على المحتجين بالقدر على فعل الذنوب

يرد المؤلف على من يحتج بالقدر على فعل الذنوب والمعاصي، موضحا أن القدر ليس حجة على مخالفة الشرع. تارك الواجب وفاعل المحرم يقدم على ذلك باختياره.

تناقض المحتجين بالقدر في المواقف المختلفة

يتناول تناقض الناس في احتجاجهم بالقدر، حيث يرفضون الاحتجاج به عند ظلمهم، بينما يحتجون به عند وقوعهم في الذنوب. يشرح قصة جبرِي غلا وتوبته بعد إقامة الحجة عليه.

الفرق بين المشيئتين الكونية والدينية

يشرح الفرق بين مشيئة الله الكونية التي لا يخرج عنها أحد ومشيئته الدينية. يبين أن إخبار الله بشرك المشركين هو تسلية لرسول الله وليس إقرارا لهم.

بطلان الاحتجاج بالقدر على المعاصي

يشرح معنى مشيئة الله الكونية والاحتجاج بها على فعل المعاصي، ويبين بطلان هذا الاحتجاج. يستدل بآيات القرآن وشرح الحديث النبوي حول محاجة آدم وموسى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال مؤلف رحمه الله تعالى: وأما النظر، فمن أدلته هنا سقطت الميم في قوله «فمن أدلته»، سقطت الميم في هذه النسخة، تصحيحا «فمن أدلة»، «فمن أدلة». واحد: أن تارك الواجب وفاعل المحرم يقدم على ذلك باختياره، لا يشعر أن أحدا أكرهه عليه، ولا يعلم أن ذلك مقدر، لأن القدر سر مكتوم، فلا يعلم أحد أن شيئا ما قدره الله تعالى إلا بعد وقوعه، فكيف يصح أن يحتج بحجة لا يعلمها قبل إقدامه على ما اعتذر بها عنه؟ ولماذا لم يقدر أن الله تعالى كتبه من أهل السعادة، فيعمل بعملهم، دون أن يقدر أن الله كتبه من أهل الشقاوة ويعمل بعملهم. إثنان: أن إقحام النفس مأثم، ترك الواجب وفعل المحرم ظلم لها وعدوان عليها، كما قال الله تعالى عن المكذبين للرسل ﴿وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم﴾، ولو أن أحدا ظلم المحتج بالقدر على مخالفته، ثم قال: ظلم إياك كان بقدر الله، لم يقبل منه هذه الحجة، فكيف لا يقبل هذه الحجة بظلم غيره له، ثم يحتج بها بظلمه هو لنفسه. ثالثا: أن هذا المحتج لو خير في السفر بين بلدين، أحدهما بلد آمن مطمئن في أنواع المآكل، أو أنواع المآكل والمشارب والتنعم، والثاني بلد خائف قلق فيه أنواع البؤس والشقاء، لاختار السفر إلى البلد الأول، ولا يمكن أن يختار الثاني محتجا بالقدر، فلماذا يختار الأفضل في مقر الدنيا، ولا يختاره في مقر الآخرة؟ ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الموضع الأدلة من النظر والواقع، ألا تدل على أن القدر ليس حجة على مخالفة الشرع؟ فالذي يخالف الشرع ويقع في الذنوب والمعاصي، ثم يحتج بالقدر، لا حجة له في ذلك، تقدم ذكر الأدلة من الكتاب والسنة، وهنا ذكر أدلة النظر والواقع. فذكر رحمه الله تعالى أن تارك الواجب وفاعل المحرم يقدم على ذلك باختياره، هل هناك من أجبره على ترك الواجب؟ وهل هناك أحد أجبره على فعل المحرم؟ هو يشعر بذلك في قرارة نفسه، وهذا لا ينكره إلا مكابر، من قال: أرى أن هناك من يجبرني على فعل المحرم أو ترك الواجب، هذا مكابر وكذب، هو يشعر ويستيقن أنه لا أحد يجبره لا على ترك واجب ولا على فعل محرم. وهكذا كذلك حين يقول: إذا فعل الذنوب والمعاصي، هذا مقدر علي، ما الذي أعلمه أن هذا مقدر عليه؟ نعم، إنما علم ذلك بعد وقوعه، وقع في الذنب وقع في المعصية، ثم قال: هذا مقدر علي، لكن قبل أن يفعل الذنب والمعصية، هل هو يعلم أن هذا مقدر عليه؟ لا، وإنما استدل بهذا القدر بعد فعله الذنب والمعصية، فقال: هذا مقدر علي، فإذن إنما هو علم ذلك بعد وقوعه في الذنب والمعاصي، علم أن هذا مقدر عليه. فكيف يصح أن يحتج بحجة لا يعلمها قبل إقدامه، قبل أن يفعل الذنب والمعصية؟ نعم، لا يعلم أن المعصية مقدرة عليه، أي: فعل المعصية قبل أن يقدم عليها، فكيف يستدل بأنها مقدرة عليه؟ نعم، هل قبل أن يفعلها علم أنها قد قدرت عليه؟ ففعلها مثل إنسان علم أن هذه المعصية التي سيفعلها مقدرة عليه، والتي سيفعلها والآن ما فعل المعصية، نعم، هل يعلم أنها مقدرة عليه؟ لو علم أنها مقدرة عليه، نعم. أقول: طيب الآن عملتها، وما عملتها إلا بعد علمك أنها قد قدرت عليك، وهذا لا يمكن، ما هذا؟ اطلع على اللوح المحفوظ؟ هل اطلع على اللوح المحفوظ وعلم أن معصية قد قدرت عليها وقد كتبت عليها أنه يفعلها أبدا؟ وإنما عمل المعصية، ثم قال: قدرت علي، أما قبل وقوعه، لا علم عنده بأنها قد قدرت عليه، فلا حجة له إذا فعلها بأنها قد قدرت عليه، لأنه لم يعلمها أنها قدرت قبل الوقوع في المعصية، وإنما علمها بعد وقوعه في المعصية، وكل أحد يعلم هذا، كل أحد يعلم هذا: أنه إذا وقع في ذنبه وخطيئته أنها قد قدرت عليه، كل أحد، لكن هل معنى هذا أنه قد علم ذلك قبل الوقوع؟ لا، قبل الوقوع لا يعلم أحد. وأما بعد الوقوع، فالكل، كل من وقع في معصية علم أنها مقدرة، أنه لا يكون شيء في ملكوت الله إلا بتقدير الله جل وعلا، فهذا يحتج على فعله للذنب والمعصية بأنها قدرت عليه، وهو لم يعلمها قبل وقوعه في المعصية، وإنما علمها بعد وقوعه فيها، وهذا لا حجة له في ذلك، واعتذاره هذا مردود عليه. لماذا لم يقدر أن الله تعالى كتبه من أهل السعادة، يفعل الطاعة، يفعل الطاعة، ويقول: هذا مقدر علي؟ لماذا لا يأخذ بأسباب السعادة، ويقول: هذا مقدر علي؟ فعل هذه الأسباب أسباب السعادة، لماذا لا يأخذ بأسباب الشقاوة ويقول: مقدرة علي؟ نقول: طيب، خذ بأسباب السعادة، افعل الطاعة، يقول: هذا مقدر علي، لا، وإنما يفعل ويأخذ بأسباب الشقاوة، ويفعل بنو المعاصي، ويقول: بقدر الله، نقول: يفعل أسباب السعادة، وفعل الطاعة، وقل: بقدر الله، لماذا لا تقول هذا؟ ولماذا لا تفعل هذا؟ إنما تفعل الذنوب والمعاصي، ثم تقول: بقدر الله جل وعلا. وهكذا كذلك القدر سر مكتوب، القدر سر مكتوب، لم يطلع عليه لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، فمن الذي أعلم هذا الذي احتج بالقدر على فعله للذنوب والمعاصي؟ ما تدري نفسه ماذا تكسب غدا، كما قال جل وعلا: ﴿وما تدري نفس ماذا تكسب غدا﴾، أنت ما تدري ماذا تكسب غدا، خيرا أم شرا؟ نعم، فلذلك أمرت أنت بأن تفعل الطاعة، تترك المعاصي، ما تدري ما القدر، القدر لم يطلع عليه أحد، هذا السر سر الله جل وعلا القدر، فلا تصبح فاعلا للمعاصي والذنوب، تقول: مقدرة علي، لا حجة لك في ذلك، لأنك تفعل الذنب والمعاصي وتحتج بالقدر، وما علمت ذلك إلا بعد الوقوع، وكل أحد يعلم أنه إذا وقع في المعاصي كانت في قدر الله، لا شك، لأنه لا يكون إلا ما قدر الله جل وعلا. وذكر رحمه الله تعالى أن يقحم من نفسه ما أثم، ترك الواجب وفعل المحرم ظلم لها، أنت حين تقع في الذنوب والمعاصي وتقحم نفسك في هذه المآثم، تترك الواجبات، تفعل المحرمات، تفعل بنو المعاصي، تترك الطاعات، أنت تظلم نفسك وتعتدي على نفسك، وكما قال جل وعلا: ﴿وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم﴾، في الآية الأخرى: ﴿ولكن أنفسهم كانوا يظلمون﴾، فأنت يا عبد الله حين تقع في الذنوب والمعاصي تظلم نفسك وتقحم نفسك في هذه المآثم وتعتدي على هذه النفس، أليس هذا منك عدوان؟ أليس هذا منك ظلم لهذه النفس؟ بلى، وقوع في ذنوب المعاصي ظلم منك واعتداء منك على نفسك. فلو أن أحد ظلمك، لو أن أحد ظلمك واعتدى عليك، لا ترضى، لو اعتدى عليك أحد أو ظلمك أحد، فإنك لا ترضى بهذا الظلم، فكيف تظلم نفسك وتعتدي على نفسك وتحتج بالقدر؟ تظلم نفسك وتعتدي عليها، ثم تحتج بالقدر، وإن ظلمك أحد أو اعتدى عليك واعتدى بالقدر ما قبلت منه، فأنت تكيل بمكيالين، نعم. ولذلك قال المؤلف رحمه الله: ولو أن أحد ظلم المحتج بالقدر على مخالفته، ثم قال له: ظلم إياك كان بقدر الله، لم يقبل منه هذه الحجة، فكيف لا يقبل هذه الحجة بظلم غيره له، ثم يحتج بها بظلمه هو لنفسه، هو ظلم نفسه واعتدى على نفسه، وإذا قال له: يا فلان ظلمت نفسك واعتديت عليها، قال: لا، مقدر علي، مقدر عليك أن تظلم نفسك، مقدر عليك أن تعتدي على نفسك، طيب، ظلمك غيرك واعتدى عليك، وقال لك: كلا، لك أنا مقدر علي أن أظلمك كما ظلمت نفسك واعتديت على نفسك، بقدر الله، أنا كذلك ظلمتك واعتديت عليك بقدر الله، تقبل؟ ما تقبل، ما تقبل. فهذا يدلنا على أنه يعتذر ويحتج بالقدر في موضع، وفي موضع آخر مثل هذا الموضع هو لا يحتج، فيتناقض، الآن لو جاء أحد إلى هذا الجبري الذي يحتاج بالقدر، لطمه، أعطاه لطمة، اعتدى عليه، لطمه، ما لك يا فلان؟ لطمتني واعتديت علي، قال: بقدر الله، يرضى؟ يرضى؟ ولا يرضى؟ لا يرضى، هو يظلم نفسه يعتدي عليها ويكون سبب دخولها في نار جهنم، فيقول: بقدر الله، وإذا لطمه أحد، قال له: بقدر الله، ما يقبل، وإذا قال: صح، بقدر الله، ما عليك، يعطيه لطمة أخرى ثانية، قل له: بقدر الله، إذا قال: تم، يعطيه الثالثة والرابعة والخامسة، بعدها يقول: خلاص، لا، لا، كان بقدر الله، لا، لا، تعتني علي وتلطمني، الأولى والثانية والثالثة، الثالثة لا يتركه حتى يقول: خلاص، فلابد أن يقول: لا، لا، ليس بقدر الله، ما سيرضى؟ إذا رضي في اللطمة الأولى وأصبر عليها، فلن يصبر على الثانية، وإذا صبر على الثالثة، فلن يصبر على الثالثة وهكذا، نعم. وهكذا الناس يتناقضون، يفعلون الذنب والمعاصي، وهو لقد مقدر عليه، طيب، إذا اعتدى عليهم، سرق مالهم، ما لك يا فلان؟ سرقت مالي، وما لك يا فلان؟ ضربتني، وما لك يا فلان؟ فعلت كذا، فإذا قال لك يا أخي: بقدر الله، سرقت مالك، بقدر الله، خلاص، واعتدى على عرضك، بقدر الله، حتى قتلتك، ما لقد قتلت أخيك بقدر الله، لا تلومني، وهكذا، ما أحد يقبل. ولذلك ذكر العلامة السعدي رحمه الله في آخر شرحه للتائية القدرية لشيخ الإسلام تيمية رحمه الله، قصة ذلك الجبري الذي غلا في الجبر، غلا في الجبر غلوا عظيما، يقع في الذنوب والمعاصي وينتهك ويفعل ويفعل كل ما غنى، يا فلان، قال: بقدر الله، ما لك يا فلان؟ قال: بقدر الله، مقدر، كأنه صاحب ينصحه بأن يترك هذه المقالة، لا يحتج بالقدر على وقوعه في الذنوب والمعاصي، ويقول: لا، يا فلان، اتق الله، ترك الذنوب والمعاصي، بقدر الله، فصار هذا الصاحب صاحب هذا الجبري ينتهز فرصة، يريد فرصة، يقوم، يقيم الحجة عليه في وقتها، فصادف، وهذا الجبري كان صاحب أموال، هذا الجبري صاحب أموال، عنده مواشي وعنده كذلك سلع ومبايع وتاجر. فصادف ذات يوم أن جاءه الوكيل الذي وكله هذا الجبري في رعي المواشي ورعي الإبل والغنم، فجاء إليه هذا وقال له: أخذت الغنم وأخذت الماشية ورعيتها في أرض جذبة لا عود أخضر فيها، فهلكت المواشي، المواشي هلكت لأنني رعيت هذه المواشي في أرض جذبة لا عود أخضر فيها، يعني: ما فيها كلأ، هلكت من الجوع، فغضب الجبري، كيف أهلكت المواشي؟ رعيت المواشي في أرض جذبة، وعندك الأرض الخصبة، غضب، قاله: بقدر الله، قاله: بقدر الله، فزاد غضبا، هو قد غضب لسبب هلاك المواشي، وعذر هذا زاده غضبا. جاء الثاني الذي وكله برعاية أبنائه وتربية أبنائه والاهتمام بهم، جاءه وقال له: أخذت الأولاد وجعلتهم يخرجون إلى بئر يسبحون فيها فهلكوا، كيف؟ قال: بقدر الله، بقدر الله، قال: كيف جعلت الأولاد يخرجون إلى هذه البئر والبئر عميقة وغزيرة، ما هو غزير، وهم لا يجيدون السباحة، كيف جعلتهم؟ قال: بقدر الله، ازداد غضبا مع غضبه. وجاء الثالث وقال له: يا فلان، سلكت طريقا مخوفا فأخذت البضائع وسرقت، قال له: كيف تركت الطريق الآمن وتتعلم أن هذه الطريق فيها مخاوف؟ سلكت هذه الطريق، تركت الطريق الآمن، تقول الآن: سرقت البضائع، فقال له: بقدر الله، فازداد غضبا، وكان صاحبه عنده، وهو منتظر هذا اليوم بفارق الصبر حتى يقيم عليه الحجة، قال له: سبحان الله، عجبا يا فلان، عجبا يا فلان، تعامل ربك جل وعلا بهذا الاحتجاج، تقع في الذنوب والمعاصي وتفعل وتفعل وتفعل، ثم تقول: بقدر الله، والآن غضبت على هذا الذي أهلك مواشيك حين رعاها في الجذبة، وغضبت على هذا الذي أهلك أولادك حين جعلهم يخرجون إلى تلك البئر وهم لا يجيدون السباحة، وغضبت على هذا الذي ضيع أموالك حين سلك بها الطريق المخوف، وأنت وأنت مع نفسك لست هكذا، تظلم نفسك وتعتدي عليها وتقول: بقدر الله، وتعصي ربك جل وعلا وتقول: بقدر الله. فاق ذلك الجبر من غفلته وصحى من نومه، فعرف خطأه، ثم قال: والله، إن هذا الذي اهتديت إليه والذي هداني الله جل وعلا له أعظم عندي مما ذهب، أعظم عندي مما ذهب من الأولاد ومن الأموال ومن المواشي، سهل، الهداية هذه التي حصلتها أعظم، حيث علمت أن هذا الذي كنت عليه من الضلال والخطأ، قال: واستيقنت قول الله جل وعلا: ﴿وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾، فهذا مثال عظيم ذكره العلامة السعدي في آخر شرح التأييد القدير لشيخ الإسلام، يبين لك أن الذي يحتج بالقدر على المعاصي هو نفسه لا يرضى إذا احتج عليه أحد، أهلك ماله أو اعتدى عليه، إذا قال له: بقدر الله، فإنه لا يقبل. فكيف يقبل في موضع ولا يقبل في موضع آخر؟ وذكر رحمه الله تعالى ثالثا: أن هذا المحتج لو خير في السفر بين بلدين، أحدهما بلد آمن مطمئن، فيه أنواع المآكل والمشارب والتنعم، والثاني بلد خائف قلق، فيه أنواع البؤس والشقاء، لاختار السفر إلى البلد الأول، ولا يمكن أن يختار الثاني محتجا بالقدر، فلماذا يختار الأفضل في مقر الدنيا، ولا يختاره في مقر الآخرة؟ الآن أراد أن يسافر، عنده طريق فيه أمن ما شاء الله، لا قطع طرق، ولا أحد يعتدي عليه ولا على ماله، طريق آمن، وما شاء الله محطات في كل ما تمشيه قليل، لو محطة ومشارب، وطريق مخوف، نعم، وعر شاق، فيه قطع طرق، لا يأمن على نفسه ولا على ماله، أي طريق يختار؟ هل سيدعى في الطريق المخوف؟ إذا دهى في طريق المخوف، ما ليس يقولون عليه: أنت مجنون، أنت مجنون، تلقي بنفسك إلى التهلكة، عندك الطريق الآمن الذي لا وعر فيه ولا مشقة فيه، أمن وكذا وكذا، ثلاثة، هذه الطريق، نعم. وطريق الآخرة هو يسلك فيها الطريق الوعر، ويقول: بقدر الله، لكن في الدنيا ما يسلك الطريق المخوف ويقول: بقدر الله، ما يسلك الطريق المخوف، يقول: بقدر الله، وإنما يسلك الطريق الآمن، لكن في الطريق إلى الآخرة يسلك الطريق المخوف، بمعنى أنه يختحم الذنوب والمعاصي والآثام، ويأخذ بأسباب الشقاوة، بأسباب دخول النار، ثم يقول: بقدر الله، لا عليك، كما أخذ بأسباب النجاة في الدنيا أن تأخذ بأسباب النجاة في الآخرة، فالآمر واحد، لا فرق، أنت تطلب لنفسك النجاة، وأن تطلب لنفسك كذلك الآمن والاطمئنان، فاجعل الميزان واحدا، كما تفعل هذا في الدنيا وتأخذ بأسباب الأمن والنجاة، فكذلك في أمر الآخرة، عليك أن تسلك أسباب النجاة وأسباب الأمن والاطمئنان، لا تكن في أمر الدنيا آخذا بأسباب النجاة والسلامة، وفي أمر الآخرة آخذا بأسباب الشقاوة والهلاك. فأنت في الدنيا إذا سلكت طريق الخوف وعدم الأمن، فباختيارك، وأنت التي جنيت على نفسك وتعلم أنه ما أجبرك أحد على السير في هذه الطريق، طريق التي هي طريق الخوف، ما أجبرك أحد، أنت بنفسك سرت فيها، وهكذا إذا سرت في طريق الآمن، كان سيرك باختيارك، لم يجبرك أحد على ذلك، وهكذا كذلك في سيرك إلى الآخرة، فأنت إن سلكت أسباب النجاح، فبإرادتك واختيارك، لم يجبرك على ذلك أحد، وإن سلكت طريق الشقاوة والتعاسة، فبإرادتك واختيارك، لم يجبرك على ذلك أحد، فإذن أنت الذي اخترت، وأنت الذي باشرت، لم يجبرك على ذلك أحد، وهذا واضح وبين. قال رحمه الله: فإن قال قائل: ما الجواب عن قوله تعالى: ﴿اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين ولو شاء الله ما أشركوا﴾، فأخبر أن شركهم واقع بمشيئة الله تعالى؟ قيل له: الجواب عنه أن الله تعالى أخبر أن شركهم واقع بمشيئته، تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم، لا دفاعا عنهم، وإقامة العذر لهم، بخلاف احتجاج المشركين على شركهم بمشيئة الله، فإنهم قصدوا به دفع اللوم، دفع اللوم عنهم، وإقامة العذر على استمرارهم على الشرك، ولهذا أبطل الله احتجاجهم، ولم يبطل أن شركهم واقع بمشيئته. فهذا الاعتراض الذي يعترض به المعترض، حيث أن الله جل وعلا أخبر أن شرك المشركين واقع بمشيئته سبحانه وتعالى، فقد أخبر الله جل وعلا أن شرك المشركين واقع بمشيئته جل وعلا: ﴿ولو شاء الله ما أشركوا﴾، فأجاب رحمه الله عن هذا الاعتراض أن هذا فيه تسلية لرسول الله عليه الصلاة والسلام، حتى لا يحزن ولا تذهب نفسه حسرات عليهم، حين يرى المشركين هؤلاء يشركون بالله جل وعلا، ولا يمتثلون أمر الله جل وعلا، ويأتون بالتوحيد والإسلام. فالنبي عليه الصلاة والسلام يتألم لذلك، وتتقطع نفسه عليه الصلاة والسلام حسرات بسبب هذا، فالله جل وعلا يسلي نبيه صلى الله عليه وسلم بمثل هذه الخطابات التي فيها التسلية لرسول الله عليه الصلاة والسلام، مثل ذلك أيضا حرصه عليه الصلاة والسلام على دخول الناس جميعا في دين الله جل وعلا، وإظهار شيء يكون به تصديق الناس جميعا به وقبولهم لدين الله جل وعلا، كما قال جل وعلا: ﴿ولو استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين﴾، الرسول عليه الصلاة والسلام يحرص شديد الحرص أن يأتي بآية، نعم، يجتهد ويجتهد جدا ويجتهد اجتهادا عظيما، حتى قال جل وعلا: ﴿ولو استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية﴾، لماذا؟ لكي يهتدي الناس جميعا بهذه الآية، ولا يتخلف أحد عن الهداية. لكن بيّن الله جل وعلا لنبيه صلى الله عليه وسلم أن الأمر بمشيئته جل وعلا، فمن شاء هداه جل وعلا، ومن شاء أضله سبحانه وتعالى، ومن هداه هداه جل وعلا فضلا ورحمة منه، ومن أضله فأضله عدلا جل وعلا، لأن الهداية أي: هداية الناس، وإضلال الناس، من حيث الهداية هي محضة فضل منه جل وعلا، وهكذا الهداية، وهكذا الإضلال، وهكذا الإضلال هو عدله سبحانه وتعالى، أنه لم يمنع الناس شيئا قد استحقوه على ربهم جل وعلا. فالظلم حين يمنع الشخص شيئا قد استحقه، هذا الظلم، وضع الشيء في غير محله هو الظلم، والله جل وعلا لما أضل من أضل، ليس هو جل وعلا قد وضع الشيء في غير محله، بل وضع الشيء في محله، ولم يمنع أحدا جل وعلا شيئا قد استحقه، فالعباد لا يستحقون من الله جل وعلا حقا واجبا، الله جل وعلا أن يهديهم، لا، وإنما هذا فضل الله يؤتيه من يشاء، فما ظلمه الله جل وعلا الظلم، إنما يقع إذا منع العبد شيئا قد استحقه، وقد وجب له شيئا قد استحقه ووجب له، فمنع، هنا الظلم، أما إذا منع شيئا، منع من شيء لم يستحقه ولم يوجب له، فهذا ليس بظلم، ولله المثل الأعلى. من هداه ليس لكونه قد وجب لذلك الذي هداه هذا الحق له على الله، وإنما هو بفضله جل وعلا وبرحمته هداه، وذلك كذلك الذي منعه الهداية وأضله، ما ظلمه الله سبحانه وتعالى، لأنه لم يمنعه شيئا قد استحقه على ربه جل وعلا، بل ربنا سبحانه وتعالى يتصرف في ملكه كيف يشاء، وهو ملكه يتصرف فيه كيف يشاء، يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وليس معنى ذلك أنه يتصرف لمحض مشيئة غير تابعة للحكمة، لأن أفعال الله جل وعلا أفعال حكمة، ولذلك نقول: من هداه الله جل وعلا لحكمة، ومن أضله الله جل وعلا كذلك لحكمة، والذي هداه كذلك فضلا ورحمة منه جل وعلا، والذي أضله ما ظلمه سبحانه وتعالى، ولكن علمه جل وعلا بعباده العلم الأزلي هو الذي لأجله، علم من عباده من استحق الهداية منه جل وعلا، وهذا الكرم، هذا المن، فتفضل به عليه، ومن لا يستحق ذلك منه جل وعلا، أي: هذا التكرم، هذا الفضل، هذا المن منه جل وعلا، فوكله إلى نفسه، وخذله. فإذا لا ظلم من الله جل وعلا لأحد من عباده، كيف وقد نزه ربنا جل وعلا الظلم عن نفسه: ﴿يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا﴾، فإذا الهداية بفضله ورحمته، والإضلال والشقاء بعدله سبحانه وتعالى، ففي الآية تسلية لرسول الله عليه الصلاة والسلام، لكي لا تذهب نفسه حسرات على هؤلاء الذين أشركوا، لأن الله أخبر أن شركهم واقع بمشيئته جل وعلا، وهي المشيئة الكونية، المشيئة الكونية التي لا يخرج عنها أحد، التي لا يخرج عنها أحد، وهي تلك المشيئة التي وتلك الإرادة الكونية: ﴿من يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء﴾، وهذا تابع العلم الأزلي سبحانه وتعالى الذي علمه من عباده، فهذا من يستحق الهداية والتكرم والفضل منه لعلمه جل وعلا، ومنع ذلك ممن خذله وعلم منه الركون إلى نفسه، فوكله إلى نفسه، جعل عنده القدرة والإرادة والاختيار، يفعل الطاعة والمعصية، لكن حرم الإعانة والتوفيق الذي هو شيء زائد، يعان به العبد على فعل الطاعة وعلى ترك المعصية، فهذا شيء زائد وفضل منه جل وعلا. فمن عنده قدرة وإرادة والاختيار على فعل الخير والشر، فقد قامت عليه الحجة، فلا يقول: لم أعن، وما شاء الله جل وعلا ذلك لي، مشيئة كونية قدرية، لأن هذا كما تقدم فضل الله يؤتيه من يشاء، فإذا فعل المشركين وشركهم واقع بمشيئة الله جل وعلا، بمعنى المشيئة الكونية القدرية التي لا يخرج عنها أحد، وهذه لا احتجاج بها على فعل المعاصي، لا احتجاج بها على فعل المعاصي، لأن الإنسان وإن كان لا يخرج عن مشيئة الله الكونية، ليس معنى ذلك أنه مجبور على أفعاله، أو أنه لا إرادة له ولا اختيار، بل عنده الإرادة والاختيار والقدرة، وقدرته وإرادته واختياره تابعة لمشيئة الله جل وعلا الكونية التي لا يخرج عنها أحد، التابعة لعلمه السابق الأزلي بعباده سبحانه وتعالى. فإذا فيه التسلية لرسول الله عليه الصلاة والسلام، وفيها بيان أن المراد هنا أنهم بمشيئة الله، أي: الكونية القدرية التي لا احتجاج بها على فعل المعاصي والشرك، لأنه لا حجة لأحد بأن يحتاج بالإرادة الكونية والمشيئة الكونية على فعل المعاصي، وقد أبطل الله جل وعلا احتجاجهم بشركهم، ولم يبطل احتجاجهم أن ذلك واقع بمشيئة الله، الله عز وجل هنا ما أبطل على المشركين حين قالوا: ﴿ولو شاء الله ما يشركنا﴾، ما أبطل قولهم أن شركهم واقع بمشيئة الله، لا، لم يبطل ذلك، هذا صحيح، شركهم واقع بمشيئة الله، لكن مشيئة الله الكونية التي لا يخرج عنها أحد، والتي ليس لأحد الاحتجاج بها على فعل المعاصي. ولكن أبطل احتجاجهم كون شركهم الذي ماذا وقع منهم؟ أنهم ماذا قد أجبروا عليه؟ أنهم قد ماذا أجبروا على فعل هذا الشرك؟ وهذا إنما هو مثل احتجاج إبليس على ربه جل وعلا: ﴿ربي بما أغويتني﴾، قال: ﴿ربي بما أغويتني لأزينن لهم﴾، نعم، فمعنى ذلك أنه نسب غوايته إلى الله، يعني: كأن إبليس ماذا يقول؟ يقول: أنت يا رب الذي غويتني، ﴿ربي بما أغويتني﴾، فنسب الغواية إلى الله جل وعلا، وأن غوايته قد جبر عليها، وهذا كذب من إبليس لعنه الله، ما جبره الله جل وعلا على الغواية، ما جبره الله جل وعلا على الغواية، وهكذا المشركون الذين يحتجون بشركهم بقدر الله جل وعلا، وأنهم قد أجبروا على هذا الشرك وعلى فعله، فهي حجة إبليسية، مثل حجة إبليس التي احتج بها الله جل وعلا، وأن الله جل وعلا جبره على الغواية، جبره على هذه الغواية، والله جل وعلا ما جبر أحدا من عباده، بل جعلهم إرادة واختيارا، يختارون به الغواية أو الهداية، أو الشقاء أو السعادة، أو الخير أو الشر، أو الطاعة أو المعصية، أو الهدى أو الضلال، أو المعروف أو المنكر، إلى آخر ذلك. فهذا معنى قوله جل وعلا: ﴿ولو شاء الله ما أشركوا﴾، كما سمعتم، قال رحمه الله تعالى: ولذلك قال هنا المؤلف: لا دفاعا عنهم، يعني: ما دافع الله جل وعلا عنهم لإقامة عذرهم، وأنه قد أقام لهم العذر في ذلك، لا، وإنما تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم احتجاجهم كما سمعتم، إنما كان على شركهم، وأنهم أجبروا على ذلك، وأبطل الله جل وعلا ذلك، ولم يبطل احتجاج هؤلاء أنما وقع بمشيئة الله، لكنهم أرادوا شيئا باطلا. قال رحمه الله تعالى: فإن قال قائل: ما الجواب عما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن نبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «احتج آدم وموسى»، وفي لفظ: «تحاج آدم وموسى»، فقال موسى: يا آدم، أنت أبونا خيبتنا واخرجتنا من الجنة، فقال له آدم: أنت موسى استفاك الله بكلامه، خط لك التوراة بيده، أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ فحج آدم موسى، فحج آدم موسى ثلاثا، وعند أحمد: «فحجه آدم»، أي: غلبه في الحجة. قيل له: الجواب من وجهين، أحدهما: أن موسى عليه الصلاة والسلام لم يعتب على آدم في معصية تاب منها إلى الله تعالى، فاجتباه ربه وتاب عليه وهده، فإن هذا بعيد جدا أن يقع من موسى عليه الصلاة والسلام، وهو أجل قدر من أن يلوم أباه ويعتب عليه في هذا، وإن معنا بذلك المصيبة التي حصلت لآدم وبنيه، وهي الإخراج من الجنة الذي قدره الله عليه بسبب المعصية، فاحتج آدم على ذلك بالقدر، من باب الاحتجاج بالقدر على المصائب، لا على المعائب، فهو كقوله صلى الله عليه وسلم: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقول: لو أني فعلت كذا لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان»، رواه مسلم. فقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى تفويض الأمر إلى قدر الله بعد فعل الأسباب التي يحصل بها المطلوب، ثم يتخلف، ونظير هذا أن يسافر شخص فيصاب بحادث في سفره، فيقال له: لماذا تسافر؟ فيقول: هذا أمر مقدر، والمقدر لا مفر منه، فإنه لا يحتجب بالقدر على السفر، لأنه يعلم أنه لا مكره له، وأنه لم يسافر ليصيبه الحادث، وإنما يحتج بالقدر على المصيبة التي ارتبطت به، وهذا هو الوجه الذي اختاره الشيخ المؤلف في هذه العقيدة. ثم ذكر بعد ذلك الوجه الثاني، هذا الاعتراض الذي يعترض به هذا المعترض، يقول: ماذا تقولون في حديث محاجة آدم وموسى؟ موسى عليه الصلاة والسلام قالا لآدم: يا آدم، أنت أبونا خيرتنا واخرجتنا من الجنة، فعاتب موسى أباه آدم على هذا، فآدم عليه الصلاة قال لموسى: يا موسى، أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ فبين النبي عليه الصلاة والسلام أن آدم حج موسى، يعني: كانت الحجة مع آدم، فهنا قد يستدل بهذا من يفعل الذنوب والمعاصي، ثم يحتج بالقدر، ثم يحتج ماذا بالقدر؟ ويقول: آدم كذلك لما أنكر عليه موسى احتج بالقدر، احتج بالقدر، وأن تلك، أن ذلك الذي وقع منه، وهو أكله من الشجرة، كان بقدر الله، وتلك المخالفة كانت بقدر الله، فيقول: أنا مثل ذلك، أقول لكم: بقدر الله. فهل هنا فيه فرق؟ أم لا فيه فرق؟ على الق